العلاقة بين الظلم والمعيشة الضنك.. متى يرفع الله اللعنة عن مصر؟

- ‎فيتقارير

من آخر الأخبار المتداولة أن  نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي قرر حبس واحد وأربعين مصريا بعد إخفائهم قسريا لسنوات حسب بيان لست منظمات حقوقية بذلك. من بين هؤلاء طفل لم يتجاوز  عمره حين اعتقاله  (13) سنة!! ورصد مركز الشهاب لحقوق الإنسان وصول عدد المخفيين قسرياً في مصر خلال 9 سنوات إلى 16355 حالة، تشمل كافة الفئات العمرية في المجتمع المصري، بينما وصلت حالات المخفيين قسريا لعام 2022 وحده 3153 حالة. وأشار المركز إلى أنه خلال التسع سنوات الماضية قضى نحو 865 محتجزاً داخل مقار الاحتجاز المصرية المختلفة، منهم 40 مواطناً خلال عام 2022 وحده.  كما ورد إلى مركز الشهاب قرابة 103 شكوى واستغاثة من الانتهاكات داخل السجون والمعتقلات خلال عام 2022.  وكان المركز قد رصد تعرّض ألفي امرأة لانتهاكاتٍ مُتعددةٍ منها الحبس والسجن وهتك العرض والفصل من الجامعات خلال 2022، وذلك خلال اليوم العالمي لحقوق الإنسان. وحسب مركز شفافية للأبحاث والتوثيق وإدارة البيانات، فقد وثق المركز  39 ألفا و57 واقعة قبض وإيقاف وملاحقة أمنية وقضائية خلال الفترة من 1 يناير 2018 حتى 1 يناير 2023 على خلفية سياسية.

في المقابل فقد ارتفعت الأسعار في مصر منذ انقلاب 3 يوليو 2013م بنحو 600%، وطال الغلاء كل شيء؛ فالخبز الحر ارتفع من 25 قرشا إلى نحو جنهين، والبضة الواحدة من نصف جنيه إلى خمسة جنيهات حاليا، وكيلو اللحم من 50 إلى 250 جنيها، ولتر الزيت من 7 جنيهات إلى 75 جنيها، وتذكرة المترو من جنيه واحد إلى (12) جنيها، وفاتورة الكهرباء من (50 جنيها في المتوسط) إلى (500 جنيه حاليا)، وبفعل السياسات الفاشلة سقط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر. و لم ير المصريون طوال تاريخهم بؤسا وغلاء وضنكا كما يعاينون اليوم تحت حكم السيسي وعصابته.

فما تفسير  ذلك؟ وما أسبابه؟ وما علاقة ذلك بانعدام الإيمان والإعراض عن تعاليم الله؟

في البداية علينا الإقرار بأن أحد أهم مشاكل التناول الإعلامي العربي أنه شديد التأثر  بالإعلام الغربي؛ يمضي على خطاه  ومناهجه وحدوده دون وعي بأن الإعلام الغربي علماني النزعة والعقيدة والهوى؛ يتناول المشاكل والأزمات بنظرة دنيوية مادية بحتة لا تربط بين مشاكل العالم والإيمان بالله، وللأسف نحن نمضي وراءهم كالعميان دون وعي أوبصيرة بأن ثوابتنا غير ثوابتهم وعقيدتنا غير عقيدتهم، وإيماننا يختلف عن إيمانهم.

فالمشكلة الاقتصادية مثلا؛ يتناولها الإعلام الغربي تناولا ماديا بحتا ينظر إلى أسبابها المادية ويحاول وضع الحلول لها من وجهة نظر علمانية صرفة لا تضع للدين والإيمان اعتبارا.  فهل يليق هذا بنا نحن المسلمين أن نمضي على خطاهم ولا نضع اعتبارا لكتاب الله (القرآن) وسنة نبيه محمد (r)؟!

القرآن لا يعارض مطلقا أن يستخدم الإنسان عقله وعلومه في وضع حلول لمشاكله؛  بل يدعوه إلى ذلك ويدفعه إليه دفعا، ويعتبر ذلك شرطا من شروط النجاح وهو  الأخذ بالأسباب وفق مقولة الرسول (r) الشهرة (اعقلها وتوكل)؛ بشرط أن يكون ذلك في إطار الإيمان بالله واتباع تعاليمه (التوحيد ــ العدل ـ الحرية ــ  الشورى ـ التعاون في الخير ــ التكافل والمحبة ــ الأخوة  الإنسانية ــ الاستقامة) في إطار من تقوى الله  التي تعصم الإنسان من الزلل واتباع الهوى.

على عكس المنهج العلماني فإننا نجد أن أحد أهم أسباب الأزمات التي تعاني منها مصر أن نظام الحكم يُعرض عن تعاليم الإسلام الكبرى ويواصل الظلم والاستكبار في الأرض ويوالي الأعداء وينكل بالأولياء ولا يضع اعتبار لله أو الناس؛ ناسين أن الله توعد المستكبرين في قوله: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126)}.

