أشاد رئيس هيئة الإغاثة الإنسانية التركية "IHH" بولنت يلدريم، بالدعم العربي والإسلامي لمتضرري الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا والشمال السوري فجر الإثنين الماضي، بينما قارن مراقبون ونشطاء في مجال المجتمع المدني الظروف بين تركيا ومصر، في الوقت الذي جمّد فيه الانقلاب العسكري في 30 يونيو 2013 كافة أوجه العمل الأهلي والخيري.
وعلى مدى عقود من الزمن امتزجت جماعة الإخوان في المجتمع والنسيج المصري امتزاج الروح بالجسد، عبر العمل الخيري والديني، ببناء المساجد والمستوصفات ودور المناسبات، سواء للأفراح أو الأتراح، ومعسكرات الأشبال ورحلات الشابات، والأسر الطلابية في الجامعات والمعاهد، لكن كل ذلك تبخر في سلسلة أحكام صادرة عن محاكم العسكر باعتبار الإخوان جماعة إرهابية.
تركيا والعالم الإسلامي
وتمكن الانقلاب العسكري بمصر خلال سنوات من تأميم العمل الخيري من الألف إلى الياء، كما تمكن من تأميم الفضاء السياسي والإعلامي والديني، والهيمنة المطلقة على مفاصل السلطة والمجتمع في مصر، وتحولت جميع المنظمات الخيرية المسموح لها بالنشاط حاليا إلى أدوات للسلطة تحركها كيفما تشاء وتوظفها وتوظف أنشطتها الخيرية لخدمة أجندة العسكر السياسية، دون أن تتمتع هذه المؤسسات بأي هامش استقلالية في قرارها ونشاطها وإدارتها، فالكلمة العليا للسفاح السيسي وأجهزته الذي يفرض وصايته على مصر وشعبها بأدوات البطش والقهر والإرهاب.
وقال "يلدريم" في تصريح صحفي عند وصوله للأراضي السورية المتضررة رصدته "الحرية والعدالة" "رأينا هنا انعكاس المساعدات القادمة من تركيا والعالم الإسلامي ودول العالم وخاصة المساعدات القادمة من الخليج، وليس فقط من المنظمات التركية التي نحن على صلة بها".
وتابع "المنظمات السورية تعمل بشكل جيد هنا، وقد حقق العالم الإسلامي تقدما مهما للغاية على مستوى منظمات المجتمع المدني ومنظمات العون الإنساني".
ووصف "يلدريم" سعادة من يتلقون المساعدات عند مشاهدتهم لحجم التضامن معهم، مضيفا "منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية كالملائكة، تراهم تارة في مكان ما يوزعون الحساء، تارة أخرى يقومون بأعمال البحث والإنقاذ، وتارة أخرى يقدمون الدعم النفسي، وتارة رابعة في مكان ما يوصلون أصواتهم للعالم".
وفي حديثه عن جهود الإنقاذ المبذولة، قال "معظم من تحت الأنقاض ماتوا في سوريا، رغم أن عمال الإنقاذ السوريين أكثر احترافا وخبرة ويتحركون بسرعة؛ لأنهم يعملون بين الحطام تحت القصف المستمر، لكن الخسائر هنا في الأرواح أعلى بكثير لأن المباني متهالكة".
ووجه شكره للدول والمنظمات التي قدمت المساعدات، مردفا اليوم وصل بنا الحال إلى أن نرى المساعدات تأتي من غزة لتركيا، وتأتي من سوريا إلى تركيا، وتذهب مساعدات من تركيا إلى سوريا وغزة".
وختم "يلدريم" حديثه "أناشدكم إخواني خاصة في العالم العربي والإسلامي وتركيا، السوريون يعانون بالفعل منذ 12 عاما، والآن تضاعفت آلامهم، الآن هم بحاجة ماسة إلى مزيد من المساعدة، ونحن سنقف بجانبهم".
وتسبب الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا والشمال السوري قوته 7,8 درجات ، بمقتل أكثر من 9600 آلاف شخص وإصابة مئات الآلاف ، في حصيلة غير نهائية، فيما لا تزال مئات العائلات عالقة تحت الأنقاض، فضلًا عن تدمير هائل لحق بالمباني والممتلكات".
