عندما أعلن الناشط السياسي المهندس ممدوح حمزة في تدوينة له يوم 12 ديسمبر 2022م، ندمه على المشاركة في 30 يونيو، أثنت بوابة "الحرية والعدالة" على هذه الخطوة في تقرير منشور تحت عنوان: (ليت كل العلمانيين مثله.. دلالة اعتذار ممدوح حمزة عن المشاركة في انقلاب 30 يونيو).
وقالت إن الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه وطلب المغفرة من الله هو من شيم الكبار؛ والتوبة إلى الله عن خطأ ارتكبه الإنسان هو سلوك الأنقياء؛ فكل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يحق لأحد أن يتأله على الله ويجعل من نفسه قيما على الدين يدخل فيه من يشاء ويطرد من يشاء، ويمنح البركة لمن يشاء ويحرمها عمن يشاء؛ فليس في الإسلام كهنوت؛ وباب التوبة مفتوح للجميع، وإذا كان الله يقبل توبة الكافر أفلا يقبل توبة غيره والكفر هو أكبر الكبائر كما نعلم؟!
لكن "حمزة" عاد ونفى ندمه عن المشاركة في 30 يونيو مؤكدا اعتزازه بهذه المشاركة، وغير كلامه بعد 24 ساعة فقط، وقال إنه ليس نادمًا على المشاركة في (30 يونيو)، وإنما على نتائجها وتبعاتها، بل أنه فخور بها وسيقابل بها الله راضيًا. وحسب الكاتب الصحفي وائل قنديل فإن "هذا الانتقال السريع من الموقف إلى عكسه أمر يخصّ العائدين إلى حضن دولة الإخلاص والمخلصين، وهو حقهم، لكن ليس من العدل أن يتصوّر بعضهم أن هذه النقلات الهادرة تستحق الاحتفاء والترحيب والتصفيق، أو اعتمادها مقدّمة لانفراجة في الحريات السياسية". في إشارة منه إلى عودة حمزة إلى القاهرة وارتمائه من جديد في حضن السلطة الانقلابية الغشومة.
لا مصادرة لحق حمزة في هذه التقلب والتلون، هذا حقه وفقا لحرية الإرادة التي منحها الله لكل إنسان، لأنه هو وحده المسئول عن سلوكه وأعماله ونياته أمام الله تعالى يوم الحساب. لكن الرسالة الملغومة في عودة ممدوح حمزة أنها ترفع منسوب الشك وعدم الثقة في رموز وقيادات التيار العلماني؛ فالإسلاميون تلقوا طعنة غادة من العلمانيين إبان الثورة وحكم الرئيس مرسي؛ فقد كانوا الأداة التي وظفتها الدولة العميقة للانقلاب على ثورة يناير والمسار الديمقراطي، ورضوا لأنفسهم أن يقوموا بهذا الدور القدر. وحرضوا الجيش على الانقلاب والشعب على الفوضى، وباركوا الانقلاب، ثم باركوا المذابح التي تلته، ولا يزال معظمهم حتى اليوم رهن إشارة النظام دون خجل أو كسوف أو حتى خشية من حساب الله يوم القيامة. وعودة حمزة تجبر المرء لاحقا على التريث بشأن تحولات الأفراد؛ لأنه في الوقت الذي كان حمزة يبدي ندمه على المشاركة في 30 يونيو كان يعلم أن هناك من يتوسطون له عند السلطة من أجل العودة؛ وعاد بالفعل مرحبا به من السلطة؛ فهل لا يزال ندما على نتائج المشاركة في 30 يونيو أم أن الصمت والتحول إلى شيطان أخرس هو ثمن العودة المشروطة؟!
