في ظل أزمة اقتصادية طاحنة، لم ينجُ منها أحد من المصريين، ووسط فشل منقطع النظير للسيسي ونظامه في معالجة الأزمة أو التخفيف من حدتها، تضج مواقع التواصل الاجتماعي، بالشكوى من غلاء الغذاء والسلع الأساسية والغذائية لكثير من ملايين الشعب المصري، وهو ما أقلق السيسي بصورة كبيرة خلا الفترة الأخيرة، فقرر استعمال أداته المعهودة التي لا يعرف غيرها سبيلا ، للتحكم في الغضب الشعبي، فقرر استخدام العنف الأمني الذي لم يتوققف للحظة واحدة منذ انقلابه العسكري، في 3 يوليو 2013، فقام باعتقال الألاف المصريين بذرائع واهية، من تكدير السلم العام والإرهاب والدعوة للنظاهر ونشر أخبار كاذبة، وهو ما جرى مع الصحفي أحمد فايز عبد المجيد، الذي اعتقل لكتابته تدوينة عن الغلاء وارتفاع أسعار كل شيء في مصر، وهي شكوى باتت عامة لدى كل البيوت والأسر المصرية ، بل إن بعض وسائل الإعلام المقربة للنظام نفسه تنقل أخبارا عن غلاء الأسعار، ولكن السيسي لا يريد للمصريين أن يشتكوا، وتأتي بعض الانتقادات عبر وسائل إعلامه، بطريقة مهندسة ولتبرير الواقع الأليم وامتصاص غضب الجماهير، أما أن تنتقد الجماهير وبعلانية وتكسر حاجز الصمت، فهو ما يسمح به السيسي.
حبس صحفي
الأحد الماضي، قالت مؤسسة حرية الفكر والتعبير، إن "نيابة أمن الدولة العليا جددت حبس الصحفي، أحمد فايز عبد المجيد، لمدة 15 يوما، على ذمة التحقيقات في القضية رقم 2070 لسنة 2022".
الصحفي المعتقل متهم بـ"الانتماء إلى جماعة إرهابية وتمويلها، والاشتراك في اتفاق جنائي بغرض ارتكاب فعل إرهابي، واستخدام أحد مواقع التواصل الاجتماعي في ارتكاب جريمة الترويج لفعل إرهابي، والتحريض على ارتكابه".
واعتقلت قوات الأمن "عبد المجيد" في 10 نوفمبر الماضي، بسبب تدوينة نشرها عبر حسابه في "فيسبوك" حول غلاء الأسعار.
وتوافقت تدوينته مع دعوات التظاهر في 11/11 ، إلا أنه خرج نافيا دعوته للتظاهر، وكتب على صفحته قُبيل اعتقاله مباشرة، قائلا "عشان أكثر من شخص سألني، أنا لا أدعو إلى مظاهرت 11 نوفمبر، وغير مشارك فيها".
و"عبد المجيد" رئيس تحرير صحيفة الميدان سابقا، وأغلق حسابه الأصلي على موقع فيسبوك قبل إلقاء القبض عليه بفترة قصيرة، وأنشأ حسابا جديدا بعد وصول تهديدات له بالملاحقة، بسبب كتابة بعض الآراء المنتقدة لأداء السيسي وحكومته.
ويبلغ عدد الصحفيين النقابيين المعتقلين حاليا 15 صحفيا نقابيا على الأقل، من بينهم 7 صحفيين أُلقي القبض عليهم منذ بدء جلسات الحوار الوطني في إبريل الماضي، علاوة على عدد آخر كبير من الصحفيين غير المسجلين في جداول القيد بالنقابة، والعاملين في مجال الإعلام والتصوير، والذين يقدرهم المرصد العربي لحرية الإعلام بـ46 صحفيا وإعلاميا، أغلبهم محبوسون احتياطيا، و7 يقضون محكومياتهم بقضايا نشر.
حبس عامل اشتكى لغلاء
وتواصل قوات الأمن بمحافظة القاهرة إخفاء محمد هاشم فرغلي سليمان، 53 عاما، العامل في هيئة النقل العام بالقاهرة، ولم يتم عرضه على جهات التحقيق حتى الآن، منذ القبض عليه يوم 20 يناير الجاري بسبب منشورات له عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يشكو فيها من غلاء الأسعار والأزمات المعيشية والاقتصادية التي يعاني منها العمال والشعب المصري، نتيجة السياسات الاقتصادية لحكومة الانقلاب.
وكانت قوات الأمن قد اقتحمت منزل سليمان بالقاهرة يوم الجمعة الماضي الموافق 20 يناير وفتشت المنزل واستولت على بعض أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة، واقتادته تعسفيا من دون إذن ضبط، ولم يتم عرضه على النيابة حتى الآن بالمخالفة للفقرة الأولى من المادة 33 معدل من القانون رقم 15 لسنة 1971 من قانون الإجراءات الجنائية، التي توجب على مأمور الضبط القضائي أن يسمع أقوال المتهم فور القبض عليه، وإذا قامت دلائل كافية على الاتهام، يعرضه في مدى أربع وعشرين ساعة على النيابة العامة المختصة، ويجب على النيابة العامة أن تستجوب المتهم خلال أربع وعشرين ساعة من تاريخ عرضه عليها، ثم تأمر بإطلاق سراحه أو حبسه احتياطيا.
ونقلت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، عن مصادر قريبة من أقاربه، أن أسرته توجهت إلى مقر قسم شرطة حدائق القبة بالقاهرة، خلال الأيام الماضية، الذي أنكر معرفته بالقبض عليه أو بوجوده في القسم، ما يزيد الخوف والقلق على صحته وحياته، حيث إنه يعاني من أمراض عديدة، ويحتاج إلى إجراء عملية جراحية عاجلة بقرنية العينين، تستوجب الرعاية الصحية والطبية.
ثم علمت الأسرة من مصادر أمنية أنه موجود في مقر جهاز الأمن الوطني، الذي أنكر وجوده أيضا.
وسبق أن ألقي القبض على سليمان عام 2016 في القضية المعروفة إعلاميا بقضية "النقل العام" حيث كان أحد العمال الذين دعوا ونظموا إضرابا شهيرا بهيئة النقل العام، للمطالبة بزيادة مكافأة عائد الإنتاج بالنسبة للسائقين والمحصلين إلى 17% بدلا من 13% أسوة بنقل عام الإسكندرية.
معاناة غير مسبوقة
ويواجه المصريون موجة غلاء كبيرة، بعدما انخفضت قيمة الجنيه المصري لأدنى مستوى له على الإطلاق أمام الدولار، ليصل سعر الدولار الواحد إلى نحو ثلاثين جنيها، بالتزامن مع موجة تضخم تضرب البلاد بلغت معدلاتها نحو 20% طبقا للأرقام الرسمية، بينما يؤكد مراقبون أن نسبة التضخم الحقيقية قد تكون أكبر من ذلك بكثير.
وتقدر الهيئات الاقتصادية المستقلة والتقارير الصحفية المتخصصة أن نحو 80 مليون مصري يقبعون تحت حط الفقر والجوع ولا يجدون لقمة العيش إلا بشق الأنفس، فيما ترتفع أسعار كل شيء في مصر.
وتمثل ممارسات السيسي القمعية خنقا للشعب المصري وترهيبا له من مجرد الشكوى من الغلاء، وهو خيار اتخذه النظام ضد الشعب، بقتل المصريين في صمت ودون شكوى ودون ضحيح، من أجل تأمين نظامه القمعي.