“البيت الإبراهيمي” .. صراع بين الإمارات والسعودية على زعامة “الإسلام العلماني” ولماذا غاب الطيب ؟

- ‎فيتقارير

 

افتُتح بالإمارات، مساء 16 فبراير 2023 ما يسمي "بيت العائلة الإبراهيمية" الذي يضم مسجدا وكنيسة ومعبدا يهوديا، وتسعى من خلاله دولة الإمارات إلى التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، تحت اسم "نشر التسامح والأخوة الإنسانية".

"البيت" عبارة ثلاثة دور عبادة سُميت بأسماء ذات مغزى، هي مسجد الإمام الأكبر أحمد الطيب شيخ الأزهر، وكنيسة قداسة البابا فرنسيس، ومعبد موسى بن ميمون اليهودي، وسيبدأ باستقبال زواره في الأول من مارس/آذار 2023.

برغم أن البيت الإبراهيمي يضم مسجدا باسم شيخ الأزهر أحمد الطيب، لم يحضر الإمام الأكبر حفل الافتتاح، بعدما اكتفى بحضور تدشين فكرته وتوقيع ما سُمي "وثيقة الأخوة الإنسانية" في 4 فبراير 2022 مع بابا الفاتيكان فرنسيس.

عدم مشاركة شيخ الأزهر، تردد أن وراءها سببين: الأول، رفضه ضغوط إماراتية لحضور الافتتاح خشية تورطه في التطبيع العلني ومصافحة إسرائيليين، حيث حضر الحفل قيادات دينية إسرائيلية متطرفة، وفق موقع الإمارات 17 فبراير 2023.

والثاني، أنه غاب لتحاشي هجوم كبير يشنه عليه بعض الأزهريين والعلماء بسبب فكرة البيت الإبراهيمي التي تستهدف تمييع الدين، فضلا عن رفضه هو من قبل في تصريحات رسمية، فكرة الدين الإبراهيمي.

واكتفى الطيب بحضور "اليوم الدولي للأخوة الإنسانية" في أبو ظبي 4 فبراير 2022 وإلقاء كلمة عامة عن التفاهم بين أتباع الرسالات السماوية وغير السماوية، واحترامه لخصوصية الأديان والعقائد، بحثا عن عالم أفضل تسوده روح التسامح والإخاء.

مصادر بمشيخة الأزهر أكدت أن الدكتور أحمد الطيب حسم مسألة عدم مشاركته في افتتاح بيت العائلة الإبراهيمية، حين ناقشته وفود إماراتية في ذلك، لذا فضلت الإمارات أن يقتصر حضور الحفل على شخصيات أقل وزنا.

لكنه أرسل نيابة عن الأزهر، الدكتور محمد حسين المحرصاوي، رئيس جامعة الأزهر السابق، والذي شارك معه في افتتاح البيت الإماراتي الكاردينال ميغيل أنخيل أيوسو جيكسوت، رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان بالفاتيكان، والحاخام الأكبر للتجمعات العبرية في بريطانيا والكومنولث، السير إفرايم ميرفيس.

كما شارك في حفل إفتتاح البيت الإبراهيمي، الحاخام ديفيد روزلين، المدير الدولي لشؤون الأديان بـالجمعية اليهودية الأمريكية (AJC)، بحسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية 16 فبراير/ شباط 2023.

لكن شيخ الأزهر شن هجوما على فكرة الديانة الإبراهيمية، وأكد في الاحتفال بالذكرى العاشرة لتأسيس بيت العائلة المصرية، 8 نوفمبر 2021 أنها أضغاث الأحلام، وانتقد فكرة التطبيع عبرها.

وقال إن "الدعوة إلى توحيد الدين دعوة أقرب لأضغاث الأحلام منها لإدراك حقائق الأمور وطبائعها، لأن اجتماع الخلق على دين واحد أمر مستحيل في العادة التي فطر الله الناس عليها، وإن احترام عقيدة الآخر شيء والإيمان بها شيء آخر".

أضاف "الطيب" إن الدعوة  "الإبراهيمية تبدو في ظاهر أمرها دعوة للاجتماع الإنساني والقضاء على أسباب النزاعات والصراعات، وهي في الحقيقة دعوة إلى مصادرة حرية الاعتقاد وحرية الإيمان والاختيار".

وعقب هجوم شيخ الأزهر على فكرة الإبراهيمية، والذي بدا خلاله أنه يفرق بين وثيقة الإخوة الإنسانية بين الأزهر والفاتيكان فقط، وبين البيت الإبراهيمي الذي يضم اليهود والإسرائيليين أيضا، انبرى مستشاره السابق عبد السلام للدفاع عنها.

وسبق للشيخ الطيب سبق أن ذهب للإمارات ووقع على وثيقة الإخوة الإنسانية مع بابا الفاتيكان، والديانة الإبراهيمية هي أم الوثيقة الإنسانية.

لكنه لم يذهب هذه المرة بسبب شدة الهجوم عليه من علماء الأزهر وصحفيين يتحدثون عن ملفات فساد داخل المشيخة لمقربين منه منهم مستشاره السابق محمد عبد السلام المقيم في الإمارات، والمحرصاوي رئيس جامعة الأزهر الذي ذهب بديلا للشيخ لافتتاح البيت الإبراهيمي.

سبب الصراع الإماراتي السعودي

وعقب افتتاح البيت الإبراهيمي الذي بنته الإمارات، ويدعو ضمنا لوحدة الأديان من خلال بناء مسجد وكنيسة ومعبد في محيط واحد، انتشرت على نطاق واسع فتوى من لجنة الإفتاء السعودية تعتبره بمثابة كفر وضلال، وردة عن الإسلام.

