يوم 19 ديسمبر 2022 كتب الناشط السياسي المصري المفرج عنه مؤخرا بموجب عفو رئاسي، عبد الرحمن طارق، الشهير بـ "موكا" والذي هاجر خارج مصر، يؤكد أن زميله في زنزانة سجن طرة عبد الرحمن زوال، مات بسبب البرد.
ما قاله "موكا" عن زميل زنزانته الراحل، يشكو منه المعتقلون صيفا وشتاء، في الصيف يموتون من الاختناق في زنازين مكدسة، وعندما يأتي البرد القارس مثل هذه الأيام يفاقم معاناة المعتقلين وينهش عظامهم، كما ينقل أهلهم ومحاموهم، الذين يؤكدون أن ما يفاقم برد الشتاء الحالي أنه تم نقل كل المعتقلين إلى سجون جديدة في الصحراء.
وهو ما قد يفسر أيضا تصاعد عدد الوفيات في السجون ومقار الاحتجاز المصرية المختلفة خلال الأشهر القليلة الماضية، وحدوث أربع وفيات خلال 48 ساعة في سجون ومقار احتجاز مختلفة قبل أيام معدودة.
منذ بداية فصل الشتاء، بدأ عدد من أهالي المعتقلين في مصر تدوين شكاوى حول معاناة ذويهم داخل السجون المصرية، بسبب تعنّت إدارات السجون في إدخال إمدادات الشتاء أثناء الزيارات.
ولأسباب غير معلومة ترفض أحيانا إدارات السجون في مصر إدخال ملابس ثقيلة أو بطانيات، ما تسبب في الإعلان مؤخرا عن حالة وفاة جراء موجة الصقيع خلال فصل الشتاء، وبناء على ذلك طالبت منظمات حقوقية الجهات المعنية بإعادة النظر في الأمر لمد السجناء على ذمم قضايا سياسية بملابس ثقيلة وأغطية تحميهم من برد الزنازين.
"برد الزنازين" هو الاسم الذي حملته حملة حقوقية أطلقها عدد من الناشطين عبر فيسبوك للتعبير عن المعاناة التي يعيشها سجناء القضايا السياسية في مصر، وذلك تزامنا مع التعليمات التي نشرتها هيئة الأرصاد الجوية عن تقلب الطقس وتدني درجات الحرارة.
أعداد وفيات السجون
تتكرر الوفيات في السجون ومقار الاحتجاز المصرية بشكل مخيف، وأغلبها بسبب الإهمال الطبي، وبعضها بسبب البرد القارس، فضلا عن أسباب آخرى، وقد رصدتها تقارير متعددة لمنظمات حقوقية.
لا تقتصر حالات الوفيات التي ترصدها المنظمات الحقوقية على حالات البرد أو المرض فقط ، ولكنها تعلن أن هذا ما وصل لها من 60 ألف معتقل ما يعني أن هناك جرائم أخرى لنظام السيسي لا يعرف عنها أحد شيئا.
وأحيانا تعلن منظمات حقوقية مصرية وفاة معتقلين سياسيين في السجون ومقار الاحتجاز دون التأكد من سبب الوفاة، ولا سيما إذا كانت نتيجة الإهمال الطبي بعد فترة من المرض، أو الشكاوى غير المنظور فيها.
في 24 ديسمبر 2022 توفي المعتقل فتحي النجدي سالم داخل قسم شرطة الزقازيق، وكان يعاني من مرض السكري، وتدهورت حالته الصحية، ثم نقل إلى مستشفى الزقازيق العام، وهناك لفظ أنفاسه الأخيرة.
وقبله بساعات، توفي المعتقل مسعد الشافعي، داخل محبسه بسجن القناطر، وكان رجل أعمال من قرية كفر حكيم بمركز كرداسة في محافظة الجيزة.
وقبلهما بساعات أيضا، توفي المعتقل أشرف عبد السلام منصور، وشهرته "أشرف سلمي" في سجن برج العرب بمحافظة الإسكندرية، في 22 ديسمبر، وفي اليوم السابق، توفي السجين السياسي، جهاد عبد الغني، بعد معاناة مع مرض السرطان، وإهمال متعمد لحقه في الرعاية الصحية.
وفي نهاية نوفمبر 2022 رصدت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، نقل السلطات الأمنية المصرية قرابة 570 سجينا سياسيا من "سجن ليمان 440 وادي النطرون" إلى مجمع سجون وادي النطرون الجديد، ورفضت السلطات الأمنية السماح للسجناء بأخذ أمتعتهم أو أغراضهم الشخصية من ملابس وأغطية وأدوات معيشة، ثم سلمت السجناء بطانيتين مصنوعتين من خامات رديئة، مع ملابس السجن.
