بعد سد النهضة.. تلوث قاع النيل يهدد حياة 60 مليون مصري في الدلتا

- ‎فيتقارير

المصائب لا تأتي فرادى، وكأن المصريين باتوا على موعد لا ينتهي مع الأزمات والكوارث التي تتوالى عليهم في ظل حكم السيسي وعساكره العاجزين عن الدفاع عن حقوق مصر المائية، رغم تكدس مخازنهم بأحدث الأسلحة التي دفع فيها الشعب مليارات الدولارات، وكان مصيرها الصدأ وتضخم جيوب وحسابات القادة العسكريين من عمولات السلاح.

ففي ظل إهمال إثيوبيا حتى مجرد الرد على المطالب المصرية بالتوصل لاتفاق قانوني ينظم عمليات ملء سد النهضة وتشغيله، قبل الملء الرابع  الذي بات على الأبواب وخلال أيام قلائل، بما يخصم من حصة مصر المائية نحو 35 مليار متر مكعب سنويا، ما يضرب ملايين المصريين بالجفاف والتصحر ونقص الغذاء وارتفاع تكاليف المعيشة وهجرة نحو 40 مليون مصري من مصر، كشفت دراسة أمريكية حديثة عن إصابة مجرى نهر النيل في مصر بالتلوث ما يهدد حياة المصريين.

إذ بات التلوث بالمعادن الثقيلة الواسع النطاق وتآكل السواحل وتسرب مياه البحر يشكل  تهديدا وجوديا لدلتا نهر النيل ويعرض 60 مليون شخص في مصر للخطر.

ووفقا لبحث جديد من كلية فيتربي للهندسة بجامعة جنوب كاليفورنيا، قادة العالم المصري المعروف عصام حجي من مركز الأبحاث Viterbi Innovation Fund Arid Climates and Water Research Center، ونُشر في 7 مارس الجاري،  في مجلة Earth’s Future فإن تأثير التلوث يتضح بشكل خاص في مصر، الدولة الأكثر اكتظاظا بالسكان والأكثر جفافا في اتجاه مجرى النيل، والتي تعتمد كليا على النهر كمصدر وحيد لمياه الشرب وري المحاصيل.

وتواجه مصر حاليا واحدة من أعلى حالات العجز في ميزانية المياه في إفريقيا بعد عقود من التعويض عن إمدادات المياه المتضائلة من خلال إعادة استخدام مكثفة واسعة النطاق لمياه الصرف الصحي، والتي لم تتم دراسة عواقبها حتى الآن.

وقال حجي “لديك تقريبا مجموع سكان كاليفورنيا وفلوريدا يعيشون في مساحة بحجم ولاية نيوجيرسي، تتلوث بشكل متزايد بالمعادن الثقيلة السامة، واليوم، يجب أن تواجه الحضارة التي ازدهرت في مشهد مائي خلاب لأكثر من 7000 عام واقع هذا التدهور البيئي الواسع النطاق الذي لا رجعة فيه”.

 

نتائج كارثية

وفي البحث الجديد، قام باحثون من الولايات المتحدة ومصر بتحليل حجم الحبوب ومستويات التلوث لثمانية معادن ثقيلة في عينات من رواسب القاع تم جمعها من فرعين من فرعي دلتا نهر النيل، وتضمنت النتائج الرئيسية ما يلي:

– تلوث الرواسب في قاع نهر النيل بشدة بالمعادن الثقيلة مثل الكادميوم والنيكل والكروم والنحاس والرصاص والزنك.

 

– تأتي الملوثات بشكل أساسي من الصرف الزراعي غير المعالج ومياه الصرف الصحي البلدية والصناعية، ومن دون معالجة مناسبة للمياه المعاد تدويرها، تزداد تركيزات المعادن الثقيلة وتندمج بشكل دائم في قاع النهر على عكس الملوثات العضوية التي تتحلل بشكل طبيعي بمرور الوقت.

 

– يمكن أن تتفاقم تركيزات المعادن الثقيلة بسبب زيادة بناء السدود على نهر النيل، وتعمل السدود الضخمة التي تم بناؤها عند المنبع على تعطيل التدفق الطبيعي للنهر وتدفق الرواسب، وبالتالي تؤثر سلبا على قدرته على طرد الملوثات إلى البحر الأبيض المتوسط، ما يترك السموم تتراكم في رواسب القاع بمرور الوقت.