الباب المفتوح
تركت جماعة الإخوان فراغا كبيرا شعرت به ملايين الأسر الفقيرة التي كانت تستفيد من مجالات العمل الخيري، هذا الفراغ يلقي بظلال يصفها مراقبون بـ"الوخيمة"، حيث قطاع كبير من المصريين يعتبرهم الباب الوحيد المفتوح الذي يظللهم بالعلاج والتنشئة والتعليم، حيث "الإسلام هو الحل"، وقيمة معنوية ومكانة اجتماعية وأيديولوجيا تعطي إحساسا بالقوة والأهمية عبر شعار "الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن شريعتنا، والجهاد سبيلنا، والشهادة أسمى أمانينا".
وعقب انقلاب السفاح السيسي في 30 يونيو 2013 باتت أسمى أماني المصريين البحث عن بديل لأبواب الخير التي أغلقها العسكر، فعائلات بأكملها في قرى ومناطق شعبية كانت تعتمد على العمل الخيري في تدبير أمور حياتها اليومية، عبر حزمة من الخدمات شبه المجانية أو بمقابل رمزي.
أما الآن فالمستوصف "الخيري" أغلق أبوابه وأصبح متحفظا عليه، والمدرسة الممولة من قبل الجماعة باتت تحت الإشراف المالي والإداري للعسكر، ومساعدات الملابس والأغذية التي كانت تتلقاها ملايين الأسرة الفقيرة لم تعد موجودة.
أسس الإخوان خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات شبكة واسعة من المؤسسات الخيرية، التي تقدم خدمات صحية وتربوية وثقافية ودينية ومساعدات اقتصادية لفئات واسعة من المواطنين، وبخاصة في الأحياء والمناطق الفقيرة، مما سمح بروابط الثقة بين الجماعة والمجتمع المصري.
هذه الأنشطة المتمثلة في شبكة المؤسسات التربوية والصحية والاجتماعية، التي تقدم خدماتها مجانا، أو بمقابل رمزي لقطاعات من المواطنين، وخصوصا في الأحياء المتوسطة والفقيرة بالمدن والقرى أسهمت في توسيع قاعدة التأييد السياسي للجماعة.
استطاعت جماعة الإخوان المسلمين أن تحقق الشرعية المجتمعية أو الشرعية الخدمية، وهي شرعية مكتسبة من إنجاز خدمات صحية ونقابية وتعليمية وتكافلية لشرائح المجتمع المصري، لذلك اكتسبت شرعية، والتي تطورت تطورا جوهرياً في سياق تدهور شرعية نظام مبارك في المجتمع المصري، هذه الشرعية قامت على أكتاف البنى التحتية الخيرية.
البنية التحتية للجماعة من مستوصفات ومستشفيات ومراكز تحفيظ القرآن والمدارس وقاعات الأفراح الإسلامية والمساعدات العينية والمادية للمقبلين على الزواج وغيرها لم تعد موجودة، لكن الولاء ما زال موجودا، لا سيما حين تعجز عصابة الانقلاب في تقديم نفس الخدمات وملء فراغ العمل الخيري.
حصر العسكر العمل الأهلي والخيري في المقربين من عصابة الانقلاب والمرضي عنهم من جانب الأجهزة الأمنية التي باتت تهمين على كل شيء؛ كما يتم توظيف نشاط هذه المؤسسات الخيرية توظيفا سياسيا لخدمة أهداف الانقلاب ومآربه؛ فبعد غلق آلاف الجمعيات وتجميد نشاطها ونهب أموالها وأصولها خلت الساحة من الجمعيات التي يديرها موالون للعسكر مثل جمعية رسالة والأورمان وبنك الطعام ومؤسسة مصر الخير وكلها جمعيات يديرها لواءات سابقون أو شيوخ موالون للعسكر.
وحتى الجمعية الشرعية التي أعلن عن تجميد نشاطها في أعقاب الانقلاب تم إعادة نشاطها بعد وضع آليات تضمن سيطرة الأمن الوطني على جميع أنشطتها سواء في المقر الرئيس أو المقار الفرعية في جميع المحافظات خصوصا المشروعات الخيرية التي تقوم بها الجمعية.
كرّس العسكر وضعية صندوق "تحيا مصر" باعتباره قاطرة العمل الخيري، بما يعني تأميم العمل الخيري وجعله شأنا حكوميا لا مدنيا وتقوم عليه عصابة الانقلاب وأجهزتها الأمنية وليس المجتمع وقواه الحية الفاعلة، وبالتالي فالهدف هو تعزيز قبضة العسكر على حساب إضعاف المجتمع وتهميش دوره حتى يبقى دائما تحت وصاية العسكر والاحتياج الدائم والمستمر للعصابة.