هل تدخل السيسي لإجبار رئيس تحرير «الجمهورية» على الاعتذار للسعودية؟

- ‎فيتقارير

هناك كثير من الغموض  يحوم حول الاعتذار الذي قدمه  رئيس تحرير جريدة الجمهورية  عبدالرازق  توفيق للنظام السعودي؛ وكانت  صحيفة الجمهورية الحكومية  قد حذفت مقالا لرئيس تحريرها  شن فيه هجوماً غير مسبوق على دولة "لم يسمها"، لكن كل التلميحات الذي ذكرها في المقال تشير إلى أنها المملكة العربية السعودية بشكل لا لبس فيه، وذلك عقب انتقادات كتّاب سعوديين لنظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، وقضية سيطرة الجيش على اقتصاد البلاد.

وفي مقاله الذي نشره الخميس 02 فبراير 23م قبل حذفه بعنوان "الأشجار المثمرة.. وحجارة اللئام والأندال"، قال عبد الرزاق توفيق "الغريب أنّ ثبات وحكمة الموقف المصري والإدارة الرشيدة للتحديات والضغوط.. وحالة الثبات والصمود أزعجت البعض ممن نحسبهم أشقاء وأصدقاء بالإضافة إلى العدو التقليدي.. لذلك انبرى إعلام هذه الدول للهجوم والإساءة لمصر. فرغم ضآلة هذه الدول التي تعاني من الهشاشة البشرية والحضارية والتي أصبحت فى غفلة من الزمان تحمل اسم "دول" في ابتزاز سافر.. ومحاولات توريط واستدراج.. وإشعال للمنطقة وفق حسابات متهورة.. تجافي سياسات وثوابت مصر الحكيمة فى إرساء الأمن والاستقرار فى المنطقة".وتابع "لا أدري لماذا تثير قوة الجيش المصري العظيم وقدرته جنونهم وأحقادهم، وحالة مرضي من الهذيان، فإذا كان الأمر متوقعاً من العدو التقليدي والتاريخي لأن قوة وصلابة خير أجناد الأرض تفقده صوابه واتزانه وتربك حساباته وتدحر مخططاته ومؤامراته الفاشلة، لكن الغريب أن يأتي الهجوم والإساءة من منْ من المفترض أنه شقيق.. وإن كانت مصر تترفع عن الصغائر وممارسات الأقزام والصغار لن تقبل بضغوط وابتزاز يدفع المنطقة إلى أتون الصراعات وتتلاشى معه كل مظاهر الأمن والاستقرار".وواصل توفيق "لا يجب أن نستهلك وقتنا الثمين في مهاترات والرد على إساءات وأكاذيب السفلة، فما يهمنا هو العقل المصري.. وبناء الوعي الحقيقي.. لأن الحقد على نجاحات مصر وصل إلى درجة غير مسبوقة.. لذلك أقول إن هذا الهجوم الضاري على مصر.. وحملات الأكاذيب والشائعات والتشكيك والإساءات والطعن والتحريض والتزييف لم تأت من فراغ..".

و"الجمهورية" صحيفة (قومية) تخضع لإشراف الهيئة الوطنية للصحافة، كما أنّ رئيس تحريرها عبد الرزاق توفيق عمل مراسلاً عسكرياً لفترة طويلة. وكانت الأيام الماضية قد شهدت معركة إعلامية بين كتاب وصحافيين من السعودية ومصر، ما أثار تساؤلات حول خلفية هذا الخلاف، وما إذا كان يعبّر عن خلافات بين الأنظمة أم لا.

وينقل موقع "مدى مصر" عن مصدر حكومي مصري قوله إن الاعتذار الذي نشره رئيس تحرير جريدة الجمهورية، جاء بتعليمات مباشرة من مستويات تنفيذية رفيعة بعد أن نقلت البعثة الدبلوماسية المصرية في الرياض أجواء استياء شديد في البلاط الملكي السعودي، وسط تحذيرات من «تبعات محتملة في إطار العلاقة الثنائية». وأضاف المصدر أن «الأمر واضح» فيما يقصد بالتبعات المتوقعة على العلاقات الثنائية، لأن مصر لديها عدد كبير من العمالة في السعودية، كما أن الرياض تمد مصر بمنتجات نفطية بأسعار تفضيلية والتزامات سداد ميسرة.

وحسب التقرير فإن الدخول في مواجهة «إعلامية عنيفة» مع السعودية لم يكن محل اتفاق بين جميع المؤسسات المسؤولة عن السياسة الخارجية، وأنه منذ بداية المعركة التي أصر على وصفها بأنها إعلامية بالأساس «لم يكن الأمر محل ارتياح من بعض أقرب مستشاري رئيس الجمهوري». وأوضح المصدر الحكومي: «نعم، بالفعل فإن أحد هؤلاء المستشارين» هو من قاد الاتجاه نحو عدم الذهاب بعيدًا في معركة التلاسن مع السعودية على صفحات الإعلام والعمل على حل الخلافات خلف الأبواب المغلقة.