قد يقول أحدهم: ما هذا الهراء؟ ألا يحيا الأمريكان والأوربيون وحتى الصينيون واليابانيون بحياة أفضل من بلادنا رغم أنهم في عرف الإسلام معرضين منكرين؟!

يفترض طارح هذا السؤال أن هذه الشعوب تحيا حياة أفضل منا، لكن الحقيقة أن هؤلاء رغم ثراهم الفاحش يعانون من خواء روحي رهيب، وتحولوا إلى حيوانات لا هم إلا إشباع الشهوات والغرائز؛ فلم تعد لحياتهم معنى، ويكفي أن الأرقام تؤكد أنهم أكثر انتحارا ورغبة في التخلص من حياتهم، والرجال والنساء هناك تحولوا إلى آلات يكدون ويعملون ليل نهار من أجل توفير أساسيات الحياة؛ فهل هذا حياة؟ وهل هذه معيشة؟ فهذه عيشة الحيوانات لا عيشة الإنسان الذي يجب أن يحيا من أجل فكرة سامية (الإيمان بوحدانية الله). وأن ينشر الخير في العالم كل العالم، فليس بمؤمن من لا يقف ضد الظلم والطغيان مهما كان فاعله ومهما كان ضحاياه دون اعتبار لأي شيء آخر سوى التوصيف المجرد (الظالم ـ المظلوم)؛ لهذا مثلا يتعين الدعم والتعاطف مع الأوكران ضد الروس، وهو نفس المنطق الذي يجعلنا ندعم الفلسطينيين ضد الغزاة الصهاينة.

المشكلة في بلادنا نحن المسلمين، كيف يكون بيننا كل هذا الظلم والطغيان وكتاب الله يتلى ليل نهار يحذر الظالمين من عذاب أليم؟! كيف يسود الظلم بيننا والإيمان باليوم الآخر والحساب على كل صغيرة وكبيرة أحد آركان الإيمان الستة؟ {فمن يعمل مثال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}.

فما نحن فيه من ضنك ومشقة هو في أسبابه الأولى والحقيقية يتعلق بانعدام الإيمان والإعراض عن تعاليم الله، وتفشي الظلم والطغيان والاستبداد. وفي أسبابه المباشرة، هو إبعاد الشعب عن صناعة القرار وحقه في اختيار حكامه بحرية مطلقة دون وصاية من أحد، وكذلك من أسبابه تنصيب معدومي الكفاءة مناصب حساسة في الدولة؛ فبات هؤلاء يقررون مصائر الملايين بجهل وعناد وكبر؛ لذلك فإن المصريين جميعا يدركون اليوم  أن بلادهم قد أصابتها لعنة من السماء بما كسبت أيدي الناس.

فالأسعار تنخفض عالميا وترتفع في مصر، وسعر الخبز في مصر بات أعلى من سعره في الولايات المتحدة  الأمريكية وأوروبا وبلاد الخليج الثرية، والوقود في بلادنا سعره أعلى من كل بلاد العالم  مع الوضع في الاعتبار الفروق الضخمة في مستويات الدخل. وأسعار الغذاء في مصر باتت بالسعر العالمي رغم الفروق الضخمة في الدخول والمرتبات. فالمصري قد يشتري كيلو اللحم بنحو (250) جنيها ودخله قد يصل ما بين 5 إلى 10 آلاف جنيه شهريا. وقد يشتريه الأمريكي بما يعادل نحو (500 جنيه مصري) لكن الدخل الشهري للأمريكي يصل إلى نحو 75 إلى 100 ألف جنيه شهريا لو حسبناه بالمصري.

العلاقة بين الظلم والطغيان والمعيشة الضنك علاقة طردية؛ فكلما زاد منسوب الظلم والطغيان زاد منسوب الضنك والتعب وظهرت الفتن والمشقة على الناس؛ وبالتالي فإن أولى خطوات رفع اللعنة أن يرفع الظلم عن عشرات الآلاف من  المعتقلين ظلما في سجون الطغاة والظالمين. وأن يرد لهؤلاء اعتبارهم ويعوضوا  عن كل الظلم الذي حاق بهم وأن نتضرع إلى الله أن يعفوا عن بلادنا جراء الظلم والطغيان الذي ملأ كل جوانبها في السنوات الماضية؛ فربما يسمع الله تضرعنا ويرفع عن بلادنا هذه اللعنة التي أسقطت عشرات الملايين تحت خط الفقر وجعلت بلادنا على وشك الإفلاس تحت حكم جنرال دموي اسمه عبدالفتاح السيسي.

يجب أن ينسف هذا النظام إلى الأبد، وأن نبدأ في بناء بلادنا من جديد على نظافة كاملة وحرية كاملة، والتزام كامل لتعاليم الإسلام السامية العظيمة، وأن تكون السيادة فيه للشعب، هو من يختار حكامه بحرية وديمقراطية وهو من له الحق في تغييرهم بأدوات الديمقراطية وصناديق الاقتراع وليس بالانقلابات العسكرية وصناديق السلاح والذخيرة. والإعراض عن الإيمان والقيم الأخلاقية السامية.