عجز الميزان التجاري في أكتوبر (2022).. الأرقام تكشف عشوائية قرار السيسي حول قيود الاستيراد

- ‎فيتقارير

هناك لغز عجيب؛ فنظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي وضع قيودا على عمليات الاستيراد في فبراير 2022م بهدف تقليل فاتورة الاستيراد وتخفيف حدة الطلب على الدولار، لكن الأرقام تكشف عن ارتفاع عجز الميزان التجاري، خلال أكتوبر الماضي (22م)  ليصل إلى نحو 3.58 مليار دولار، مقارنة بـ2.95 مليار دولار في أكتوبر 2021، مسجلًا ارتفاع 21.1% على أساس سنوي. معنى ذلك أن قرار قيود الاستيراد لم يسهم في تراجع  فاتورة الاستيراد بل زادت عما كان عليه الوضع قبلها بسنة واحدة!!  وهذا لغز كبير!! لأن قرار الحكومة فشل فشلا ذريعا وتسبب في مشاكل كثيرة واحتجاز مئات الشحنات في الموانئ بسبب شح الدولار.

القرار نص على وقف التعامل بمستندات التحصيل في تنفيذ كل العمليات الاستيرادية، والعمل بالاعتمادات المستندية فقط لدى تنفيذ العمليات الاستيرادية، والذي لاقى رفضا واسعا. فالقرار ألزم التجار والمستوردين بتوفير قيمة أي صفقة ووضعها مسبقا في البنك من أجل الموافقة على استيراد الشحنات المطلوبة. وقبل ذلك كان المستوردون يدفعون للشركة الأجنبية التي يستوردنها منها جزءا من المبلغ  بالدولار ثم يكلمون عملية الاستيراد، وبعد عدة شهور وتصريف البضاعة في السوق يقوم المستورد بسداد ما تبقى عليه  من قيمة العملية للشركة التي استورد منها  ودفع مقدم عملية جديدة وهكذا.

ويمثل عجز الميزان التجاري الفارق بين صادرات مصر ووارداتها، وزاد العجز نتيجة لارتفاع قيمة بعض الواردات وانخفاض قيمة بعض الصادرات، وفقًا لبيان أصدره الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، الخميس الماضي، إذ ارتفعت قيمة الواردات بنحو 3.3% محققة 7.35 مليار دولار، قادها ارتفاع قيمة واردات منتجات البترول إلى ما يقرب من 105%، والقمح بنسبة 96%، على الرغم من انخفاض قيمة واردات أخرى مثل أدوية ومستحضرات الصيدلة بنسبة 20.4%، والنحاس ومصنوعاته 48.1%. على الجانب الآخر، انخفضت قيمة الصادرات بنحو 9.4% لتسجل 3.77 مليار دولار، تأثرًا بانخفاض قيمة الأسمدة بما يقرب إلى 40%، والبترول الخام 45.4%.

وتواجه مصر أزمة تكدس البضائع في الموانئ بمليارات الدولارات، هي الأسوأ منذ عقود، نتيجة عدم وجود وفرة دولارية للإفراج عنها، مما كبّد المستوردين والتجار والمصنعين خسائر ضخمة، وأدى إلى نقص في السلع ومدخلات الإنتاج وارتفاع أسعارها. تراكمُ البضائع غير المسبوق، بحسب مستوردين وخبراء ، هو نتيجة سلسلة من القرارات، التي أصدرتها بعض المؤسسات والهيئات والوزارات الحكومية، منذ التعويم السابق للجنيه المصري في نهاية 2016 للحد من نزيف الجنيه وزيادة الطلب على الدولار، ولكنها جاءت -وفق تقديراتهم- بنتائج عكسية.

