بعيدا عن البروباجندا التي يفتعلها نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي حول العمل الخيري في مصر، فإن الأرقام المحايدة تؤكد أن النشاط الخيري في مصر شهد تراجعا مضطردا خلال سنوات ما بعد الانقلاب العسكري في منتصف 2013م؛ فقد سجلت الأسواق معدلات تراجع ملحوظ في الإقبال على تجهيز "شنطة رمضان"، والتي يتم توزيعها قبيل شهر رمضان كل عام على الفقراء، والتي تحتوي على أرز وسكر وزيت وفول ولوبيا وفاصوليا وشاي وملح وصلصة ومكرونة وتمر وأحياناً لحوم، بنسب تراوحت ما بين 50 إلى 100 في المائة، نتيجة ارتفاع الأسعار بنسب تخطت 200 في المائة.
وتنقل صحيفة "العربي الجديد" اللندنية عن تاجر مواد غذائية يدعى وسيم الصعيدي قوله إن معدلات تجهيز " شنط رمضان" هذا الموسم تراجعت بنحو 90 في المائة، نتيجة ارتفاع أسعار السلع بنسب تخطت 200 في المائة، فارتفع سعر كيلو السكر من 8 إلى 20 جنيهًا والأرز من 7 إلى 25 جنيهًا، والفول من 14 إلى 30 جنيهًا والفاصوليا من 15 إلى 50 جنيهًا والزيت من 17 إلى 50 جنيهًا. ويتفق معه تاجر آخر مؤكدا أنه نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسب تخطت 100 في المائة تراجع الإقبال على تجهيز "شنط رمضان" بشكل ملموس هذا العام، مؤكداً أنه حتى الآن لم يطلب منه تجهيز "شنطة واحدة"، بالرغم من أنه في سنوات سابقة كان يُجهز أكثر من 1500 شنطة قبيل رمضان!
هذه الأرقام مأخوذة من أفواه التجار والمواطنين وليست كأرقام الحكومة التي يتم طبخها وتستيفها حتى تبيض صورة الأوضاع المتدهورة بشدة. معنى هذا أن الفعالية التي نظمتها أجهزة الدكتاتور السيسي الجمعة (17 مارس23م) بإستاد القاهرة لإطلاق حملة "كتف بكتف" التي ينفذها ما يسمى بالتحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي الذي تهيمن عليه أجهزة السيسي الأمنية وعلى رأسها الأمن الوطني، إنها يستهدف النظام بها التغطية على هذه الأوضاع المنهارة، وأن محاولات النظام سد الفجوة التي تسبب فيها الظلم الواقع على الإخوان والحركات الإسلامية إنما باءت بفشل ذريع ولن يستطيع النظام أن يملأ هذا الفراغ الكبير ؛ فقد كانت النشاط الخيري للإخوان والمقربين منهم أكبر من إمكانات النظام لأنه كان عمل مجتمع لا نظام، وكان نشاطا ممتدا إلى جميع المحافظات والمدن والقرى يشارك فيه ملايين الناس الذين يؤمنون بفرضية الزكاة وقيمة التكافل والتخفيف عن الفقراء والمساكين.
غلاء فاحش
حسب تقرير "العربي الجديد" فإن شنطة رمضان التي كانت تتكلف نحو (70 إلى 120 جنيها) أصبحت اليوم بعد الغلاء الفاحش تتكلف نحو (400جنيه)، والشنطة التي كانت تتكلف نحو (350 أو 400 جنيه) باتت تتكلف اليوم نحو (700 إلى 800 جنيه). وحسب الأرقام فقد ارتفعت سعارأسعار جميع السلع والخدمات بنحو 600% عما كانت عليه في منتصف 2013م؛ فقد ارتفع سعر الدقيق من 3 جنيهات إلى نحو 20 جنيها، واللحوم البلدي من 50 للكيلو إلى 250 جنيها، والدجاج من 15 جنيها إلى 100 جنيه، وطبق البيض من 15 جنيها إلى 120 جنيها، والارز من "3" جنيهات إلى 25 جنيها، وعبوة الزيت من 7 جنيهات إلى 75 جنيها، وأنبوبة غاز الطهي من 8 جنيهات إلى 85 جنيها، ولتر البنزين الشعبي من جنيه واحد إلى 9 جنيهات. بخلاف الارتفاع الفاحش في أسعار خدمات الكهرباء والمياه وتعريفة الركوب والهواتف المحمولة واستخراج الوثائق والمستندات الرسمية وغيرها.
تأميم العمل الخيري
وحسب دراسة أعدها الشارع السياسي تحت عنوان (العمل الخيري تحت تأثير الأزمة الاقتصادية)، فإن النظام منذ انقلابه المشئوم يستهدف تأميم العمل الخيري الأهلي لحساب السلطة؛ وتوظيف أنشطة المؤسسات الخيرية التي تقوم على أموال المتبرعين من المصريين لتجميل صورة النظام والتخديم على أجندته السياسية والاقتصادية في ظل فشله الذريع في إدارة كافة قطاعات الدولة وانهيار قيمة الجنيه أمام الدولار وباقي العملات وتواصل موجات الغلاء الفاحش منذ التعويم الأول في 2016م.
