بسبب تدخل المنقلب في سياسات “البنك المركزي ” .تراجع كبير في تحويلات المصريين بالخارج

- ‎فيتقارير

 

 

تسببت سياسات حكومة الانقلاب المتضاربة في تراجع تحويلات العاملين المصريين بالخارج بنسبة تقترب من 25% خاصة بعد أن قررت لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي تخفيض قيمة الجنيه أمام الدولار الأمريكي لتصل قيمة الدولار إلى 50.30 جنيها، بالإضافة إلى إلغاء مستندات التحصيل وإجبار المستوردين على التعامل بالاعتمادات المستندية، ما تسبب في احتجاز شحنات البضائع في الموانئ والجمارك منذ فبراير 2022 وهو ما أدى إلى نقص المعروض من السلع في الأسواق المحلية وارتفاع الأسعار بصورة جنونية.

ومع توقف المصانع والشركات عن العمل لجأ المستوردون إلى شراء الدولار من العاملين المصريين بالخارج، وأدرك العاملون بالخارج أنهم يستطيعون بيع الدولار بقيمة تصل إلى 37 جنيها فامتنعوا عن تحويل دولاراتهم إلى مصر، ما يهدد بحرمان البلاد من إيرادات دولارية كبيرة تُمثل نحو 7% من إجمالي الناتج المحلي.

كانت تحويلات العاملين المصريين بالخارج قد سجلت رقما قياسيا بلغ 31.9 مليار دولار خلال العام المالي المنتهي في يونيو  2022 فيما بلغت إيرادات السياحة خلال السنة المالية 2021-2022 نحو 10.7 مليارات دولار.

ومع الإجراءات الكارثية التي فرضها البنك المركزي المصري تراجعت هذه التحويلات بمعدل 20.9% لتسجل نحو 6.4 مليارات دولار مقابل نحو 8.1 مليارات، بحسب ما جاء في تقرير ميزان المدفوعات خلال الربع الأول، وهوالفترة من يوليو إلى سبتمبر من السنة المالية 2022/2023 الصادر عن البنك المركزي.

يشار إلى أن البنك المركزي كان قد أعلن نهاية أكتوبر 2022 أنه سيعتمد نظام سعر مرن لصرف قيمة الجنيه مقابل العملات الأجنبية، استنادا لآلية العرض والطلب بالسوق.

 

مراكز تجميع الدولار

 

من جانبه حمل الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني حكومة الانقلاب مسئولية هذا الانخفاض الكبير نسبيا بسبب تقلبات سعر الصرف، والذي بدأ في أعقاب خفض قيمة الجنيه بأكثر من 15% في مارس 2022 ليهبط إلى نحو 18.40 جنيها مقابل 15.70 جنيها، وبلغ ذروته مع تجاوز سعر الدولار 30 جنيها منذ أكتوبر ويناير الماضيين .

وقال الميرغني في تصريحات صحفية إنه “مع هذه التقلبات الحادة والانخفاض المستمر في قيمة الجنيه فضّل بعض المصريين بالخارج تأجيل تحويلاتهم، أو أنهم قاموا بتحويل أموالهم من خلال مصارف غير رسمية، أي ليس عبر البنوك للاستفادة من فرق سعر الصرف بين البنك المركزي والسوق السوداء التي برزت بقوة منذ بدء خفض قيمة الجنيه”.

وكشف أن بعض المستوردين والتجار أقاموا مراكز لتجميع العملة بالدول الخليجية، أكبر مصدر لتحويلات المصريين العاملين بالخارج، من أجل تسوية صفقات تجارية لديهم، أو للمضاربة على سعر الدولار.

وتوقع الميرغني أن يستمر التراجع في تحويلات المصريين إلى أن يستقر سعر صرف الدولار مقابل الجنيه وتعود الثقة بين هؤلاء المغتربين والجهاز المصرفي، لافتا إلى أن سعر الصرف لا يزال لا يعبر عن القيمة الحقيقية للجنيه.

وحول إمكانية أن تعوض إيرادات السياحة تراجع تحويلات المصريين أكد الميرغني أن زيادة إيرادات السياحة بنحو 1.3 مليار دولار لا تعوض التراجع في تحويلات المصريين المغتربين البالغ 1.7 مليار دولار لأن العبرة في محصلة الإيرادات من جميع المصادر والتي تأتي على رأسها التحويلات من الخارج.

وأشار إلى أن عائدات السياحة في الظروف الطبيعية تمثل نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ونحو 15% من إيرادات مصر من العملات الأجنبية، وتعد ثالث أكبر مصدر للدخل الأجنبي بعد الصادرات وتحويلات المصريين العاملين بالخارج.