وتنقل وكالة "رويترز" عن أستاذة جامعية فضلت عدم ذكر اسمها ، أن الكثير من الشركات الزراعية المعروفة تكبدت خسائر بملايين الدولارات بعد أن فسدت بضائعها في الموانئ، إلى جانب تحملها تكاليف التأخير والكشف عنها.  ويتوقع صندوق النقد الدولي رؤية تحركات يومية لسعر الصرف في مصر بعد إلغاء الاستيراد من خلال الاعتمادات المستندية، واستئناف الاستيراد بشكل طبيعي من أجل إظهار تقلبات سعر الصرف اليومية، التي ينتظرها الصندوق للتأكد من مرونة سعر الصرف. وشهدت الأيام الأخيرة من العام الماضي تحركا واسعا على المستوى الحكومي من أجل حلحلة الأوضاع، بعد أن شقت أسماعَ القاصي والداني صرخاتُ قطاعات صناعية وغذائية مثل الدواجن، على سبيل المثال لا الحصر، بأنها على وشك الانهيار. وقالت إحدى المفتشات المنتدبة من مركز البحوث الزراعية،  إن رائحة البضائع خاصة الزراعية والغذائية أزكمت الأنوف في العديد من الموانئ، ويجري إعدام أطنان على حساب الشركة المستوردة.

 

أزمة مفتعلة

أحمد شيحة رئيس شعبة المستوردين  السابق باتحاد الغرف التجارية  رحب بقرار البنك المركزي بإلغاء العمل بالاعتمادات المستندية والعودة إلى نظام مستندات التحصيل، لكنه يتهم  القرار السابق في فبراير 22م، بأنه تسبب في تفاقم الممارسات الاحتكارية وأوضح أن "هذا القرار من شأنه القضاء على الممارسات الاحتكارية التي ظهرت في الآونة الأخيرة، وهذا القرار كنا ننتظره بفارغ الصبر، وحسنا فعلت الحكومة عندما أوفت بوعدها بإلغاء القرار المشين".

استبعد شيحة أن يؤدي إلغاء القرار إلى زيادة الطلب على الدولار وهبوط الجنيه، وأكد أن ارتفاع الدولار إلى مستويات السوق السوداء مشكلة مفتعلة نتيجة القرار السابق والمضاربات على الدولار وحالة القلق والارتباك في السوق نتيجة نقص البضائع، لافتا إلى أن الموارد الدولارية تغطي احتياجات البلاد، إضافة إلى الاستثمار المباشر، ولكن الأزمة في القرارات الخاطئة التي تصدر من وقت لآخر. ورهن شيحة حدوث الانفراجة بشكل صحيح بإلغاء جملة من القرارات الأخرى التي أصدرتها بعض المؤسسات والهيئات والوزارات مثل وزارة الصناعة والتجارة والهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات ووزارة المالية والبنك المركزي، والتي تقيّد الاستيراد وجاءت معظمها بنتائج عكسية.

 

قرارات عشوائية

كانت الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات التابعة لوزارة التجارة والصناعة بحكومة الانقلاب نشرت في أبريل 2022 قائمة تضم منع دخول منتجات مئات المصانع والعلامات التجارية إلى السوق المصرية لمخالفتها القرار الوزاري رقم 43، الذي ينص على ضرورة إنشاء سجل للمصانع والشركات مالكة العلامات التجارية المؤهلة لتصدير المنتجات بهيئة الرقابة. كذلك قرار التسجيل المسبق للشحنات الذي أصدرته وزارة المالية في وقت سابق من العام الماضي قبل أن تتراجع عن تطبيقه لاحقا، حيث مددت في نوفمبر الماضي "2022" الفترة التجريبية لمنظومة التسجيل المسبق للشحنات "إيه سي آي" (ACI) بالموانئ الجوية وتأجيل التطبيق الإلزامي الذي كان من المقرر أن يبدأ في الأول من يناير2023، لحين استقرار الظروف الاقتصادية العالمية والمحلية، وذلك استجابة لمجتمع الأعمال من المتعاملين مع المنظومة الجمركية.