ورغم اعتراض السجناء على الإجراءات الصارمة التي لا تسمح بدخول الأغراض والملابس، والتي تشكل أعباء جديدة تضاف إلى إجراءات النقل والتجريد، ولا سيما مع دخول فصل الشتاء والبرد القارس، لم يتم الاستجابة لأي من مطالبهم، حتى إن مطالب المرضى وكبار السن الذين يحتاجون إلى رعاية خاصة تم تجاهلها على الرغم من وجود السجن الجديد في قلب الصحراء، حيث المناخ شديد البرودة شتاء، وشديد الحرارة صيفا.
وبالتزامن مع حلول فصل الشتاء، وثقت منظمة "نحن نسجل" الحقوقية، تعرض السجناء المحتجزين داخل مجمع بدر الأمني، وتحديدا في "مركز إصلاح وتأهيل بدر 3" لحملة ممنهجة من التعذيب النفسي والبدني بعد مطالبتهم بزيادة كميات الطعام، وأغطية الشتاء.
ووفق شهادات وثقها فريق المنظمة؛ فإن إدارة السجن استخدمت الصعق بالكهرباء، والغاز المسيل للدموع ضد بعض السجناء الذين قرروا الاحتجاج أو الإضراب اعتراضا على ظروف السجن السيئة، وصرف بطانية واحدة لكل سجين رغم البرد القارس، وإضاءة الزنازين بشكل دائم مما يؤثر عصبيا على المعتقلين.
وقد تسبب الإهمال الطبي في وفاة 60 محتجزا على الأقل داخل السجون ومقار الاحتجاز المصرية خلال عام 2021، حسبما وثقت منظمة "نحن نسجل" في الإحصاء السنوي، وقالت إنهم "ينقسمون إلى 52 ضحية من السجناء السياسيين، و8 سجناء جنائيين، وكان من بينهم 6 أطفال".
ومنذ مطلع عام 2022، توفي 35 من السجناء السياسيين على الأقل، إما نتيجة الإهمال الطبي المتعمد، أو البرد، أو الوفاة الطبيعية في ظروف احتجاز غير آدمية تجعل الوفاة في حد ذاتها أمرا غير طبيعي، إذ تفتقد السجون المصرية بشكل عام إلى مقومات الصحة الأساسية، والتي تشمل الغذاء الجيد، والمرافق الصحية، وخصوصا دورات المياه الآدمية التي تناسب أعداد السجناء، وكذلك الإضاءة والتهوية، وفترات التريض، كما تعاني في أغلبها من التكدس الشديد للسجناء.
وأكدت منظمات حقوقية مصرية مرات متعددة على وجود تقاعس ممنهج من قِبَل مصلحة السجون في الاستجابة للطوارئ الصحية، ومضاعفات الأمراض المزمنة للمحتجزين، ويشمل ذلك المحبوسين احتياطيا والمساجين السياسيين.
سجون مشاريع قتل
ينص الدستور المصري على تجريم تعريض المسجونين أو المحتجزين لما ينافي كرامة الإنسان، أو يعرض صحتهم للخطر، لكن رغم ذلك تتكرر بشكل متواتر حالات الوفاة في السجون نتيجة أوضاعها السيئة، والإهمال الطبي المعتمد.
وتنص المادة 55 من الدستور المصري الحالي، على أن "كل من يقبض عليه، أو يحبس، أو تقيد حريته، تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنياً أو معنوياً، ولا يكون حجزه أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك، لائقة إنسانيا وصحيا، وتلتزم الدولة بتوفير وسائل الإتاحة للأشخاص ذوي الإعاقة، ومخالفة شيء من ذلك جريمة يعاقب مرتكبها وفقا للقانون، وللمتهم حق الصمت، وكل قول يثبت أنه صدر من محتجز تحت وطأة شيء مما تقدم، أو التهديد بشيء منه، يهدر ولا يعوّل عليه"
كما تنص المادة 56 من الدستور، على أن "السجن دار إصلاح وتأهيل، تخضع السجون وأماكن الاحتجاز للإشراف القضائي، ويحظر فيها كل ما ينافي كرامة الإنسان، أو يعرض صحته للخطر، وينظم القانون أحكام إصلاح وتأهيل المحكوم عليهم، وتيسير سبل الحياة الكريمة لهم بعد الإفراج عنهم".