عادة لا يشارك الزعماء ورؤساء الدول في المشروعات إلا في حالة افتتاح مشروع جديد جرى الانتهاء منه مؤخرا؛ وليس كل مشروع يستحق أن يفتتحه الرئيس بل لا بد أن يكون مشروعا عظيما يمثل طفرة حقيقية في أحد جوانب الإنتاج المهمة الزراعية والصناعية أو أحد مشروعات الطاقة المهمة؛ لكننا مع زعيم عصابة الانقلاب عبدالفتاح السيسي نرى عجبا؛ فالسيسي يشارك في افتتاح كبرى هنا وهناك، أو افتتاح محطة بنزين في الصعيد، وأخيرا نراه يتفقد رصف طريق يجري إنشاؤه في محافظة الجيزة!
أولا، جذبتني كلمة (يتفقد) التي وردت في كل التغطيات الصحفية والإعلامية الصادرة السبت 08 إبريل 2023م حول زيارة السيسي قبلها بيوم للعاملين في رصف هذه الطرق التي تشرف عليها الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بدعوى تطوير بعض المحاور الطولية والعرضية في المحافظة، وتنفيذ أخرى جديدة بإجمالي أطوال 200 كيلومتر تقريباً! هذا الجسر (جسر أحمد عرابي) يربط بين طريق المنشية وشارع أحمد عرابي بطول 11 كيلومتراً، وعرض 6 حارات مرورية لكل اتجاه، والذي يهدف للحد من التكدس المروري المتزايد على محور 26 يوليو، وتخفيف الضغوط المرورية على بعض المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، مثل البراجيل، وصفط اللبن، وترسا، وإمبابة، فضلاً عن مروره بالعديد من الأماكن الحيوية، مثل محطة بشتيل الجديدة للقطارات. معنى هذا أن السيسي لا يجد ما يفعله؛ رغم أن الدولة تنهار وعملتها تنهار وفقراءها يزدادون عددا، ومكانتها الإقليمية والدولية تتقزم، وديونها تتضخم، وباتت فعليا تحت وصاية مؤسسات التمويل الدولية التي باتت تدير السياسات المالية للدولة من غرف هذه المؤسسات في أوروبا وأمريكا.
ثانيا، الملاحظة الثانية حول مزاعم السيسي بأن «تطوير الجسور والطرق الجديدة على امتداد الجمهورية يستهدف تحسين الأحوال المعيشية للمواطنين، وتحقيق عوائد اقتصادية تراكمية، نتيجة الحد من الوقت والجهد والوقود والكلفة المهدرة في عملية التنقل والمواصلات؛ وهي العوائد التي أثبتت الدراسات العلمية المتخصصة أنها تفوق تكاليف تطوير البنية التحتية في الطرق والنقل”، على حد زعمه. السيسي يتجاهل أن الطرق وحدها لا تسهم في تحسين مستويات المعيشة بلا هي جزء من خطة إنتاجية كبرى تستهدف إقامة قلاع زراعية وصناعية وسياحية كبرى توفر الملايين من فرص العمل وبالتالي يكون للطرق قيمة وتسهم في تحسين مستويات المعيشة؛ لكن السيسي يقوم بتدشين مدن لا يسكنها أحد ولا يقدر أن يسكنها أحد إلا الأثرياء ورجال الحكم، ويقيم شبكة طرق لخدمة هذه المدن؛ فأين دورها في تحسين مستويات المعيشة إذا؟! هذا من قبيل التلفيق والتضليل والكذب.
