يواجه كثير من المصريين شبح الفقر والجوع في الوقت الذي سقط عشرات الملايين منهم تحت خط الفقر بفعل تبني نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي لسياسات اقتصادية رأسمالية بالغة التوحش والانحياز للأثرياء على حساب الفقراء؛ فعليا لم يعد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء يصدر بيانات رسمية تكشف معدلات الفقر في البلاد؛ وكان آخر البيانات يتعلق بالفترة من أكتوبر 2019 حتى مارس 2020م، وهي الفترة التي سبقت تفشي جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا، وكان سعر الجنيه وقتها (16 مقابل الدولار الواحد). وزعم الجهاز أن نسبة الفقراء تراجعت من 32% إلى 29%، الأمر الذي أثار كثيرا من الشكوك حول حقيقة النسبة ومدى تلاعب الحكومة بهذه الأرقام لتجميل صورتها بالأكاذيب كعادتها منذ الانقلاب في منتصف 2013م.
اليوم مع انخفاض قيمة الجنيه إلى النصف (30.65 جنيها لكل دولار)، تآكلت أجور ومرتبات المصريين ومدخراتهم من العملة المصرية إلى النصف؛ فبات كل جنيه يساوي نصف جنيه فعليا بفعل الغلاء الفاحش الذي طال كل شيء والتضخم الجامح الذي لم يتوقف منذ التعويم في نوفمبر 2016م.
الظلم سبب اللعنة
وفي المدن والقرى الريفية على نحو خاص بات كثير من الناس يحملون مزيدا من مشاعر الدعم والتعاطف الجامح مع الإخوان الذين طغى عليهم نظام العسكر منذ الانقلاب المشئوم؛ يتذكرون كيف كان الإخوان يقفون إلى جانب الفقير والمحتاج، وكيف كانوا يخففون عن الناس الاثقال التي ترهق كواهلهم بتقديم الطعام والملابس والأموال لكل فقير ومسكين ومحتاج، وترى قطاعات واسعة من المصريين أن اللعنة التي ضربت مصر سببها هو الظلم الواقع على الإخوان، متسائلين: أين هذا الشباب الطاهر الذي كان يملأ بيوت الله ذكرا وصلاة وتسبيحا وتربية للأطفال والأجيال على طاعة الله والولاء للوطن؟ أين حلقات العلم والذكر؟ أين نشاطهم الخيري الذي كان يغطي معظم المدن و القرى المصرية؟ هل صب الله لعنته على مصر بسبب هذا الظلم الكبير الذي تعرض له الإخوان والمقربون منهم؟ ومتى يرفع الله هذه اللعنة عن بلادنا؟ أتكون بداية رفع هذا الظلم عن مئات الآلاف من المظلومين بداية لرفع هذه اللعنة التي جاء بها السيسي وعصابته من الجنرالات؟
خير بطول البلاد وعرضها
وامتد النشاط الخيري للإخوان إلى جميع المحافظات المصرية، حيث كانت تمتد مظلة الرعاية والتكافل التي كان يديرها الإخوان إلى ملايين الفقراء والمحرومين، لكن نظام الطاغية السيسي دمر هذه المؤسسات الضخمة وجمد جميع أشكال النشاط الخيري للجماعة؛ ولم يتوقف عند هذا الحد بل صادر أموال الجماعة وأموال قادتها، وامتد الانتقام والتنكيل إلى القائمين عليها فمنهم من قتل ومنهم من اعتقل ومنهم من صودرت أمواله وحيل بينهم وبين حرية التصرف في أموالهم لا لتهمة فعلوها سوى الإصرار على رفض انقلاب قادة المؤسسة العسكرية على المسار الديمقراطي والرئيس المنتخب والإجهاز على ثورة 25 يناير بالمحو والإزالة. وتم حل مئات الجمعيات الخيرية، وتجميد أرصدتها بناء على حكم من محكمة الأمور المستعجلة في سبتمبر 2013م بحل جمعية الإخوان والتحفظ على أموالها. وتوسع نظام 30 يونيو في قرار الحل والتجميد حتى وصلت إلى تعليق عمل ما بين 1055 إلى 1300 جمعية، وحرم القرار ملايين البسطاء من الانتفاع بخدمات تلك الجمعيات الصحية والتعليمية والخيرية أيضا.
وكان نشاط تلك الجمعيات منصبا على رعاية الفقراء وتقديم خدمات صحية وتعليمية وخيرية، مثل الإعانات المالية الشهرية، وتجهيز العرائس للزواج، وتوزيع كسوة وأغطية الشتاء على المحتاجين، وإطعام الطعام، وإغاثة الملهوفين سواء في الظروف العادية أو الصعبة. ويكفي أن نشير إلى مصادرة «الجمعية الطبية الإسلامية»، التي كانت تمثل صرحا خيريا عظيما من أعظم المؤسسات الخيرية في العالم؛ تضم أكثر من 38 مستشفى ومستوصفا و10 مراكز متخصصة للغسيل الكلوي و12 صيدلية، وتعالج أكثر من 3 ملايين مريض، وتجري أكثر من 75 ألف عملية جراحية سنويا، وتتركز فروعها في المناطق الشعبية الفقيرة، حيث يشكل الفقراء غالبية المستفيدين من خدماتها، وتقدم خدماتها للجميع بالمجان. ولم يتمكن النظام مطلقا من ملء الفراغ الذي تركته هذه المؤسسات الخيرية بفروعها الممتدة في آلاف المدن والقرى والأحياء، بخلاف تجميد النشاط الخيري في المساجد الصغيرة خشية الملاحقات الأمنية التي لم تتوقف ساعة واحدة منذ الانقلاب حتى اليوم.
وخلال السنوات اللاحقة للانقلاب، تبنى النظام خطة تستهدف بسط يد الدولة على جميع أوجه النشاط الخيري؛ وكانت البداية بإنشاء ما يسمى بصندوق “تحيا مصر” سنة 2014م، ليكون قاطرة العمل الخيري في محاولة لسد الفراغ الذي تركه تجميد النشاط الخيري للإخوان والحركات الإسلامية، ثم التعديلات التي أجريت على قانون إنشاء الصندوق لتجعل منه صندوقا “سياديا” لا رقابة عليه من أي جهة، ثم جاء تدشين ما يسمى بالتحالف الوطني للعمل الخيري في مارس 2022م، ليعكس مدى إصرار النظام على تحويل النشاط الخيري من صبغته الشعبية بوصفه عملا شعبيا يقوم به المجتمع إلى نشاط شبه رسمي تشرف عليه أجهزة الدولة وتوظفه لخدمة أجندتها السياسية في ظل فشلها في إدارة البلاد سياسيا واقتصاديا.