التجربة خلال السنوات العشر الماضية مؤلمة، ولم تكن القوى العلمانية في مرحلة الثورة والانقلاب شيئا واحدا، وإن كانت الكتلة الأكبر من هذا التيار أظهرت عداء متأصلا وجذريا مع الإخوان وكل ما هو إسلامي، وقد رصد الكاتب الكبير فهمي هويدي هذه النزعة الاستئصالية من جانب غلاة العلمانيين مبكرا جدا في أعقاب الإطاحة بمبارك مباشرة؛ يقول هويدي في مقاله "لسن جاهزين للوفاق، والمنشور على جريدة الشروق بتاريخ 18 أكتوبر 2012: «لا أبالغ إذا قلت إن جذور الموقف الإقصائى ظهرت فى الأفق إبان الفترة التى شكلت فيها لجنة تعديل الدستور فى شهر فبراير من العام الماضى، ذلك أن اللجنة هوجمت بشدة واتهمت بتحيزها للإخوان لمجرد أن فردا واحدا من الجماعة ضم إليها باقتراح من وزير العدل، فى حين أن بقية أعضاء اللجنة السبعة وهم من كبار رجال القانون وفقهائه ليسوا من أعضاء الجماعة. لكن الواحد المذكور ــ الأستاذ صبحى الصالح ــ اعتبر دليلا على «أخونة» اللجنة. وليس ذلك أغرب ما فى الأمر، لان الأغرب أن الوزارة التى كانت مشكلة آنذاك ضمت ثلاثة من الوفديين وواحدا من حزب التجمع، كما أن نائب رئيس الوزراء كان عضوا بارزا فى الحزب الديمقراطى الاجتماعى، ومع ذلك فان أحدا لم يتحدث عن تسييس تشكيل الحكومة. وبدا الأمر مسكونا بمفارقة غير بريئة. فالعضو الواحد فى اللجنة لوثها وأثار حولها الشكوك. لكن وجود الحزبيين الخمسة فى الوزارة لم يضفوا أى لون لها. ولا تفسير لذلك سوى ان النخبة عالية الصوت فى مصر اعتبرت ان وجود العضو الإخوانى خطأ جسيما وشذوذا ما كان للنظام الجديد أن يتورط فيه.
كان هذا الموقف في الأيام الأولى بعد ثورة يناير، وهو يؤكد أن معظم العلمانيين في مصر استئصاليون لا يفهمون معنى التعايش أو المشاركة أو بمعنى أدق هم على استعداد للتعايش مع أي طيف أو تيار باستثناء الإسلاميين؛ ما يعكس حالة العداء للفكرة الإسلامية التي يؤمن بها الإسلاميون ويدعون إليها على الدوام. وهو ما برهنت عليه التجربة لاحقا وأكدته بلا جدال. وقد حلل ذلك الدكتور طارق البشري في بعض مقالاته وكتاباته، مؤكدا أن بمصر تيارا علمانيا متطرفا لا هم له سوى العداء للإسلام وإبعاده عن مناطق التأثير في الدولة والمجتمع.
خلاصة تجربة السنوات الماضية تؤكد أن معظم العلمانيين مارسوا التحريض السافر ضد كل المؤسسات المنتخبة من الشعب في أعقاب ثورة يناير وإبداء الفرحة العارمة والشماتة في حلها من جانب الدولة العميقة في القضاء؛ حدث ذلك مع حل اللجنة التأسيسية الأولى في 10 إبريل، بدعوى غلبة الإسلاميين على تشكيلها، ثم في حكم الدستورية بحل البرلمان في 14 يونيو 2012، رغم أنه البرلمان الوحيد المنتخب بنزاهة منذ سنة 1950م، ثم الانسحاب من التأسيسية الثانية في نوفمبر ، ثم تشويه الدستور المستفتى عليه من الشعب، ثم المشاركة بكل قوة في انقلاب 03 يوليو، وتجميد العمل بالدستور وحل مجلس الشوري. فلم يعرف للعلمانيين موقف شريف يدافع عن المؤسسات المنتخبة. في مقابل ذلك نراهم حرضوا على الانقلاب على المسار الديمقراطي، وباركوا المذابح الدموية التي تلته، ثم باركوا تكوين تأسيسية بالتعيين بعد 3 يوليو، وباركوا دستور 2014 رغم عدم مشاركة الإسلاميين فيه لا في إعداده ولا التصويت عليه باستثناء عدد محدود من حزب النور الذي أيد الانقلاب والمحسوب على السلطة لا الإسلاميين. وتلك مشكلة كبرى لأنه مصر تم تجريفها ومع سقوط نظام السيسي وهو سقوط حتمي لن يكون بمصر سوى الإسلاميون لأن التيار العلماني فقد مقومات وجوده على الأرض منذ سنوات طويلة، عندما تخلى عن القيم الأصيلة وراح يجري وراء الصفقات والفتات الذي يتساقط من موائد الجنرالات.