 

تسريح العمالة

 

وشدد الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس على ضرورة التعامل بحرص مع دلالة الأرقام المجردة التي تعلن بشأن تحويلات المصريين في الخارج، مشيرا إلى أن الحديث عن تراجع تلك التحويلات أمر طبيعي بالنظر إلى الطفرة التي شهدتها فترات سابقة نتيجة تسريح أعداد كبيرة من المصريين العاملين بالخارج أثناء أزمة فيروس كورونا وتوقف شركات عدة عن العمل.

وقال النحاس في تصريحات صحفية “بعد أزمة التسريح التي أعقبت تفشي كورونا، لجأ كثيرون إلى تحويل مستحقاتهم إلى مصر، وهو ما أسهم في ارتفاع التحويلات خلال فترة الجائحة”.

وأوضح أن انخفاض التحويلات خلال الأشهر الماضية، يرتبط بانخفاض رواتب أعداد غير قليلة من العمالة المصرية بالخارج، وارتفاع تكاليف الحياة بالنسبة لقطاعات واسعة منهم، وهو ما يُعرّض هذه القطاعات من العمالة لمخاطر تآكل الدخل، ويؤثر سلبا في قدراتهم الادخارية، وبالتبعية يقلص تحويلاتهم لبلدانهم الأصلية”.

 

تقلبات سعر الصرف

 

وأرجع الدكتور إسلام جمال الدين شوقي، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، تراجع تحويلات المصريين بالخارج إلى أسباب عدة منها حالة التخبط الاقتصادي العالمية، وكذلك إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لدى كثير من المصريين العاملين بالخارج نتيجة ارتفاع مستويات التضخم والمعيشة، إضافة إلى تقلبات سعر الصرف، ما جعل البعض منهم يرسل النفقات الضرورية لأسرهم في مصر والاحتفاظ بالدولار لأكبر فترة ممكنة، فضلا عن وجود سوق موازية سوداء للدولار، ما يجعل الكثير من المصريين يفضلون التحويل بعيدا عن البنوك.

وقال شوقي في تصريحات صحفية إن “هناك طريقة تعرف باسم المقاصة، وتظهر على سبيل المثال عندما يريد تحويل مبلغ من الدولارات إلى مصر، فيسلمه لشخص موجود معه في الدولة نفسها، على أن يقوم شخص آخر يتبع متسلم الدولارات، بتسليم أهل الشخص المرسِل مقابل هذا الدولار في مصر بالجنيه، وذلك مقابل سعر أعلى من السعر المعلَن عنه في البنوك المصرية، وتدخل هذه التحويلات في نطاق عمليات تحويلية غير مرصودة ضمن بيانات الأجهزة الرسمية”.

وتوقع أن يسهم استقرار سعر الصرف في ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج، مطالبا حكومة الانقلاب والبنك المركزي بالعمل على زيادة ثقة المصريين في الخارج بمسار التحويل الرسمي، عبر حوافز حقيقية من أجل تشجيع التحويلات، وعدم ترك الفرصة لعودة السوق السوداء .

 

إيرادات السياحة

 

وقال أحمد عطية وكيل وزارة السياحة رئيس قطاع الفنادق والقرى السياحية سابقا إن “إيرادات السياحة خلال الربع المالي الأول مؤشر على زيادة الحصيلة السنوية، والتي من المتوقع أن تفوق التوقعات بدعم من رفع القيود على السفر والتنقل، وانتهاء أزمة جائحة كورونا ورغبة الناس في التحرر من آثارها”.

وأضاف عطية في تصريحات صحفية أن قطاع السياحة شهد انتعاشا إلى حد ما، بعد أن عانى بقوة خلال السنوات القليلة الماضية، رغم دوره الكبير في الاقتصاد المصري وزيادة معدلات النمو، وتوفير العملة الصعبة، وتشغيل الأيدي العاملة”.

وطالب حكومة الانقلاب بضرورة التركيز على زيادة إيرادات السياحة أكثر من التركيز على عدد السائحين، مشيرا إلى أن العبرة بسخاء السائح وليس بالعدد، وضرورة العمل على استقدام سياح ينفقون بشكل مناسب يتناسب مع حجم وطبيعة إمكانيات البلاد السياحية التي لا تتوفر في الكثير من بلدان العالم ولكن ينقصها تحسين مستوى الخدمات.

وشكك عطية في جدوى خفض أسعار الخدمات لجذب السياح، لأن الأسعار المتدنية تعني خدمة ضعيفة تسيء إلى السياحة المصرية، داعيا إلى المنافسة على السياحة الأثرية والثقافية، حيث تملك مصر مقومات لا يملكها بلد آخر بدلا من التركيز على السياحة الشاطئية التي يتنافس فيها الكثير من دول العالم.