 

وقال الباحثون إن "الكثير من التلوث بالمعادن الثقيلة لا رجعة فيه، لكن تدابير الحفظ المستندة إلى العلم التي اقترحها البحث يمكن أن تقلل التدهور البيئي ونأمل في استعادة النظام البيئي لدلتا نهر النيل".

 

وأوضح أبو طالب زكي أبو طالب، باحث ما بعد الدكتوراه في كلية فيتربي للهندسة والمؤلف المشارك للدراسة “لقد وضع الإجهاد المائي المتفاقم والنمو السكاني السريع في مصر، الذي وصل إلى أكثر من 100 مليون نسمة، السلطات المحلية في معضلة سواء لتوفير مياه عذبة كافية للقطاع الزراعي المتعطش لتأمين الإمدادات الغذائية من خلال إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي غير المعالجة أو الحفاظ على صحة نهر النيل، إحلال التوازن صعب، ونتائج كلا الخيارين قابلة للقياس”.

 

وقال حجي “تؤكد دراستنا الحاجة إلى مزيد من البحث حول الآثار البيئية لإعادة تدوير المياه غير المعالجة والتغير في عكورة النهر في ظل زيادة سد المنبع على نهر النيل”.

 

جريمة السيسي في سد النهضة

ومؤخرا، تصاعدت حدة التصريحات الرسمية بين مصر وإثيوبيا، بشأن قضية سد النهضة، واحتوت كلمة وزير الخارجية سامح شكري، في الجامعة العربية، على تحذيرات من مخاطر جمة على مصر والسودان نتيجة السد، ومطالبته الدول العربية بدعم القاهرة والخرطوم في القضية.

فيما أكد أستاذ هندسة السدود في جامعة "INTI-IU" في ماليزيا محمد حافظ  أن "الصور المتاحة من موقع السد توضح مدى تقدم الجانب الإثيوبي في صب خرسانة بمعدلات كبيرة بجميع أجزاء سد النهضة، سواء الكتلة الشرقية أو الغربية، اللتان وصلتا اليوم إلى قرابة منسوب 625 متراً فوق سطح البحر".

ويشير إلى أن "هذا الأمر يعني ضمنيا قدرة إثيوبيا على تخزين قرابة 27 مليار متر مكعب، بحيث يصل إجمالي التخزين إلى قرابة 49 مليار متر مكعب، وهذا هو ما تم الاتفاق عليه خلال اجتماع الدول الثلاث مع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في فبراير 2020، حيث وقع وزير الري المصري محمد عبد العاطي، بشكل منفرد، على جدول ملء سد النهضة، والذي سمح فيه لإثيوبيا بالوصول إلى مخزون يعادل 49.3 مليار متر مكعب مع نهاية الملء الرابع".

ويقول حافظ، في تصريحات إعلامية، إنه "على الرغم من رفض إثيوبيا التوقيع على هذا الجدول، ومغادرة جلسة المفاوضات بالبيت الأبيض، إلا أنها من حيث المبدأ تلتزم بالكميات المذكورة في الجدول، وسوف تصل بمخزون بحيرة سد النهضة خلال الملء الرابع إلى قرابة 49 مليار متر مكعب، وعليه، فإن ادعاء الدولة المصرية بأن إثيوبيا تنفذ الملء الرابع من دون إذن مسبق ادعاء غير صحيح، والدليل على ذلك توقيع وزير الري السابق على جدول الملء أمام الرئيس الأميركي السابق".

وبناء على كميات المياه المتوقع تخزينها من قبل إثيوبيا، يقول حافظ إن "إثيوبيا ستقوم خلال صيف 2023 بتخزين 27 مليار متر مكعب، تضاف إليها قرابة 3 مليارات متر مكعب تهدر في فواقد البحيرة. وعليه، يمكن القول، بكل ثقة، إنه في حالة ما إذا كان فيضان عام 2023 فيضاناً متوسطاً، ففي هذه الحالة لن يصل إلى بحيرة ناصر خلال أشهر الصيف نقطة مياه واحدة، ولكن سيصل إليها فيما بعد، في سبتمبر المقبل، قرابة 14 مليار متر مكعب من النيل الأزرق".