كادت أعداد ضحايا زلزال تركيا وسوريا أن تلامس 38 ألفا، إثر انتشال المزيد من الجثث من تحت أنقاض المباني المدمرة في البلدين، مع تضاؤل الآمال في العثور على ناجين بعد مرور 8 أيام على الكارثة. وحسب الإحصاءات الرسمية فإن عدد ضحايا الزلزال في تركيا بلغ نحو (31,974) شهيدا، في حين وصل عدد الضحايا في سوريا إلى 5801، شهيدا والمصابين إلى 7396. وما تزال عمليات البحث والإنقاذ مستمرة في عدد من المناطق، بينما تم الإعلان عن انتهائها في أماكن أخرى.
وفجر الإثنين 6 فبراير2023م، ضرب زلزال جنوب تركيا وشمال سوريا بلغت قوته 7.7 درجات، أعقبه آخر بعد ساعات بقوة 7.6 درجات ومئات الهزات الارتدادية العنيفة، مما خلّف خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات بالبلدين. ورغم مرور أكثر من أسبوع على حدوث الزلزال، فإن الهزات الارتدادية لا تزال مستمرة، حيث أعلن مركز أبحاث الزلازل بجامعة البوسفور التركية مساء الاثنين عن هزة ارتدادية بقوة 4.9 درجات ضربت مجددا الولاية الواقعة جنوبي البلاد، دون الإبلاغ عن وقوع ضحايا.
وعلى صعيد إيصال المساعدات الإنسانية، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مساء الاثنين أن رئيس النظام السوري بشار الأسد وافق على فتح معبرين حدوديين إضافيين بين تركيا وشمال غرب البلاد لإدخال مساعدات إنسانية للمتضررين من الزلزال.وخلال الأيام الماضية، استمر الجدل بشأن ما اعتبر إخفاقا دوليا في إيصال المساعدات إلى المتضررين من الزلزال شمال غربي سوريا، رغم مرور أيام عديدة على الزلزال.
وفي تصريحات للرئيس التركي رجب طيب أردوغان فإن القوة التدميرية للزلزال تعادل نحو (500) قنبلة ذرية وأن عدد الناجين من الزلزال نحو 81 ألف مصاب. واعتبرت منظمة الصحة العالمية –الثلاثاء 14 فبراير2023- أن الزلزال الذي خلّف أكثر من 37 ألف قتيل في تركيا وسوريا هو "أكبر كارثة طبيعية خلال قرن" تضرب بلدا واقعا ضمن منطقتها الأوروبية. وقال مدير الفرع الأوروبي للمنظمة هانس كلوغه -خلال مؤتمر صحفي عبر الإنترنت- "نحن شهود على أكبر كارثة طبيعية في منطقة الفرع الأوروبي من منظمة الصحة العالمية خلال قرن وما زلنا نقيّم حجمها". وأضاف أن "التكلفة الحقيقية لم تُحدد بعد، وسيستغرق التعافي والشفاء منها وقتا وجهدا هائلَين"، مذكرا بأن نحو 26 مليون شخص "يحتاجون إلى مساعدة إنسانية" في تركيا وسوريا.
(4) أسباب
من جانبه، يعزو أستاذ علوم الأرض والمحيطات في جامعة فيكتوريا الكندية الدكتور إدوين نيسن، أسباب ارتفاع الضحايا إلى أربعة أسباب، الأول هو المباني غير المؤهلة لمقاومة الزلازل، مؤكدا أن "المباني هي التي تقتل السكان وليس الزلازل". والثاني هو وقوع الزلزال ليلا. والثالث هو وقوع الزلزال في فصل الشتاء. هذه الأسباب مجتمعة هي التي فاقمت أعداد الضحايا. أما السبب الرابع فهو طول فترة الزلزال؛ مؤكدا أن المباني في منطقة الزلزال ما كان لها أن تتحمل هذه الهزات القوية، فضلا عن أن مدة الاهتزاز الطويلة أيضا زادت من حجم الدمار.وبيّن أن قوة الزلزال، واستمرار الهزة لمدة دقيقة تقريبا وفق البيانات الصادرة عن المراكز ذات الصلة، أدت لاهتزاز المباني بطريقة عنيفة. واستدرك "كان بإمكان المباني تحمل الهزات المذكورة حال استمرارها لمدة 10 ثوان، ولكن استمرارها لدقيقة كاملة أدى إلى انهيارها". وأشار نيسن إلى أن تركيا من البلدان التي تمر بها صدوع زلزالية خطيرة ونشطة، وأن أماكن قليلة فقط في البلاد ليست معرضة لخطر الزلازل الكبيرة.
التفسير العلمي
وأضاف العالم الكندي في مقابلة مع وكالة الأناضول أن الزلزال لم يكن متوقعا رغم بيانات تركيا الغنية التي تعود بعضها إلى ألف عام، كما أن مثل هذا الزلزال الضخم عادة لا يتكرر إلا كل 100 عام. وأضاف أنه ربما من بين أكبر 5 أو 10 زلازل تحدث على اليابسة، لذلك فقد تسبب بأضرار كبيرة في البنى التحتية والفوقية في المناطق السكنية المجاورة. ولفت إلى أنه بعد زلزال عام 1939 الذي ضرب صدع شمال الأناضول وأودى بحياة أكثر من 30 ألف شخص، فإن زلزال 2023 هو الأكثر فتكا في تاريخ تركيا.
