شدد وزير المالية السعودي محمد الجدعان على أن بلاده غيّرت طريقة تقديم المساعدات لحلفائها والخاصة بتقديم منح مباشرة وودائع دون شروط. قائلا: «اعتدنا على تقديم منح ومساعدات مباشرة دون شروط.. ونحن نغير ذلك.. كما نحث دول المنطقة على القيام بإصلاحات». .ويؤكد أن «المساعدات التي ستقدمها المملكة للدول الأخرى ستكون مشروطة بإصلاحات، نحن في حاجة لأن نشهد إصلاحات. نريد المساعدة لكننا نريد منكم الاضطلاع بدوركم».
تصريحات الوزير السعودي يوم الأربعاء الماضي، خلال مشاركته في مؤتمر "دافوس" الاقتصادي بسويسرا، تحمل أخبارا سيئة لجنرال الانقلاب في مصر عبدالفتاح السيسي الذي يلح على عواصم الخليج من أجل منحه مزيدا من المساعدات بعدما حصل على مساعدات تزيد على مائة مليار دولار في السنوات السابقة بعد انقلابه في يوليو 2013م. وكانت صحيفة "القبس" الكويتية قد كشفت في تقرير لها أن السيسي حصل على منح ومساعدات تصل إلى 92 مليار دولار حتى منتصف 2019م.
وتتجه كل من السعودية والإمارات وقطر والكويت، بشكل متزايد نحو الاستثمار بدلا من تقديم المنح والمساعدات المالية المباشرة؛ ولمزيد من طمأنة الحلفاء في الخليج فإن السيسي من أجل الحصول على عدة مليارات من الدولارات؛ وجَّه المحكمة الدستورية بإصدار حكم يمنع المصريين من الطعن على عقود الخصخصة وبيع أصول الدولة؛ لا سيما وأن تجربة الخصخصة في عهد مبارك شابها فساد كبير ما دفع مصريين إلى الطعن عليها وأصدر القضاء الإداري أحكاما تاريخية ببطلان عقود البيع وإعادتها الشركات إلى ملكية الشعب من جديد.
ووقعت السعودية في يونيو 22م اتفاقات بقيمة 7.7 مليارات دولار مع مصر، بما في ذلك بناء محطة طاقة بقيمة 1.5 مليار دولار، وقالت إنها تعتزم قيادة استثمارات بقيمة 30 مليار دولار لمساعدة حليف قديم يواجه ضعف العملة المحلية ونقص العملة الأجنبية. كما أسست المملكة شركات في مصر والأردن والبحرين والسودان والعراق وعُمان سعياً إلى استثمارات تصل إلى 24 مليار دولار هناك.
فجوة كبرى في التمويل
وتتوقع سلطات الانقلاب الحصول على تمويلات خارجية بنحو 6 مليارات دولار قبل انتهاء السنة المالية الحالية في نهاية يوني 2023، من صندوق النقد و 3.75 مليارات دولار أخرى من مصادر متعددة الأطراف و1.5 مليار دولار من الصكوك وإصدار السندات. كما تتوقع الحصول على 12 مليار دولار قبل نهاية السنة المالية الحالية، عبر صافي الاستثمار الأجنبي المباشر وعائدات الخصخصة، مدعومة بالتزامات مختلفة من الحكومات الخليجية.
وبعد أحدث انخفاض لقيمة العملة الأسبوع الماضي، قال البنك المركزي المصري يوم الاثنين إن المستثمرين الأجانب حولوا أكثر من 925 مليون دولار إلى سوق الصرف الأجنبي في البلاد. وتتوقع "فيتش" أن تصل احتياجات مصر من التمويل الخارجي للسنتين الماليتين 2023 و2024 إلى ما لا يقل عن 19 مليار دولار و22.5 مليار دولار على التوالي. وتستثني الوكالة من ذلك التزامات الديون الثنائية التي تبلغ حوالي 8 مليارات دولار في عام 2023 و 6 مليارات دولار في عام 2024، مثل الودائع من الحكومات الخليجية، حيث يرجح تجديدها كما حدث في مرات سابقة. وترى الوكالة ان هناك احتمال حدوث عجز أو تقلب في تدفقات الاستثمار في حافظة الأوراق المالية من غير المقيمين أو ما يعرف بالأموال الساخنة، خاصة إذا كانت السياسات الحكومية أقل من توقعات المستثمرين أو تعرض الاقتصاد لصدمات إضافية.
