العنصرية الألمانية على هامش مقتل 8 من (شهود يهوه) في إطلاق نار بهامبورج

- ‎فيتقارير

كشفت السلطات في مدينة هامبورج الألمانية السبت 10 مارس 2023م عن هوية المشتبه به بتنفيذ إطلاق النار خلال فعالية لـجماعة "شهود يهوه"، أدى إلى مقتل 8 وإصابة نحو 8 آخرين مساء الخميس 8 مارس 2023م. وقالت إن الجاني كان عضوا سابقا في الجماعة. العجيب في بيان السلطات الألمانية أنها أشارت إلى عدم وجود ما وصفتها   بـ "مؤشرات" على وجود دافع "ارهابي"، رغن أن الجريمة إرهابية بامتياز؛ الأمر الذي يكشف عنصرية السلطات الألمانية وازدواجية المعايير لديها حسب منفذ الجريمة وليس حسب توصيف الجريمة ذاتها؛ فإذا كان الجاني مسلما أعتبر الحادث إرهابيا، وإذا كان نصرانيا أوروبيا فإن الحادث ليس إرهابيا؛ في محاولات لتكريس حصر الإرهاب في المسلمين دون غيرهم!!

وبحسب بيانات الشرطة، لم يكن المشتبه به معروفا لديها بأنه متطرف. ويقال إنه تقدم بطلب للحصول على رخصة سلاح في الماضي. وأعلنت السلطات الألمانية الجمعة أن المسلح المشتبه في تنفيذه إطلاق النار هو ألماني يبلغ من العمر 35 عاما، ويدعى فيليب إف. وكان عضوا سابقا في طائفة "شهود يهوه". وترك فيليب إف. الطائفة طواعية قبل عام ونصف، ولكن من الواضح أنه لم يكن على علاقة طيبة معها، حسب السلطات. وأعرب العديد من الساسة على المستوى المحلي والدولي عن صدمتهم إزاء الحادث، من بينهم الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير والمستشار الألماني أولاف شولتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وصنف وزير الداخلية المحلي بولاية هامبورج الألمانية، آندي غروته، حادث إطلاق النار الذي وقع في مبنى تابع لطائفة "شهود يهوه" في مدينة هامبورج الخميس بأنه "إطلاق نار عشوائي". وقال غروته في مؤتمر صحفي الجمعة (العاشر من مارس 2023) إن قوات الأمن حالت، على ما يبدو، دون مقتل المزيد من الأفراد، وأضاف: "من المرجح للغاية أننا مدينون للتدخل السريع والحاسم للغاية من جانب قوات الشرطة بعدم سقوط المزيد من الضحايا". وبحسب بيانات غروته، أدى إطلاق النار إلى مقتل ثمانية أفراد وإصابة مثلهم. ووفقا لبيانات الشرطة، فإن من بين القتلى الجاني المفترض، وجنين. وقال غروته: "لم نر من قبل إطلاق نار عشوائيا بهذا الحجم. هذه اسوأ جريمة في تاريخ مدينتنا الحديث".

وفي بيان، أعربت جمعية شهود يهوه في ألمانيا "عن أسفها العميق إزاء الهجوم المروّع على أعضائها في قاعة كينغدوم في هامبورغ بعد إقامة شعائر دينية". ويُعتقد أن أعضاء شهود يهوه كانوا يتدارسون الكتاب المقدس عندما بدأ إطلاق النار. وشهود يهوه ــ حسب موقع دويتشه فيله الألماني ـ  طائفة مسيحية لها تفسيرها الخاص للكتاب المقدس. ويعتقد أتباع الطائفة أن تدمير العالم الحالي وشيك وأنه سيتم إنقاذهم بصفتهم طائفة مختارة. وتعتبر الطائفة المسيحية الألمانية، التي تضم ما يقرب من 200 ألف عضو، من أكبر الطوائف في أوروبا.

في عام 2005، قضت المحكمة الإدارية العليا في برلين بمنح منظمة شهود يهوه الدينية وضع وحقوق الطائفة الدينية المعترف بها رسميا من قبل الدولة الألمانية. وبمقتضي هذا الحكم، حصلت شهود يهوه -كطائفة دينية معترف بها وخاضعة لقانون الحق العام- على سلسلة من الحقوق القانونية، مثل جمع الدولة الضرائب لصالح الطائفة ومنحها مزايا وإعفاءات ضريبية واسعة وتمويل الخزانة العامة الألمانية لتأسيس دور العبادة الخاصة بها، إضافة لمنحها مقابر خاصة لدفن موتاها.

هذا الحكم لم يرق للكنيسة البروتستانتية الألمانية التي انتقدت بقوة اعتراف المحكمة الإدارية العليا في برلين بشهود يهوه كطائفة دينية رسمية، واعتبرت أن الاتهامات الموجهة للمنظمة بممارسة ضغوط وتهديدات على الأعضاء الراغبين في الانفصال عنها هي اتهامات حقيقية لم تؤخذ من قضاة المحكمة بجدية كافية.

في المقابل، رفضت المحكمة الروسية العليا صيف 2017 الاستئناف الذي تقدمت به "شهود يهوه" لوقف الحظر الصادر بحقها في روسيا، بعد اعتبارها منظمة "متطرفة". وحظرت المحكمة العليا أواخر أبريل 2017 نشاط الجماعة في روسيا بناء على طلب قدمته وزارة العدل التي اعتبرت أن لهذه الحركة "بوادر نشاطات متطرفة". وأدى قرار الحظر إلى وقف نشاط 395 مجموعة محلية لشهود يهوه على الأراضي الروسية ومصادرة أملاكها. وتقول الجماعة إن لها في روسيا 175 ألف عضو.