و"فالق شرق الأناضول" أو "صدع شرق الأناضول"، مصطلح يشير إلى منطقة التلاقي بين صفيحة اليابسة العربية والأفريقية وصفيحة أوراسيا. وعن الزلازل التي حدثت في منطقة صدع شرق الأناضول في الماضي، ذكر نيسن أن قوتها راوحت ما بين 6.8 و7 درجات. وأوضح أن زلزالا بقوة 6.8 درجات يكون أصغر بـ 30 مرة من زلزال بقوة 7.8 درجات على مقياس ريختر، وذلك بالنظر إلى الطاقة المنبعثة.
ونوه إلى أن الصفيحة الأناضولية تتعرض لضغوط تكتونية من قبل الصفيحتين العربية والأوراسية، إذ يجري دفع الصفيحة الأناضولية باتجاه الغرب، أي أن كل شيء بين صدعي شمال وشرق الأناضول يتم دفعه باتجاه الغرب. ووفق نيسن، فإن هذه الحركة يمكن أن تتسبب في حدوث زلازل كبيرة مثل الزلزال الأخير كل 100 عام أو أقل.
وفيما يتعلق بتحرك الأرض في منطقة الزلزال، أشار نيسن إلى أن معظم مناطق تركيا تقع على الصفيحة الأناضولية التي تتحرك غربا بسبب الضغط والحركة التكتونية في الشمال والجنوب، وهي التي تسببت في حدوث الزلزال الأخير. وأضاف أنه في حال حدوث زلزال كبير، يتحرك خط الصدع المكسور بضعة أمتار، تعتمد على حجم الزلزال؛ لذا فإن الزلزال الأخير تسبب بحدوث كسر على طول الصدع قد يبلغ طوله حوالي 300 كيلومتر، ومتوسط الحركة قد يكون حوالي 3 أمتار، وفق نيسن. وأوضح أن هذه المسافة قد تختلف على طول الصدع، وهذا ما أكدته صور السكك الحديدية والطرق السريعة المتضررة.
كارثة القرن
وحسب العالم الإسبابي خوردي دياز، عالم الزلازل في معهد برشلونة لعلوم الأرض التابع للمجلس الأعلى للبحث العلمي في إسبانيا، فإن "الزلزالين اللذين وقعا بولاية كهرمان مرعش التركية هما زلزالان كبيران يفصل بينهما 9 ساعات، وهذه حالة نادرة جدًّا". وأضاف دياز في مقابلة مع وكالة الأناضول أن الإحصاءات أظهرت أن الزلزالين كانا الأكبر من نوعهما في تركيا خلال قرن، لذلك يمكن وصف الحالة بأنها "كارثة القرن". وأشار إلى أن العالم يشهد وقوع زلازل بهذا الحجم من 10-20 مرة في العام، لكن الزلزال الذي ضرب تركيا كانت له خصائص فريدة من حيث قدرته التدميرية.
ولفت العالم الإسباني إلى أن الزلزالين تسبّبا بخسائر فادحة في المنطقة، لأن مركزهما كان قريبًا جدًّا من السطح بعمق 15-20 كيلومترًا فقط، فضلًا عن قربه من المناطق السكنية ذات المباني غير المؤهلة لتحمل هذا النوع من الزلازل. وأردف قائلا "نطلق على الزلازل المشابهة لزلزالي مرعش تسمية الزلازل الضحلة، وهذا النوع يحمل قدرات تدميرية أكبر"، مؤكدا أن إسبانيا شهدت زلزالًا مشابهًا وقع في مدينة لوركا (جنوب) في 11 مايو 2011، ولكن زلزال تركيا كان أشد بألف ضعف من زلزال لوركا في إسبانيا. كما قارن العالم الإسباني بين زلزال مرعش والزلزال الذي ضرب مدينة توهوكو اليابانية في 2011، قائلا إن زلزال مرعش كان عبارة عن زلزالين كبيرين بفاصل 9 ساعات فقط، وكمية الطاقة المنبعثة منهما تزيد بمقدار 30 مرة على مثيلتها في اليابان. وحث العالم الإسباني على ضرورة إجراء دراسات مكثفة على زلزالي كهرمان مرعش بشكل مفصل، لأن البيانات التي سيُتوصل إليها في هذا الصدد من شأنها أن تغيّر نظرتنا إلى المخاطر الزلزالية والقواعد الحالية.
من ناحية أخرى، قال دياز إن "إسطنبول تعدّ من المناطق التي يصنفها خبراء بين الأماكن المعرضة لحدوث حركات زلزالية". وأضاف أن إسطنبول تتعرض لتهديد واضح للغاية، ومن المتوقع حدوث زلازل كبيرة مماثلة في طوكيو ومدينتي لوس أنجلوس وسان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية.
ودعا لإنشاء مبانٍ جديدة تتمتع بأفضل مقاومة للزلازل، وتوفير دعم لوجستي أكبر لفرق الإنقاذ في المناطق المهددة بالزلازل. وتابع "إذا كنت تعيش في منطقة زلازل فيجب أن تعلم أن الهزة الأرضية قادمة عاجلًا أم آجلًا. حدث الزلزال العظيم في سان فرانسيسكو عام 1906، والآن ينتظر الجميع هزة أرضية كبيرة جديدة هناك". وذكر دياز أن تشييد المباني المقاومة للزلازل يسهم في إنقاذ الأرواح، كما هو الحال في اليابان وهاييتي.
والثلاثاء الماضي، قال كارلو دوغليوني رئيس المعهد الوطني الإيطالي للجيوفيزياء والبراكين، إن زلزال تركيا حرك البلاد (لوحة الأناضول) 3 أمتار نحو الغرب، وإنه وقع في أحد خطي الصدع الزلزالي اللذين يمران في تركيا. مؤكدا أن الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا، كان أحد أكبر الزلازل التي سُجلت على اليابسة، مؤكدا أن هذا النوع من الزلازل المدمرة تحدث عادة في المحيطات وليس على اليابسة.