واعتبر المستشار الاقتصادي أحمد خزيم أن تراجع البنك المركزي عن قرار فبراير كاشف لحقيقة طريقة اتخاذ القرارات من كل جهة على حدة دون دراسة لنتائج تلك القرارات على الاقتصاد المصري، وقال "القرار تسبب في تراكم بضائع بقيمة 15 مليار دولار وخسائر فادحة للمنتجين والمصنعين والمستوردين، وأيضا للمواطنين المستهلكين، ولم تحم الجنيه من الانهيار ولا الدولار من الارتفاع، بل العكس زادت الطين بلة".

ووصف رئيس منتدى التنمية والقيمة المضافة، تلك القرارات بأنها صادمة للسوق وللمستثمرين المحليين والأجانب، وغير المدروسة وتتسبب في حدوث بلبلة في السوق، وتأتي من خارج سياق الحلول الناجعة، وتصدر عن مجموعة من الهواة، وما يجري معالجةٌ للعرض وليس المرض، ولا يمكن الوثوق في أي برنامج اقتصادي لدولة تسيّر بجملة من القرارات المتضاربة والمتأرجحة، تارة تتراجع، وتارة أخرى تؤجل، وهكذا دواليك.

 

حقل تجارب

وحذر خزيم من تحول السوق المصري إلى حقل تجارب للحلول المؤقتة والمسكنات غير الدائمة والابتعاد عن الحلول الجذرية للأزمة، والتي تتمثل في زيادة الإيرادات من خلال التركيز على الإنتاج والصناعات الصغيرة والمتناهية الصغر، وفتح المجال أمام القطاع الخاص، ورفع قبضة الدولة عن الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار المباشر، وإلغاء العراقيل البيروقراطية التي تعطل المشاريع. وانتقد خزيم استمرار المجموعة الاقتصادية في الحكومة على نهجها القديم منذ تعويم نوفمبر 2016 في معالجة الأزمات بالطريقة نفسها، وذلك باتخاذ قرارات مفاجئة وغير مدروسة، و"يجب تنحيتها جانيا والمجيء بعقول اقتصادية إنتاجية يمكنها أن تقود دفة الاقتصاد المصري المتنوع والكبير إلى بر الأمان".

يشار إلى أن اتحاد الصناعات وجمعية رجال الأعمال والاتحاد العام للغرف التجارية حذروا في فبراير 2022 من تأثيرات سلبية لقرار  البنك المركزي بوقع العمل بمستندات التحصيل، على إمدادات الصناعة ومستلزمات الإنتاج وأسعار المنتجات والسلع، في ظل مشاكل سلاسل التوريد بسبب استمرار تداعيات جائحة كورونا. وأشاروا إلى أنه سبق أن فشل تطبيق هذا النوع من القرارات التي وصفوها بالمنفردة والأحادية، لأنه ينذر بوجود خلل في توفر العملة الصعبة بالبلاد، ويسمح بعودة ظهور سوق سوداء موازية، مما سيرفع الطلب على العملة الصعبة سواء من قبل شركات الاستيراد أو المنشآت الصناعية لتغطية الاعتمادات المستندية، وهو ما حدث لاحقا، فنشطت المضاربات على الدولار وقفز إلى 35 جنيها في وقت سابق.

وتحت ضغوط التجار والمستوردين والمصنعين، لم يستجب البنك المركزي لمناشدات إلغاء القرار، ولكن دخول صندوق النقد الدولي على خط الأزمة واشتراطه إلغاء هذا القرار لاستكمال برنامج القرض الأخير البالغ 3 مليارات دولار لمدة 46 شهرا، دفع المركزي المصري إلى إلغائه قبل انتهاء الفترة الممنوحة له قبل نهاية العام الماضي 2022. وذكر البنك المركزي في بيان على موقعه الإلكتروني الخميس 29 ديسمبر 22م، أن "الحكومة ستسمح الآن بالدفع المباشر وقبول مستندات التحصيل.. وإلغاء العمل بالكتاب الدوري الصادر بتاريخ 13 فبراير 2022، والسماح بقبول مستندات التحصيل لتنفيذ كافة العمليات الاستيرادية". ما يبرهن على مدى العشوائية  في اتخاذا القرارات الحساسة والتي تضر قطاعات واسعة داخل المجتمع المصري.