ثالثا، كيف تسهم هذه الطرق في تحسين مستويات المعيشة والنظام يفرض رسوما جبائية باهظة على المارين بهذه الطرق؛ فجيوب المواطنين هي المصدر الرئيسي لتمويل مشروعات السيسي، وعلى رأسها بناء شبكات واسعة للطرق والكباري، والتي انعكست سلباً على معيشة المصريين الذين واجهوا مزيداً من الأعباء المالية، رغم أنّ هذه المشروعات ساهمت في حل الأزمة المرورية بالعديد من المناطق. وقد وضع السيسي بنفسه آلية الجباية من المواطنين عبر محطات ارتكاز الطرق السريعة وشبكات النقل الإقليمية الجديدة. وفي ديسمبر 2021م، وبينما كان وزير النقل الفريق كامل الوزير، يسعى لنفي عنه هذا الأمر (تحصيل الأموال من جيوب المواطنين)، قال السيسي: “علشان أعمل محطات، ناس كتيرة متصورة إنه علشان تحصيل فلوس، آه علشان تحصيل فلوس” قبل أن يضيف مازحاً: “المليارات مثل الكوتشينة”. هذه الرسوم الباهظة دفعت مواطنين إلى رفع دعاوى قضائية أمام مجلس الدولة من جانب متضررين من بوابة تحصيل الرسوم على طريق السويس، لوقف الكارتة (رسوم المرور عبر الطرق)، حملت رقم 39355 لسنة 74 قضائي شق عاجل، ضد كلّ من رئيس مجلس الوزراء ووزير النقل ومحافظ القاهرة ورئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية لإنشاء وتنمية وإدارة الطرق. واستند أصحاب الدعوى إلى أنّ القانون نص على وجود طرق بديلة للطرق المميزة التي يوضع عليها بوابات تحصيل رسوم، وهو غير متوفر بالنسبة لسكان المدن الجديدة المتضررين وأنّهم في نفس المحافظة، مطالبين في دعواهم بإلغاء الكارتة لعدم وجود طريق بديل. وقال المتضررون في الدعوى إنّ مكان بوابات الرسوم الحالي على طريق السويس، يمثل تمييزاً بين المواطنين لناحية الموقع الجغرافي، لأنّ مدن “بدر والشروق ومدينتي” تقع في نطاق محافظة القاهرة، ولا تتبع محافظة السويس، ولا يجوز فرض رسوم على ذهاب المواطن إلى منزله بكل الضواحي والمدن التابعة للعاصمة، باعتبار أنّ الطرق داخل القاهرة لا تعتبر طريق سفر بموجب القانون، حتى يُفرض عليها رسوم للمرور.
رابعا، منذ اغتصاب السيسي للحكم بانقلاب عسكري، لا تمارس أي سلطة الرقابة الإدارية أو المالية على تصرفات الجيش، الذي واجه في السنوات الأخيرة اتهامات متكررة بالفساد، ونهب أموال الدولة، من خلال إسناد مشاريع تطوير الطرق والجسور الجديدة لأجهزته بـ”الأمر المباشر”، من دون اتباع إجراءات المناقصة للحصول على أفضل العروض. وكان مدير جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للجيش اللواء وليد أبو المجد قد أعلن تنفيذ الجهاز 227 مشروعاً لمصلحة الدولة بقيمة 100 مليار جنيه (الدولار = 30.95 جنيهاً) خلال عام 2022، في مجالات أهمها النقل والإسكان والصحة والري والكهرباء. واستثنت قرارات ترشيد الإنفاق، التي أصدرها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في يناير2023، على خلفية أزمة شح الدولار وتراجع احتياطي البلاد من النقد الأجنبي، جميع المشاريع التي يشرف عليها الجيش وأجهزته أو يتولى تنفيذها لصالح الدولة. ويحظى بيزنس الجيش بامتيازات ضخمة وطبقًا للمعلومات المتاحة عبر هيئة الاستعلامات المصرية التابعة لمجلس الوزراء، فقد تم التخطيط لتنفيذ مشروعات الطرق والكباري بإجمالي 1769 مشروعاً بإجمالي تكلفة 464 مليار جنيه (الدولار = نحو 15.7 جنيهاً) حتى عام 2024. تم الانتهاء من تنفيذ 1052 مشروعا بإجمالي تكلفة 254.3 مليار جنيه وجارٍ تنفيذ 642 مشروعا بإجمالي تكلفة 114 مليار جنيه، ومخطط بدء تنفيذ 75 مشروعاً بتكلفة 95.7 مليار جنيه حتى 2024. ويشمل المشروع القومي للطرق 7000 كم بتكلفة 175 مليار جنيه ومحاور النيل 22 محوراً بتكلفة 34 مليار جنيه، والطرق الرئيسية 9000 كم بتكلفة 107.7 مليارات جنيه والكباري العلوية والأنفاق 1000 كوبري ونفق بتكلفة 140 مليار جنيه، والطرق المحلية داخل المحافظات بتكلفة 7.3 مليارات جنيه.