يحاول الديكتاتور عبدالفتاح السيسي عبثا إقناع المصريين بأن المشروعات العبثية التي أطلقها ويسميها بالمشروعات القومية الكبرى ليست السبب في الخراب الاقتصادي الذي وصلت إليه مصر حاليا؛ ودائما يعلق هذا الفشل والخراب على شماعات أخرى مختلفة كالإرهاب المزعوم الذي كان محتملا  بعد انقلابه العسكري مباشرة في منتصف 2013م، أو الزيادة السكانية التي باتت الشماعة الجاهزة  لتعليق الفشل عليها باستمرار.  المهم عند الدكتاتور  ألا  يوجه المصريون الاتهامات لمشروعات السيسي (القومية الكبرى!) بالتسبب في هذه الخراب الدائم الذي يبدو  ألا نهاية له.

وخلال خطابه الأخيرة بمناسبة عيد الشرطة (الإثنين 23 يناير23م)، تحدث السيسي عن شماعة ثالثة هذه المرة، وهي الأزمة المالية العالمية؛ حيث رفض السيسي الربط بين الأوضاع المالية والاقتصادية المتردية في مصر والإنفاق الهائل على ما تسمى بالمشروعات القومية والتي تتلخص في بناء نحو 15 مدينة جديدة على رأسها العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة، ومشروع تفريعة قناة السويس، وعشرات الطرق والكباري التي انهار بعضها بعد شهور من افتتاحها. يقول السيسي: « إن العالم كله يمر بأزمة اقتصادية، هي الأكبر منذ الكساد الكبير بداية القرن الماضي. وأن تأثير هذه الأزمة على مصر كان كبيرا؛ نظرا لاندماج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي بشكل كبير». وأضاف أن الدولة ملتزمة بدعم محدودي الدخل في مواجهة الأزمة الاقتصادية، لكننا لا نمتلك رفاهية تجاهل المشروعات القومية بسبب الحاجة الماسة لها. ودافع عن هذه المشروعات  بأن أزمة الفجوة الدولارية ليست وليدة اليوم أو هذه الفترة، إنما لها نمط متكرر يمكن رصده من جانب المتخصصين، وجوهرها هو ضعف قدراتنا الإنتاجية والتصديرية وزيادة الطلب على السلع والخدمات الدولارية».

ولم يقدم السيسي أي وعد بحل هذه المشاكل الهائلة؛ لكنه «عبر عن ثقته في الله، وفي شعب مصر وأنه ثقة مطلقة بأننا سنعبر ونتجاوز الاقتصادية العالمية وآثارها علينا، بالعمل المخلص والجهد الذي لا ينقطع، والإيمان بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وأننا قادرون على بناء وطن يحقق آمالنا في الحياة الكريمة والتقدم والازدهار»!

 

«100» مليار موارد دولارية!

وحسب بيانات البنك المركزي خلال العام المالي الأخير 2022/2023،  فإن مصادر الدخل القومي من الدولار تزيد عن مائة مليار سنويا. بلغت نحو 44 مليارا من صادرات سلعية ، و32 مليارا من تحويلات المصريين بالخارج، و11 مليارا من السياحة، وصافي استثمار أجنبي مباشر بلغ 9 مليارات دولار، إلى جانب 7 مليارات دولار من دخل قناة السويس بخلاف متحصلات الخدمات الأخرى المتعددة من نقل وخدمات مالية وصحية واتصالات وتشييد وبناء غيرها.  بما يعني أن الموارد الدولارية تزيد عن "100" مائة مليار دولار سنويا؛ فأين تذهب كل هذه الموارد الدولارية الهائلة؟

هناك ثلاثة بلاعات كبرى تلتهم هذه الإيرادات الدولارية:

  • أولها، فوائد وأقساط الديون لأن السيسي توسع في الاقتراض الخارجي على نحو هائل فارتعت الديون الخارجية من 43 مليارا في منتصف 2013م إلى أكثر من 180 مليارا بنهاية 2022م. هذه الفوائد والأقساط قد تزيد عن (30) مليار دولار سنويا. لكن الأمر خطير هذه السنة فمصر مطالبة بسداد نحو 42.5 مليار دولار خلال السنة المالية الحالية "2022/2023" حسبما ذكر البنك الدولي.  وهو رقم مهول يتسبب في شح الدولار وتراجع قيمة الجنيه.
  • ثانيها، فاتورة الاستيراد الهائلة والتي تصل إلى نحو 90 مليارا سنويا.
  • ثالثها، بلاعة ما تسمى بالمشروعات القومية الكبرى، وهي بلاعة تلتهم كثيرا من الموارد الدولارية  دون حسيب أو رقيب  ويتعمد النظام التكتم على حجم الإنفاق الهائل على هذه المشروعات. وهي المشروعات التي لم يستشر السيسي فيها أيًا من جهات التخطيط أو الاقتصاد في جدواها، ولأن غالب تلك المشروعات القومية تتجه للبنية الأساسية، فإنها لا تدر عائدا بالدولار يكفي لسداد أقساطها وفوائدها، فلجأت الدولة للمزيد من الاقتراض لسداد تلك الأقساط. ولولا هذه المشروعات العبثية  لما كان هناك مشكلة دولارية في مصر لأن هذه المشروعات هي التي تسببت في تضخم  بند خدمة الديون (الربا + الأقساط) حتى باتت تبتلع كل موارد الدولة حسب الأرقام الرسمية في الموازنة العامة للدولة للعام الحالي (2022/2023)!