وفي أعقاب الانقلاب العسكري أجهزت السلطات العسكرية على العمل الخيري بشن حملة ضارية على آلاف الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي كان يديرها الإخوان المسلمون والتي كانت تغطي شبكة نشاطها ملايين المصريين في كافة المحافظات المصرية. وكانت الخطوة الثانية هي تأسيس صندوق "تحيا مصر"، بقرار جمهوري بقانون رقم 139 لسنة 2014م، حيث يتمتع بالاستقلال المالي والإداري؛ بهدف تكريس وضعه باعتباره قاطرة العمل الخيري في مصر، بما يعني تأميم العمل الخيري وجعله شأنا حكوميا لا مدنيا ويقوم عليه النظام وأجهزته الأمنية وليس المجتمع وقواه الحية الفاعلة. وبالتالي فكان الهدف من الصندوق هو تعزيز قبضة السلطة على حساب إضعاف المجتمع وتهميش دوره حتى يبقى دائما تحت وصاية السلطة والاحتياج الدائم والمستمر لها.
الخطوة الثالثة هي تدشين ما يسمى بـ«التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي» في 13 مارس 2022م، والذي يضم ٢٤ جمعية، ومؤسسة أهلية وكيانًا خدميًا وتنمويًا، منها الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية والذي يضم في عضويته 30 اتحادًا نوعيًا و27 اتحادًا إقليميًا. وإلى جانب الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية يضم التحالف أيضا مؤسسة حياة كريمة ومؤسسة بيت الزكاة والصدقات المصري ومؤسسة الجود الخيرية وجمعية الأورمان وبنك الطعام المصري ومؤسسة مصر الخير ومؤسسة مجدي يعقوب والمعهد القومي للأورام بكل فروعه والهيئة القبطية الإنجيلية ومؤسسة بهية ومؤسسة أهل مصر ومؤسسة صناع الحياة ومؤسسة راعي مصر وجمعية رسالة وجمعية الباقيات الصالحات وجمعية رعاية مرضى الكبد ومستشفيات جامعة القاهرة، وكذلك مؤسسة العربي لتنمية المجتمع وجمعية الدكتور مصطفى محمود ومؤسسة صناع الخير ومؤسسة كير ومؤسسة عدالة ومساندة ومؤسسة أبوالعينين.
حاليا يتبنى هذا التحالف فلسفة النظام وتصوراته عن العمل الأهلي من أجل خدمة أهداف النظام وأجندته؛ ويتم توظيف أنشطته من أجل الدعاية للنظام وخدمة أجندته السياسية. ورغم مرور نحو سنة من تدشينه، ومطالبة النظام للقائمين عليه بضم جمعيات جديدة له، لم يكشف السيسي أو أي من أجهزة الدولة أو الجمعيات المنضمة له عن القرار أو القانون أو اللائحة التي تنظم عمله، وماهية الهيكل الإداري والمؤسسي له، ومن الذي يحدد أنشطته، وأوجه صرف أمواله، وأوجه صرف المليارات العشرة التي وجه السيسي بتخصيصها لأنشطته من موازنة الدولة خلال سنة 2022م. ومن اللافت أن المؤسسات والجمعيات المدعوة للانضمام للتحالف لا تملك حرية الاختيار في القبول من عدمه؛ فالجميع مكره على الانضمام والاذعان؛ فشيخ الأزهر نفسه الدكتور أحمد الطيب لم يملك رفاهية الاختيار حين دعي إلى ضم «بيت الزكاة والصدقة» للتحالف؛ بل أذعنأبدى الطيب حين استجاب لتوجيهات القائمين على التحالف بتعيين وزيرة الاستثمار السابقة، سحر نصر، كمستشارة للشيخ للتطوير المؤسسي لصندوق بيت الزكاة والصدقات، ومديرة تنفيذية له، بما يعطيها الحق في مشاركة الطيب في إدارة الموارد المالية للصندوق. تبع ذلك إبرام نصر بروتوكول تعاون بين «بيت الزكاة» وبين صندوق تحيا مصر، يتضمن تبرع البيت للصندوق بـ105 ملايين جنيه لتطوير القرى الأكثر احتياجًا. وهو ما يؤكد على مدى إصرار النظام على السيطرة على أموال النشاط الخيري. وبذلك يمضى على خطى الدكتاتور جمال عبدالناصر عندما نهب أموال الوقف الخيري الإسلامي ودمر أعظم منجزات الحضارة الإسلامية على مدار نحو (1400) سنة.