لأنه تجاوز العشر دقائق التي أقرتها وزارته لخطبة الجمعة، استهل مخبر الأوقاف محمد المختار جمعة، قدوم شهر رمضان المبارك وأرسل رسالة إلى المصريين، مفادها لا صلاة ولا صيام ولا عبادة إلا بإذن حكومة العسكر، بعدما أحال إمام وخطيب مسجد عبد الحي مشهور بعزبة سوريال للجنة القيم والتحقيق بديوان عام الوزارة، والتهمة زيادة الوعظ عن الحد المسموح.
وكأنها مباراة لكرة القدم بين فريقين لا ينقصها سوى جهاز الفار وصفارة الحكم، يمضي جمعة في الاستخفاف بشعائر المسلمين، ويعاقب من يتجاوز الوقت المسموح به لخطبة الجمعة، والبالغ 10 دقائق لكل من الخطبتين الأولى والثانية، في حين لا يسري ذلك القانون على الكنيسة المصرية، التي استردت أملاكها وأوقافها من حكومة العسكر.
لا يحفظ الفاتحة
قرر الدكتور هشام عبد العزيز علي، رئيس القطاع الديني بوزارة الأوقاف، إحالة الشيخ ياسين عبد الرحمن عبد الصادق محمد، إمام وخطيب مسجد عبد الحي مشهور بعزبة سوريال إدارة أوقاف منيا القمح بمديرية أوقاف الشرقية للجنة القيم والتحقيق بديوان عام الوزارة.
جاء القرار بسبب تجاوز الإمام المذكور الوقت المقرر لخطبة الجمعة، والبالغ 10 دقائق لكل من الخطبتين الأولى والثانية.
ومن باب التضييق على المصريين في صلواتهم، طبق وزير الأوقاف عليها ما يطبق ويجري في ملاعب الكرة، واعتبرها تجري على شوطين ومنحها وقت أصلي 10 دقائق دون احتساب الوقت الضائع، وبدأ المصريون بالقلق على ما سيجري في صلاة التراويح في المساجد خلال شهر رمضان المقبل.
وأخذ وزير الأوقاف في حكومة الانقلاب عبرة من غضب المصلين في العام الماضي، وقال خلال مؤتمر صحفي عقده مؤخرا لإعلان تفاصيل المسابقة العالمية للقرآن الكريم، إن “وقت صلاة التروايح وقراءة القرآن فيها يعود إلى ما يتوافق عليه الإمام والمصلين دون إفراط أو تفريط، مؤكدا أنه لم يتم تحديد وقت لأداء صلاة التراويح، وإنما الأمر يعود إلى التوافق بين المصلين في المسجد”.
وأشار جمعة الذي تلعثم أكثر من مرة في قراءة الفاتحة أمام الكاميرات، إلى أن الأمر في صلاة التراويح سواء كانت بجزء من القرآن الكريم أو بما تيسر من القرآن الكريم متوقف على التوافق بين المصلين وإمام المسجد.
شيخ السلطان
ووجهت انتقادات عدة لوزير الأوقاف في حكومة الانقلاب، محمد مختار جمعة، على خلفية منع فتح المساجد لصلاة التهجد في أيام رمضان بمصر، وكان جمعة قد سبق أن صرح بأن من أراد صلاة التهجد فعليه أن يفعل ذلك في بيته، حاسما الموقف بشأن تلك الصلاة التي يقيمها المصريون في العشر الأواخر من شهر رمضان.
واستغل جمعة الإجراءات الاحترازية وإجراءات التباعد الاجتماعي بسبب فيروس كورونا العام الماضي، وقرر منع صلاة التهجد بالمساجد بحجة تعمير البيوت بصلاة الليل والذكر وتلاوة القرآن، مشددا على أنه لا مجال لفتح المساجد للاعتكاف أو التهجد، في الوقت الذي لم تتوقف فيه حفلات الغناء التي يحتشد لها المريدون بالآلاف وترعاهم حكومة العسكر.
