العصر الذهبي للاحتكار.. هل تم تدمير صناعة الدواجن لحساب بيزنس الجيش؟

- ‎فيتقارير

تذهب تفسيرات إلى أن الدولة تقف وراء انهيار صناعة الدواجن لأسباب تتعلق بفشل السياسات الاقتصادية من جهة، وتعزيز احتكار الجيش من جهة أخرى والذي يهمين فعليا على نحو 60% من الاقتصادي المصري وفق تقديرات غير رسمية في ظل  انعدام الشفافية وغياب المعلومات.

وحسب تقرير نشره موقع "مدى مصري" تحت عنوان (مصادر: «جهة سيادية» معفاة من الجمارك استوردت الدواجن البرازيلية المباعة في منافذ الجيش)، والمنشور يوم الخميس 23 فبراير2023م،  ينقل الموقع عن مصدر مطلع بوزارة التموين نفيه أن تكون الوزارة قد استوردت الدواجن المجمدة التي تباع حاليا في منافذ الجيش بسعر 65 جنيها للكيلو حسب مزاعم رئيس القطاع التجاري بشركة النيل للمجمعات الاستهلاكية، محمد مندور، الأربعاء الماضي، الذي زعم أن الوزارة ، طرحت دواجن برازيلية مجمدة بسعر 65 جنيهًا للكيلوجرام عبر منافذ المجمعات الاستهلاكية، مشيرًا إلى أن هذه التعاقدات تمت مع المنتج المباشر على كميات تكفي لمدة عام. لكن المصدر نفى ذلك موضحا أن «الوزارة ما استوردتش حاجة، لكنها تعاقدت بعقد غير معلن التفاصيل مع مورّد محلي، هو اللي استورد»، ورفض المصدر، الذي طلب عدم ذكر اسمه، تسمية المورّد المحلي، مكتفيًا بالإشارة إلى أنه جهة سيادية. وحاول «مدى مصر» التأكد من صحة هذه المعلومات من خلال رئيس الشركة القابضة للصناعات الغذائية، أحمد حسانين، لكن الموقع لم يتلق ردًا حتى موعد النشر.

وخلال الأيام الماضية، ظهرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، دعوات من خلال ما وصفه مصدر بقطاع الإنتاج الحيواني بـ«اللجان الإلكترونية» لشراء دواجن برازيلية رخيصة متوفرة في منافذ «صَن مول» التابع لوزارة الدفاع، ودعت المنشورات المستهلكين لمقاطعة الدواجن المحلية. دعوات الحكومة والإعلام لمقاطعة الدواجن المحلية بدعوى أن ارتفاع أسعارها جاء نتيجة لجشع التجار، هو «استسهال من الحكومة عشان توجه غضب الناس لحد تاني، وياريتها حتى بتوجه الغضب للشخص المسؤول فعلًا»، يقول المصدر بقطاع الإنتاج الحيواني، الذي طلب عدم ذكر اسمه، مضيفًا أن هذه الممارسات ستدفع قطاع الدواجن للانهيار بشكل كامل.

وينقل التقرير عن مستورد دواجن وآخر منتج محلي، ترجيحهما أن هذه الكميات تم استيرادها منذ أكثر من شهر من جهة سيادية، لسببين: الأول، أن كل مرة تستورد فيها وزارة التموين دواجن مجمدة، يعلن مجلس الوزراء عن القرار بشكل رسمي، وهو ما لم يحدث وفقًا للمصادر. السبب الثاني، أن الحكومة تفرض جمارك على القطاع الخاص في حال استيراده دواجن مجمدة تصل إلى 30%، وبالتالي سيكون سعرها أغلى من السعر المطروح، حيث ستصل وفقًا لأسعار الدواجن البرازيلية، وسعر الصرف الحالي، إلى 78 جنيهًا للكيلو دون حساب تكلفة النقل الداخلية، في حين أن الجهات السيادية والتموين هم فقط المعفيين من هذه الضريبة، ما يعني إمكانية طرحهم بهذه الأسعار المخفضة، عكس القطاع الخاص.