 

من هم "شهود يهوه"؟

هي حركة دينية غامضة ضع نفسها بين اليهودية والمسيحية، تدعم الحركة الصهيونية وتبشر بحكم اليهود لأرض فلسطين. تزعم أن لديها أعضاء يفوق عددهم الثمانية ملايين وينتشرون في مختلف بقاع الأرض، وهي تتخذ من العمل الإنساني غطاء لأنشطتها ولاستقطاب أعضاء و"خدم" جدد.

تأسست الحركة في الولايات المتحدة الأمريكية سنة  1874م، على يد تشارلز راسل، وهي حركة يصفها باحثون بأنها صهيونية ترتدي ثياب المسيحية. ووالدليل على ذلك أن الحركة اختارت لنفسها اسم (شهود يهوه) وهو إله اليهود كما ورد في سفر الخروج بالعهد  القديم. تتبنى هذه الجماعة -التي يوجد مقرها الرئيسي في حي بروكلين بنيويورك الأميركية- الشمعدان السباعي رمزا لها، وهو رمز الإسرائيليين الوطني.

يؤكد شهود يهوه أنهم يؤمنون بالإله "يهوه"، وبالكتاب المقدس الذي يعتقدون أنه رسالة للبشر، وبأن عيسى عليه الصلاة والسلام هو "ابن الله ورئيس مملكة الإله". وبحسب موقعهم الإلكتروني فيهوه هو "إله إبراهيم وموسى ويسوع"، والكتاب المقدس "هو رسالة إلى البشر موحى بها من الله"، وهم يؤسسون معتقداتهم "على كامل أسفاره التي يبلغ عددها 66 وتشمل العهد القديم والعهد الجديد". وبينما تقبل هذه الجماعة كل ما هو مدون في الكتاب المقدس، فإنها لا تتمسك بحرفيته معللة موقفها بالقول "نحن ندرك أن أجزاء منه مكتوبة بلغة رمزية".

وتتضارب التفسيرات بشأن اعتقاد أتباع الجماعة بخصوص التثليث (عقيدة الثالوث)، فرغم أنهم يرون أن المسيح هو المخلص و"ابن الله"، فهم يقولون إنهم يختلفون عن باقي الطوائف المسيحية إذ لا يؤمنون بعقيدة التثليث ويرون أنها "ليست مؤسسة على الأسفار المقدسة". ويؤمن شهود يهوه أيضا بأن "مملكة الله" ستسيطر على الأرض وتسقط الحكومات، إذ إن الحكومة الحقيقية في السماء وستحل محل الحكومات البشرية، "وسيحدث هذا قريبا" بحسب نبوءات الكتاب المقدس. وبهذه الطريقة يستغلون العقول والقلوب للتمهيد لقبول الدولة اليهودية الكبرى، ويؤكدون أن من سيقيم تلك الدولة هو السيد المسيح الذي سيحرر -بحسب معتقدهم- كل حكومات الأرض؛ ولذلك فهم يرون أن الحكم سيكون بهيكل سليمان الذي يجب بناؤه لكي يحكم اليهود العالم.

 

دور "شهود يهوه" في دعم الصهيونية

ولطالما انتصر شهود يهوه للحركة الصهيونية العالمية ودعموها، وكانت مجلتهم الرئيسية التي صدرت عام 1879 تحمل عنوان "Zion’s watch tower"، ثم تم لاحقا حذف كلمة "صهيون" (Zion) من العنوان حرصا منهم على إخفاء حقيقة نواياهم. ويرى منتقدوهم أنهم يتعاملون بانتقائية كبيرة مع الكتاب المقدس، إذ لا يختارون سوى المقاطع التي تدعم وجهات نظرهم وتحبب الناس إليهم، خاصة من الطوائف المسيحية.

كذلك فإنهم لا يؤمنون بالحساب يوم القيامة، ويعتقدون أن الأخوّة الإنسانية مقتصرة عليهم، ويعادون الأديان باستثناء اليهودية على عكس ما يقولون في أدبياتهم، ويؤكد باحثون أن جميع رؤسائهم من اليهود. والملفت أيضا أنهم يشددون على أنهم لا يؤمنون بالصليب، على الرغم من أنه من أركان العقيدة المسيحية التي تؤمن بأن المسيح خلّص المسيحيين من خطاياهم بعدما "قدّم الرب ابنه فداء لخطايا الناس".

ولدى شهود يهوه محفل سنوي يستمر عادة ثلاثة أيام، يحضره الآلاف من الأعضاء والمتعاطفين. وفي 2017 حمل المحفل السنوي شعار "لا تستسلموا". وتحرص المنظمة على استعراض قوتها الجماهيرية حيث تعقد المحفل السنوي في الغالب داخل ملاعب لاحتضان آلاف الحاضرين. ويعقد الأعضاء اجتماعين "للعبادة" كل أسبوع، يتم خلالهما دراسة مقاطع من الكتاب المقدس إلى جانب مناقشات عامة، وهي تستقطب الأعضاء ليحضروا تلك الاجتماعات مجانا.

ومثل المنظمات الماسونية، تعتمد شهود يهوه على مجالات الإغاثة الإنسانية لتلميع صورتها واستقطاب أعضاء وخدم داخل الدول العربية والإسلامية تحديدا، كما أن لها مدارس وصحفا ودور نشر خاصة بها، وهي تصدر آلاف الكتب والمنشورات التي توزعها مجانا. وفي سبيل تحقيق أهدافها، لديها تعاون وثيق مع المنظمات التي تعمل لصالح الصهيونية العالمية علنا وخفية.