وانتشرت في العام الماضي مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، تظهر مفتشين تابعين لوزارة الأوقاف في حكومة الانقلاب، وقد ظهرت جلبة في المسجد إثر نقاش دار بينهم وبين الإمام بسبب إطالته في الصلاة، ما فتح بابا كبيرا للانتقاد للوزير المصري.
كما انتشرت صور لموظفين بوزارة الأوقاف، وهم يتأكدون من إغلاق المساجد في الليل، وعدم إقامة صلاة التهجد بها، ما أثار سخرية وانتقادا واسعين على مواقع التواصل الاجتماعي.
ورغم تخفيف عصابة الانقلاب إجراءات احترازية عدة، وإعادة الصلوات، وفتح المنشآت، وإلغاء التباعد في بعض الأماكن، إلا أن وزير الأوقاف، برر الأمر بأمور صحية، مستندا إلى تحذير رئيس لجنة مكافحة كورونا بوزارة الصحة، من الإسراف في التسيب أو عدم الالتزام بالإجراءات الاحترازية والوقائية.
يبدو أن المبررات التي ساقتها الأوقاف لتبرير قرارها لم تقنع أحد، إذ جاءت معظم ردود الفعل لتؤكد أن القضية أكبر من فكرة الإجراءات الاحترازية التي لو كانت هي السبب الحقيقي لكانت هناك ضوابط يمكن الاستناد إليها لضمان الالتزام بها مع الإبقاء على تلك الشعيرة التي تحتل مكانةً كبيرةً لدى الشعب المصري الذي يحتل الدين مكانة بارزة في تكوينه العقلي والنفسي والمجتمعي.
القرار أعاد الأذهان إلى 2015/2014 حين أطلق السفاح السيسي دعوته لما أسماه تجديد الخطاب الديني، وهو المصطلح الشائع المطاط الذي تُرجم لحزمة من القرارات والإجراءات التي يراد لها تفريغ الدين من مضمونه وجعله مجرد طقوس هامشية تقتصر على العبادات الظاهرة، فيما تم إزاحة كل ما له علاقة بالسمت الديني من العقلية المجتمعية عاما تلو الآخر.
وسخّرت عصابة الانقلاب لهذه الخطة كل جيوشها الإعلامية والفنية والثقافية، فضلا عن الدور المحوري لوزير الأوقاف مختار جمعة، الذي لم يتوان ساعة واحدة عن استفزاز مشاعر المسلمين في مصر بقرارات صادمة، أثارت الكثير من التساؤلات عن دوافعها الأساسية.
توجه عصابة الانقلاب نحو إزاحة كل ما هو متعلق بتيارات الإسلام السياسي دفعها للتغول على بعض الثوابت الدينية من باب التحوط من جانب، ومغازلة المجتمع الدولي من ناحية الأخرى، وهو ما يمكن قراءته من خلال التصريحات المتكررة للسفاح السيسي التي لام فيها المسلمين أكثر من مرة بسبب توجهاتهم وسياساتهم التي تهدد حياة الـ7 مليارات نسمة على وجه الكرة الأرضية، على حد قوله.
تلك الشكوك تعززت أكثر مع إتاحة المجال وتمهيده تماما أمام الهجوم على التراث الإسلامي باسم التنقية، والتشكيك في علماء الأمة وثقاتها، فقد فُتح الباب أمام رواد هذا الفكر العلماني وعلى رأسهم خالد منتصر والإعلامي إبراهيم عيسى وإسلام البحيري وغيرهم ممن ينصبون أنفسهم “قادة التنوير” في مصر.
وفي المقابل أوصدت الأبواب أمام العلماء والدعاة، فأغلقت قنواتهم وقُدم بعضهم للمحاكمات ومنعوا من الحديث في الإعلام، ليتصدر المشهد جيل جديد من علماء الإسلام الوسطي على شاكلة خالد الجندي الذي يتباهى دوما بأنه شيخ السلطان وغيره من خريجي مدرسة مختار جمعة.