تشهد أروقة سلطة الانقلاب حالة ارتباك واسع بشأن كل الملفات السياسية والاقتصادية، وصدقت التوقعات التي تنبأنا بها في منتصف العام الماضي (2022)، بشأن دعوة زعيم الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لما يسمى بالحوار الوطني؛ فقد توقعنا أن يكون الحوار، حال إجرائه، شكليا فارغا من أي معنى حقيقي يمكن أن يسهم في إنقاد البلاد من الانهيار الحالي الذي تسبب فيه النظام بتبنيه سياسيات كارثية تقوم على الاستبداد في السياسة والعشوائية في الاقتصاد.
البداية كانت في استبعاد الإسلاميين بوصفهم مواطنين درجة ثانية لا حقوق لهم ولا مكان لهم سوى في القبور أو السجون، الأمر الذي يعني أن النظام لا يستبعد الإسلاميين بقدر ما يستبعد أي معنى حقيقي للعدالة وحكم القانون؛ ولذلك كانت توقعاتنا بفشل هذه الدعوة في مهدها وأنها لا تساوي الحبر الذي كتبت به ولا الوقت الذي خصص لها في وسائل الإعلام المختلفة.
وحسب نجاد البرعي عضو مجلس أمنا ما يسمى بالحوار الوطني فإن الكرة الآن في ملعب السطلة والقوى المحسوبة على المعارضة (العلمانية) ممثلة في الحركة المدنية، بعدما أنجز مجلسه "مهمته في الإعداد والتحضير للحوار، وأنهى كل الترتيبات، وذلك قبل انعقاد مؤتمر قمة المناخ العالمية في شرم الشيخ في نوفمبر الماضي 2022م". وحسب تصريحات البرعي: "لم يعد لدينا ما نفعله، ولم يعد لدينا جديد نقدمه، وعلى أطراف الحوار أن تقرر ما إذا كانت تريد الحوار أم لا".
أرقام صادمة
ويبدو أن حالة الارتباك الظاهرة في دوائر النظام المسؤولة عن "الحوار الوطني"، هي نفسها التي تعاني منها "الحركة المدنية"، التي أصبحت في موقف حرج، بعد تجاهل السلطات المصرية معظم المطالب التي نادت بها الحركة في بيانهـا الأول الصادر بتاريخ 8 مايو 2022، من أجل الانخراط في "الحوار الوطني"، وعلى رأسها الإفراج عن المعتقلين السياسيين.
ورصد مركز "شفافية للأبحاث والتوثيق"، في 12 فبراير الماضي، 4546 حالة تدوير لمعتقلين سياسيين مصريين من قضية لأخرى، لاستمرار حبسهم احتياطياً أكثر من عامين، خلال الفترة من 2016 وحتى 2023. ووثّق المركز البحثي ومقره القاهرة، خلال الفترة من يناير 2016 وحتى 1 يناير 2023، تعرض 2914 ضحية لتلك الممارسة بإجمالي 4546 واقعة تدوير.
النظام غير جاد
ويرى الأستاذ في العلوم السياسية خليل العناني أن النظام غير جاد في دعوته للحوار، وأنه لا يمكن أخذ مسألة الحوار الوطني في مصر على محمل الجد لعدة أسباب، أولها وأهمها أن الأنظمة الديكتاتورية الفردية لا تؤمن بالحوار ولا تسعى إليه إلا فقط من أجل تحسين صورتها، خصوصاً خارجياً. وفي الحالة المصرية إن النظام الحالي لا يأخذ المعارضة بجدية كي يتحاور معها، بل على العكس يحتقرها ويراها عبئاً على الدولة والمجتمع ويحمّلها مسؤولية ما حدث خلال العقد الماضي، تحديداً منذ ثورة 25 يناير2011".
والسبب الثاني حسب العناني في تصريحات صحفية أن الحوار لا يتم بشكل محايد أو نزيه، لأنه يجري تحت إشراف كامل من النظام وأجهزته الأمنية والاستخباراتية، وهذا بشهادة بعض مؤيدي النظام، مثل البرلماني السابق محمد أنور السادات، الذي اتهم الأجهزة الأمنية بالإشراف على الحوار الوطني. وبالتالي فإن الحوار غير متكافئ سواء في التمثيل أو الأجندة.
السبب الثالث حسب العناني هو إقصاء الكثير من الحركات والتيارات من هذا الحوار، وتحديداً الحركات المحسوبة على ثورة يناير مثل (6 إبريل)، و(الاشتراكيين الثوريين)، وطبعاً (الإخوان المسلمين)، و(مصر القوية)، وغيرها من القوى والأحزاب. وبالتالي فهو حوار انتقائي على قياس السلطة وهواها".
السبب الرابع يتعلق بأجندة الحوار حيث يتم تحديدها من أعلى، أي من النظام وليس من الأطراف المشاركة بالحوار، ولذلك فهناك العديد من الخطوط الحمراء التي لا يجرؤ أحد من المشاركين في الحوار على طرحها، مثل نزاهة الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وقضية سد النهضة، ومسألة تيران وصنافير، والقروض والديون الخارجية، ومسألة الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان، وغيرها". وينتهي العناني إلى أن "الحوار ليس حواراً بالمعنى الحقيقي، بل مسرحية هزلية ومجرد رتوش لتجميل الوجه القبيح للنظام وشراء للوقت، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمر بها النظام، وبالتالي تصبح المشاركة فيه بمثابة انتحار سياسي واعتراف بشرعية نظام يعرف الجميع، بمن فيهم المشاركون في الحوار، أن مصيره السقوط والزوال، آجلاً أو عاجلاً".