 

البداية بالتفريعة

للأسف أولويات النظام مختلة تماما؛ فمصر تحتاج أولا وقبل كل شيء تدشين مشروع قومي عملاق لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء على المستوى الزراعي والحيواني لتوفير الحبوب اللازمة للخبز والطعام وصناعة العلف وتربية الحيوانات والدواجن وغيرها لتوفير الألبان واللحوم وغيرها. كما تحتاج إلى الاهتمام الشديد بالتعليم والصحة وبناء المصانع لتوفير الملايين من فرص العمل للشباب العاطل والحد من فاتورة الاستيراد بزيادة الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي. لكن السيسي له أولويات مختلة تصل إلى حد التناقض الصارخ مع الأولويات التي يجمع عليها الشعب المصري؛ فقد وضع 8 مليارات دولار على مشروع تفريعة قناة السويس (2014 /2015)، وهو المشروع الذي تم تدشينه على عجل دون أي دراسة جدوى من أجل رفع الروح المعنوية للمصريين في أعقاب  انقلاب يوليو 2013م، وقد تمت الإطاحة بمحافظ البنك المركزي الأسبق هشام رامز رغم كفاءته لأنه انتقد  المشروع وحمَّله المسئولية عن أزمة الدولار وتراجع قيمة الجنيه.

 

المدن الجديدة

كما اهتم السيسي ونظامه ببناء المدن الجديدة وأبرزها العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة وغيرها والتي تصل إلى نحو 15 مدينة جديدة؛ وتم إهدار مئات المليارات من الدولارات على هذه المشروعات والتي لم يكن لها أولوية في هذا التوقيت. وقدر السيسي حجم الإنفاق على هذه المشروعات بنحو 6 تريليونات جنيه وهو رقم مهول؛ تم إهداره على هذه المشروعات التي لا توفر فرص عمل دائمة أو تزيد الدخل القومي. ومن هذه المشروعات القطار الكهربي وتبطين الترع وغيرها من المشروعات التي لا تحظى بالأولوية من جهة وتفتقد إلى الجدوى الاقتصادية من جهة أخرى.

وقد وصف الخبير الاقتصادي ممدوح الولي، نقيب الصحفيين ورئيس مجلس إدارة الأهرام الأسبق، هذه المشروعات بـ«القربة المخرومة»؛ كلما وضعت بها قدرا من المياه انساب على الأرض قبل الوصول إلى مكان توصيل المياه، وهكذا تسببت المشروعات القومية في استنزاف قدر كبير من موارد النقد الأجنبي خلال السنوات الماضية، وكلما جاءت موارد جديدة سواء من الموارد الطبيعية من تصدير وتحويلات واستثمار وغيرها، بالإضافة إلى القروض الجديدة، تسربت أيضا لتلك المشروعات غير المُدرة لعوائد دولارية.  ولو تواضع السيسي واستمع إلى نصيحة محافظ البنك المركزي الأسبق هشام رامز والذي اتهم مشروع تفريعة القناة  بالتسبب في أزمة الدولار فربما لم ينزلق الجنيه إلى هذه الأوضاع المتدهورة حاليا حيث انخفض من 8 جنيهات قبل التفريعة والتعويم  إلى 29,8 جنيها!! بمعنى أن الجنيه فقد فعليا  (75%) من قيمته؛ وأصبح كل جنيه يساوي فعليا (ربع جنيه)!

ولا يزال السيسي يكابر، ولا يريد أن ينصت لبعض من حوله بوقف هذه المشروعات العبثية حتى ولو بشكل مؤقت؛ مدعيا أنها توفر خمسة ملايين فرصة عمل وهو رقم لم يثبت صحته من خلال البيانات الصادرة عن جهاز الإحصاء الرسمي.

 

ورطة كبرى

النظام في ورطة؛ حيث يعتبر تلك المشروعات هي الأساس الذي يعتمد عليه في دعايته الإعلامية، لتغطية إخفاقه في تحسين مستوى معيشة المصريين خلال سنوات وجوده، إلى جانب تأخر إتمام تلك المشروعات عن التوقيتات التي حددها، فالعاصمة الإدارية التي وعد النظام بافتتاحها في يونيو 2020، ثم أجل الموعد لمدة عام واحد، لم يستطع الوفاء بالموعد الجديد رغم مرور أكثر من عامين ونصف، نظرا للمبالغة في صور الإنفاق غير المسبوق والمفتقد للتخطيط، ففي جانب المواصلات الخاصة بالعاصمة الإدارية تم افتتاح مطار خاص منذ سنوات! وتم الاتفاق مع عدة شركات على تسيير خطوط أتوبيسات ما بين المدينة ومعظم أنحاء القاهرة، إلى جانب تشغيل قطار كهربائي جديد إلى العاصمة الجديدة لم يحقق أي تشغيل اقتصادي، ولم يكف كل ذلك حيث أضيف له خط مونوريل جاري إنشاؤه لربط العاصمة الإدارية بوسط القاهرة وكل ذلك في مدينة لم يسكنها أحد بعد. وهكذا فان إيقاف هذا الإنفاق الهائل على هذه المشروعات قد يكون كفيلا بسد الثقب في القربة وتحقيق شيء من الاستقرار في سعر صرف الدولار. 

Facebook Comments