 

أسباب الخلاف

ويعزو المصدر الحكومي أسباب الخلاف بين القاهرة والرياض إلى أنها أسباب متعددة في الحقيقة ومتراكمة؛ ففي القاهرة هناك «عتب» لتخلي السعودية عن تقديم الدعم الاقتصادي لمصر في وقت أزمة رغم ما اقترحته القاهرة على الرياض أن يكون هذا الدعم عبر صفقات استثمارية كانت الرياض أصلًا قد وعدت بها. ويضيف أن من أسباب التوتر أيضًا ما وصفه بأنه «افتراض غير مفهوم» من قبل السعودية أن تبادر مصر، التي كانت أعلنت على لسان رئيس الجمهورية مرارًا عن التقدير للدعم الخليجي بما في ذلك الدعم السعودي، إلى تلبية كل متطلبات السعودية لكل أشكال الدعم السياسي والعسكري دون الاتفاق على صياغات واضحة لأي تحرك مصري وعلى تحرك سعودي مقابل للتحرك المصري.

من جهة ثالثة هناك نقاطً محددة ساهمت في زيادة وتيرة التوتر منها عدم التوصل لاتفاق مصري سعودي حول تفاصيل عديدة متعلقة بآلية عمل منتدى البحر الأحمر، والتي كانت القاهرة «قبلت» أن تكون أمانته العامة بالسعودية. غير أن الرياض لم تقابل ذلك بقبول أن تكون بعض الأجهزة والمراكز الرئيسية لهذا المنتدى في مصر. وقال إن مصر تتفهم أن السعودية لها مصالح لا يمكن إغفالها في البحر الأحمر، لكن على السعودية أن تدرك أيضًا أهمية البحر الأحمر بالنسبة لمصر ووضعيتها العسكرية والاستراتيجية في المنطقة.

من جهة رابعة، فإن هذا التوتر كان جزءًا من عرقلة استمرار التحرك للأمام في استكمال كل بنود اتفاقية تيران وصنافير، التي كانت مصر قد أعلنت نقل السيادة عليهما إلى السعودية قبل خمسة أعوام في لحظة تقارب بين السلطات التنفيذية في البلدين رغم غضب شعبي مصري عارم ضد الخطوة. وحسب المصدر «غير صحيح أن مصر تراجعت، فهذا اتفاق موقع، ولكن هناك تفاصيل باقية لم يتم الانتهاء منها وتنتظر حلحلة في الأجواء». وينقل الموقع عن مصادر أخرى قولها إن مصر لم تتوافق بعد مع كلٍ من السعودية وإسرائيل على نصوص خطابات يفترض تبادلها لإتمام النقل النهائي للسيادة، كما لم يتم الاتفاق على تفاصيل الترتيبات الأمنية التي ينبغي أن تؤدي إلى صياغة هذه الخطابات. ويتعلق الخلاف بخصوص تيران وصنافير بكاميرات المراقبة التي ترغب السعودية في نشرها على الجزيرتين بالتنسيق مع إسرائيل. بالنسبة لمصر، فإن مدى هذه الكاميرات يتجاوز المستوى المسموح بحسب معطيات الأمن القومي المصري ويكشف كل سيناء.  لكن السعوديين أصروا ــ حسب أحد المصادرــ  أثناء زيارة سامح شكري، وزير الخارجية ، الشهر الماضي، على تسوية هذا الاتفاق في أقرب وقت إذا كانت السلطات المصرية ترغب من الجانب السعودي الاستثمار في مصر.

وينتهي المصدر الحكومي إلى التأكيد على أن  مصر الآن بصدد صفحة جديدة تمامًا في إدارة العلاقات مع الخليج، سيغيب عنها بالتأكيد مفهوم الدعم الاقتصادي المباشر، وستغلب عليها صفة التبادلية. كما اتفق المصدران على أن تزامن هذه المرحلة من التغييرات في العلاقات المصرية الخليجية مع مرحلة التنافس بين دول الخليج نفسها، تضيف من تعقيدات التوترات المحتملة بين مصر والدول الخليجية، حيث سيكون على مصر أن تتحسب كثيرًا من الانحياز الكامل لطرف على حساب آخر.

وكانت بداية الحملات الإعلامية المتبادلة بين البلدين بدأت مع سلسلة تغريدات للكاتب السعودي تركي الحمد، تطرّق خلالها للأوضاع السياسية والاقتصادية في مصر، وقال إنّ "مصر بواقعها الحالي وصلت إلى الحضيض، هي مصر البطالة والأزمات الاقتصادية والسياسية ومعضلات المجتمع وتقلباته الجذرية العنيفة".  

وفي سلسلة تغريداته، يعزو الحمد أسباب انهيار الأوضاع في مصر إلى هيمنة الجيش المتصاعدة على الدولة، وخاصة الاقتصاد، بحيث لا يمر شيء في الدولة المصرية إلا عن طريق الجيش، وبإشراف الجيش، ومن خلال مؤسسات خاضعة للجيش، ولصالح متنفذين في الجيش، كما يرى بعض المراقبين مكامن الأزمة وجذورها، وكل ذلك على حساب مؤسسات المجتمع الأخرى، سواء كنا نتحدث عن القطاع الخاص، أو مؤسسات المجتمع المدني، والذي كان في أقوى حالاته في العهد الملكي". واتهم ثانيا  البيروقراطية المصرية الهرمة المقاومة للتغيير، والتي تقف حجر عثرة في وجه أي استثمار اقتصادي ناجح، سواء داخليا أو خارجيا، رغم أن مصر عبارة عن كنز لا ينضب من الفرص الاستثمارية". وبعد ذلك بأيام خرج الكاتب السعودي خالد الدخيل، ليتحدث عن الوضع السياسي والاقتصادي المصري. وقال في تغريدة عبر حسابه في موقع تويتر إنّ "ما يحصل لمصر في السنوات الأخيرة يعود في جذره الأول إلى أنها لم تغادر عباءة العسكر منذ 1952".