قرار الاستيراد خلال الوقت الحالي، اعتبره بعض العاملين بقطاع الإنتاج الحيواني، ضربة قاضية لقطاع الثروة الداجنة، الذي ينهار بالفعل منذ شهور، فيما برر المتحدث باسم مجلس الوزراء، نادر سعد، قرار الاستيراد «أنه لم يكن بالإمكان تركه للقطاع الخاص الذي من حقه أن يسعى للربحية، بعكس الدولة التي لا تسعى لتعظيم أرباحها». وأوضح سعد أن الحكومة لا تملك سوى خيارين لمواجهة أزمة أسعار الدواجن: الأول توفير كميات من الأعلاف ومدخلات إنتاجها، والثاني استيراد دواجن مجمدة خصوصًا مع اقتراب شهر رمضان.   ويرى عضو اتحاد منتجي الدواجن، محمد صالح، أن فتح باب الاستيراد سيعرقل عودة المزارع المتوقفة إلى الإنتاج مرة أخرى خاصة مع استمرار أزمة الإفراجات الجمركية، وتكدس أكثر من 1.5 مليون طن خامات أعلاف في الموانئ حاليًا.

 

فتش عن الاحتكار

وكان أحمد شيحة، نائب رئيس الغرفة التجارية، قد عزا أسباب الانهيار في السوق المصري، وارتفاع الأسعار بمعدلات يومية، إلى تعاظم السياسات والممارسات الاحتكارية التي تساندها الدولة. ويبدي شيحة  في تصريحات منسوبة إليه في صحيفة "العربي الجديد" اللندنية، تعجبه من ارتفاع الأسعار في مصر بمعدلات أعلى بكثير من ارتفاعها  دوليا، ويتهم الدولة بالمسئولية عما آلت إليه الأسعار من غلاء وعما آلت إليه أوضاع صناعة  صناعة الدواجن من انهيار.

يقول شيحة: «مكونات صناعة الدواجن واللحوم واحدة في أنحاء العالم، والأسعار معلنة في بورصات السلع وتتعامل بها كل الدول في آن واحد، وعندما لا تتحرك بالدول الأعلى دخلا أو الأكثر عرضة لكوارث، بنفس المعدلات التي تشهدها الأسواق، فهذا يكشف أن السوق المصري به خلل كبير صنعته الحكومة من اعتمادها على استيراد تلك السلع عبر مجموعة محدودة من المستوردين لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة، تتحكم بمفردها في أسعار الواردات بداية من القمح والذرة والأعلاف والكتاكيت (الصيصان) والدواجن والأسمدة، وجميع مستلزمات الإنتاج الأخرى».

ويتهم شيحة حكومة الانقلاب بصناعة هذه المنظومة الاحتكارية، وذلك عبر ما تسمى بـ "كارتلات" الاستيراد ورجال الأعمال الذين تسمح لهم وزارة التموين دون غيرهم بدخول المناقصات لشراء السلع التموينية والأساسية، ومن يحاول مساعدة الدولة في شراء تلك السلع ومنافستهم، يتعرض للسحق بعلم مسؤولين كبار في الدولة، ويكون الخاسر الأخير هو المستهلك الذي يدفع من جيبه ثمن موجات الغلاء وتكاليف الزيادة التي يحددها المحتكرون وفقا لأهوائهم وليس وفقا لظروف السوق الدولية، التي يتحججون بها. منظومة الاحتكار تهيمن فعليا على كل مفاصل الاقتصاد المصري، حيث يكشف شيحة أن الدولة تتعرض لهذه الضغوط ذاتها، لأن هيئة السلع التموينية التي تجلب القمح والسلع المدعومة من الخارج، تمر عبر سلسلة المحتكرين، الذين يقومون بتقسيم الصفقات في ما بينهم وتوزيع الأدوار على منافسات شكلية عند إسناد المناقصات العامة لشركات التوريد محدودة العدد، بما يضمن بقاء هؤلاء المحتكرين على قمة الهرم في مجالات الاستيراد، ويتحكمون عبر "الكارتلات" في أسعار جميع السلع بالأسواق. وحسب شيحة فإن أزمة الأسعار لم تعد في ندرة البضائع، بعد أن دخلت كميات كبيرة للأسواق، ولكن في قوة المحتكرين، الذين يدفعون بالسلع وفقا لأهوائهم ورغبتهم في تحقيق أعلى عائد من البيع، ودفع الطلب دوما أعلى من العرض. ويطالب بأن تتوقف الحكومة عن خفض قيمة الجنيه، حيث يعتمد 80% من اقتصاد الدولة على توافر الدولار، والمحافظة على استقرار قيمة العملة، مؤكدا أن أسعار السلع تضاعفت 5 مرات خلال 7 سنوات، متأثرة بتراجع قيمة العملة المحلية من 7 جنيهات إلى 30.7 جنيها، مقابل الدولار حاليا، والتي تقترب من نفس معدل التضخم في قيمة السلع منذ عام 2016، حينما بدأ تعويم الجنيه.