خلافات سعودية مصرية
تصريحات وزير المالية السعودي تأتي بعد يومين فقط من تقرير نشرته صحيفة "الأخبار" اللبنانية، أفادت فيه بوجود "أزمة" تعتري العلاقات بين القاهرة والرياض على خلفية توجيه الاستثمارات السعودية المرتقب ضخها في السوق المصرية، ويجري العمل على حلحلتها على مستوى رفيع.
وتنقل الصحيفة في تقرير لها عن مصادر مطلعة تربطها علاقات وثيقة بالسفارة السعودية في القاهرة، أن حكومة السيسي ترغب في أن تكون عمليات الاستحواذ السعودية على شركات تابعة للحكومة أو للأخيرة نسبة فيها، ما يسمح بدخول الدولار إلى السوق المصرية بشكل مباشر، في حين تفضل الحكومة السعودية الاستحواذ على شركات مملوكة للقطاع الخاص. وأضافت أن التفاوض جرى، في الأسابيع الماضية، على عمليات استحواذ، استهدفت السعودية من خلالها شركات مملوكة لرجال أعمال مصريين يريدون إخراج أموالهم من مصر.
ويعتقد المسؤولون السعوديون أن إتمام العمليات عبر شركات تطرحها الحكومة المصرية، ومن بينها شركات وبنوك لا تحقّق عائدات كبيرة اقتصادياً، إنما يمثّل خسارة لاستثماراتهم التي تستهدف تحقيق عائد مالي مجزٍ في السنوات المقبلة، بحسب المصادر، التي أشارت إلى أن العديد من رجال الأعمال المصريين يرغبون في تحويل أموالهم إلى بنوك في الخارج، نتيجة التخوّف من عمليات الاستحواذ الإجبارية التي واجهها بعضهم في الفترة الماضية.
وأشارت إلى أن شركات عدّة كبرى خطت هذه الخطوة، كما في حالة "النساجون الشرقيون"، التي نقلت حصّة فيها إلى المالكين أنفسهم، لكن تحت غطاء شركة أخرى مقرّها في بريطانيا، ما يهدد بخروج أموال القطاع الخاص من مصر بشكل فوري. ورغم السجالات المتعدّدة التي دخل فيها الجانبان المصري والسعودي في الأيام الماضية، لكن القاهرة تحاول الضغط على بعض رجال الأعمال في الداخل، وإرسال تطمينات إليهم مفادها أن الشراكات والاستحواذات الجبرية انتهت، مع التأكيد على حرية حركة رؤوس الأموال من البنوك المصرية وإليها.
حسب الصحيفة اللبنانية فإن هذا التحرّك لا يشغل السعوديين بشكل رئيس، في ظلّ وجود فرص استحواذ ناجحة القيمة أمامهم في شركات مصرية، وبأسعار أقلّ ومزايا تنافسية أعلى من نظيرتها التي توفّرها الحكومة، بحسب المصادر، التي نوهت إلى مساعٍ من أجل تحقيق حلّ وسط يرضي الطرفين.
ويتمثل الحل المقترح من جانب حكومة السيسي في ضخّ الاستثمارات السعودية المتَّفق عليها بقيمة 5 مليارات دولارات بأقرب وقت في شركات حكومية، مع ضخّ استثمارات أخرى في شركات القطاع الخاص، وهو ما كان يتعين مناقشته على هامش الاجتماعات المقرَّرة في أبوظبي، بحضور "السيسي" وقادة دول مجلس التعاون الخليجي، لكن محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لم يشارك.
ووفق مصادر سعودية، فإن ما طلبته مصر لا يزال قيد البحث على مستوى رفيع، خاصة مع وجود تقييم لشركات ومنشآت بأسعار أعلى من قيمتها.
وتكشف المصادر أن الرياض طلبت بشكل واضح تخفيض قيمة الجنيه المصري بشكل عادل لتنفيذ بعض الاستثمارات فوراً، على غرار ما حدث الأسبوع الماضي عندما سجّل الجنيه انخفاضاً تاريخياً أمام الدولار ليتجاوز 32 جنيهاً للدولار الواحد، وهو أمر "قد يتكرّر في الأسابيع المقبلة لساعات، من أجل تنفيذ الصفقات بالسعر الذي تراه الرياض عادلاً". وأشارت المصادر إلى أن الرياض طلبت وعوداً بفرص استثمارية مجزية في شركات تابعة للجيش المصري، سواء كان من خلال الطرح في البورصة أو خارجها عبر مستثمر رئيس، لافتة إلى أن هناك استثمارات سعودية قيد الدراسة بالفعل في عدّة شركات حكومية، وهو أمر لا يرتبط بالاستثمارات السعودية فقط، ولكن الإماراتية أيضاً، حيث يجري التنسيق بين الرياض وأبوظبي في هذا الملفّ بشكل كبير.