سعوديون نشروا الفتوى تحت عنوان شبه موحد يقول "السعودية تحسم قصة البيت الإبراهيمي أو الدعوة الإبراهيمية" ما يشير لدلالات وراء هذا النشر المكثف، ربما أبرزها استمرار الخلافات السعودية الإماراتية.

وجاء هذا التراشق عقب معركة أخرى سعودية إماراتية اندلعت في أوائل فبراير 2023 حيث وقع تراشق بين كُتاب محسوبين على البلدين حول من الأحق بقيادة محور عربي جديد في المنطقة بعد تراجع الدور المصري؟ الإمارات أم السعودية؟

لكن ترويج الفتوى السعودية الرسمية، في هذا التوقيت، وعقب أسبوعين فقط من افتتاح الإمارات، ما يسمى بيت العائلة الإبراهيمية، الذي يضم مسجدا وكنيسة ومعبدا يهوديا، في 16 فبراير 2023، لا يبدو اعتباطيا.

فالفتوى توجه بذلك اتهاما للإمارات بأنها تحرض على الردة على الدين وهدم الإسلام، ما يضرب صورتها التي تسعى لتقديمها لنفسها أمام العالم حاليا كزعيمة للعالم العربي بدل مصر والعالم الإسلامي وبدل السعودية.

فتوى قديمة

جاء نص الفتوى السعودية التي نُشرت على المواقع الإلكترونية يوم 27 فبراير 2023 نقلا عن موقع مجلس الإفتاء السعودي حول الدعوة لوحدة الأديان، تحت رقم (19402) وهي قديمة وتعود إلى عام 1997.

حيث صدرت عن إدارة البحوث العلمية والإفتاء (الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء) السعودية بتوقيع الرئيس العام ومفتي عام المملكة السابق الشيخ عبد العزيز بن عبد بن باز (توفي 14 مايو 1999).

في حين أن رئيس الهيئة الحالي هو عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ منذ عام 2003.

صراع على الإسلام العلماني

لكن إعادة نشر الفتوى على نطاق واسع عبر الحسابات السعودية خصوصا، والعربية عموما، أثار تساؤلات حول سبب استحضارها الأن، وهل للأمر علاقة بالخلاف السعودي الإماراتي؟ ولكن حول الرئاسة الدينية الإسلامية في ظل استشعار المملكة منافسة الإمارات لدورها الديني كمقر للحرمين الشريفين.

مراقبون اعتبروا الخناقة السعودية الإماراتية الجديدة حول "الدين الإبراهيمي" و"البيت الإبراهيمي" صراع بين الإمارات والسعودية حول قيادة العالم الإسلامي، ومن يقدم التفسيرات العصرية للإسلام.

أشاروا إلى سعي كلا النظامين الحاليين في المملكة وأبو ظبي لنيل رضاء الغرب كي يكون هو النظام المعتمد لدى الغرب لزعامة ما يسميه الغرب الإسلام المعتدل، والذي يقصد به إسلام شعائر بلا شريعة.

حيث تسعى الإمارات للعب دور ديني مزدوج يقوم على تقديم ما يمكن تسميته "الاسلامي الأمريكي" الذي سبق أن دعا له "مركز راند " الأمريكي للأبحاث عام 2007 تحت اسم "بناء شبكات إسلامية معتدلة".

فكرة الشبكات الإسلامية تقوم على تشجيع مظاهر التدين وليس جوهره أو شريعته، والسعي بالمقابل لإظهار ما يسمى "الإسلام السياسي" أو التيارات التي تتمسك بالشريعة على أنها تيارات عنيفة.

أيضا قال الكاتب الفرنسي جورج مالبرونو في مقال بصحيفة " ليفغاروالفرنسية، فبراير 2019 إنه "ضمن هذا الدور الإماراتي كمركز لما يسمى الإسلام المعتدل تحارب أبو ظبي الإسلاميين خاصة الإسلام السياسي".

وصف محاربة الإسلاميين بأنه أصبح هوسا لدى أبو ظبي، كي لا يعرقلوا دورها.

أوضح هذا أيضا "جيمس دورسي" الكاتب البريطاني الخبير في شئون الشرق الأوسط، في تقرير نشره بموقع Your Middle East 11 فبراير 2015، أكد فيه أن الإمارات تروج عالميا لـعلامتها التجارية من الاستبداد، بوصم الإسلام السياسي بأنه عنيف ويجب حظره لإخلاء الطريق لنفسها.

قال إن "الإمارات تسعى عبر شبكة تدعمها لتوسيع وبسط نفوذها الإقليمي عبر القوة الناعمة كقوة إسلامية معتدلة، وتحقيق القبول العالمي بتعريفها الاستبدادي للإرهاب الذي تقصد به الإسلام السياسي".

وفي سياق المحاولات الإماراتية لتدجين القادة الدينيين وربطهم بالحكومات، وإنشاء ما يسمى المسلم المعتدل، الذي يرتبط بالطقوس والعادات الدينية دون جوهر وقواعد الشريعة الإسلامية، أنشأت مجلس حكماء المسلمين.

ويلخص الكاتب البريطاني والخبير بشؤون الشرق الأوسط ديفيد هيرست، في مقال بموقع " ميدل إيست إي" قصة النشاط الإماراتي في استضافة مؤتمرات إسلامية ومسيحية بقوله إن "الهدف هو توظيف الإسلام لصالحهم".

أوضح أن ما يخشاه حكام الإمارات هو ما يطلق عليه اسم الديمقراطية، والربيع العربي ويتدخلون بقوة في العالم العربي ضد الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية لإفشالها في الانتخابات أو دعم الانقلابات ضدها.