يجد الديكتاتور عبدالفتاح السيسي نفسه في ورطة كبرى في الشق الاقتصادي؛ فحكومته عالقة بين عدم قدرتها على تدبير العملة الصعبة، التي تمكنها من تمويل واردات الدولة والقطاع الخاص من السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج، المتراكمة على مدار الشهرين الماضيين في الموانئ، وبين تباطؤ بيع أصول عامة، وفقاً لاتفاق مسبق مع صندوق النقد حلّ موعد المرحلة الأولى منه نهاية مارس 2023م. ويتعين على مصر سداد ديون خارجية بنحو 9 مليارات دولار تستحق السداد في عام 2023، بالإضافة إلى حاجتها لقرابة 41 مليار دولار لتغطية مدفوعات الديون وعجز الحساب الجاري حتى نهاية العام الحالي. بما يعني أن النظام العسكري في مصر في حاجة إلى 50 مليار دولار للخروج من هذه الورطة الكبرى في ظل تراجع إيرادات النقد الأجنبي.
وفي تصريحات مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا، الخميس 13 إبريل 2023م، أكدت أن اتفاق الصندوق مع نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي يرتكز على على 3 محددات رئيسية:
- تحرير سعر صرف العملة المحلية (الجنيه).
- منح الفرصة إلى القطاع الخاص لقيادة الاقتصاد.
- مراقبة الإنفاق على المشاريع الضخمة طويلة الأجل، التي قد تقوّض استقرار الاقتصاد الكلي في الظروف المشددة الحالية، لا سيما مع السرعة التي صممت بها في ظل ظروف مختلفة.
وخلال مشاركتها في فعاليات اجتماعات الربيع للصندوق ومجموعة البنك الدولي المنعقدة في واشنطن، حذرت جورجييفا من اتخاذ مصر خطوات سريعة في برنامج الإصلاح وقالت إن ذلك قد يؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار، مستطردة بأن مراجعة الصندوق المقبلة للإصلاحات الاقتصادية في مصر ستحمل نتائج جيدة، وهي مقررة في شهر سبتمبر المقبل. وهي التصريحات التي اعتبرها خبراء ومحللون تحمل سياسية لا فنية لمنح البنك المركزي المصري الثقة في اتخاذ القرارات التي تتسق مع مرتكزات الاتفاق مع الصندوق.
وتنتظر مصر صرف الشريحة الثانية من قرض صندوق النقد بقيمة 347 مليون دولار، بعد الانتهاء من المراجعة الأولى لخبراء الصندوق بشأن برنامجها للإصلاح الاقتصادي، ضمن الاتفاق الذي يتيح تمويلاً تحفيزياً إضافياً بحوالي 14 مليار دولار من شركاء مصر الدوليين والإقليميين. وقال نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فريد بلحاج، إن البرنامج الأخير لإطار التعاون مع مصر يقضي بصرف 7 مليارات دولار على مدى 5 أو 6 سنوات، وذلك بقيمة تتراوح بين مليار و1.2 مليار دولار سنوياً، بهدف تمويل مشاريع البنية التحتية أو النقل أو البيئة.
وانخفضت قيمة الجنيه المصري بوتيرة متسارعة على مدار عام، حيث تراجع إلى 41.60 جنيهاً لكل دولار أميركي في سوق العقود الآجلة، لمدة 12 شهراً. وبلغ الدولار في السوق الموازية 37 جنيهاً، بينما بقي ثابتاً في البنوك الرسمية عند حدود 30.95 جنيهاً منذ أكثر من شهر، هبوطاً من 15.70 جنيهاً مقابل الدولار في فبراير 2022.
موقف الصندوق
خلال المفاوضات التي بدأت بين الصندوق والحكومة بداية العام الماضي، اتفقت مصر على عدة شروط، بناءً على وضع الاقتصاد المصري الحالي واختلالاته، التي أشار الصندوق إلى كونها موجودة بالفعل من قبل بداية الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، التي أظهرت فقط تلك الاختلالات المتراكمة، وبلورت ضغوطًا موجودة مسبقًا، من أهمها الاعتماد الكبير على استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصري لتمويل مشروعات حكومية، وكذلك اعتماد مصر على روسيا وأوكرانيا في السياحة وواردات القمح. وتشير تقديرات خبراء الصندوق إلى أن «ديون مصر يمكن تحملها، ولكن ليس بقدر كبير، كما أن المخاطر الإجمالية للضغوط على السندات السيادية مرتفعة»، حيث يشغل عبء الفائدة حيزًا كبيرًا في الميزانية. لذلك، ولدعم أهداف البرنامج الذي اتفقت مصر عليه مع الصندوق، تلتزم الحكومة المصرية بتخفيض النفقات وزيادة الدخل القومي، بالإضافة إلى تعديل سياسات نقدية ومالية عامة.
التصريحات السابقة لمديرة الصندوق، اعتبرها الخبير الاقتصادي وائل النحاس تصريحات ناعمة ممزوجة بخطاب سياسي غرضه منح السلطة المصرية وخصوصًا البنك المركزي فرصة لالتقاط الأنفاس وتفادي الوصول إلى مرحلة الخطر، مشددًا حسب تصريحاته لموقع«مدى مصر» أن هذا لايعني تأجيل الإجراءات المنتظرة، وعلى رأسها تخفيض قيمة الجنيه مدة طويلة، ولكن معناه أن «الصندوق مش طالبه مننا بكرة الصبح»، حسب قوله. وأوضح النحاس أن مديرة الصندوق كلامها فيه مرونة، وقال: «بالبلدي تقصد متدبحوش الناس مرة واحدة»، لافتًا إلى أن الصندوق يحاول عمل توازنات مع مصر في ظل تغير التوازنات السياسية في المنطقة، وقرب الخليج من الصين على حساب أمريكا وأوروبا وقبول بيع النفط باليوان بدلًا من الدولار، ورغبة البنك الأسيوي في التمدد، خوفًا من سحب البساط من تحت أقدامهم. وأضاف الخبير الاقتصادي أن مسؤولي الصندوق تعمدوا خلال اجتماعات الربيع الأخيرة التخفيف من حدة انتقادهم لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، وتبنوا تصريحات مطمئنة مثل أنهم يدرسوا حالة 77 دولة لتحديد مدى قدرتهم على سداد المديونيات، وكأنه يقول «إحنا ممكن نعدم جزء من الديون». وجاءت تصريحات مديرة الصندوق معبرة عن هذه الأبعاد بقولها: «لقد وصلنا في مصر إلى فهمٍ أعمق لمدى التعقيد، ليس على صعيد البيئة المحلية فحسب، وإنما الإقليمية والعالمية».
ويستبعد النحاس أن يتبع النهج الجديد الذي عبر عنه مسؤولي الصندوق مؤخرًا تأخير طويل في تنفيذ مطالب الصندوق، وخصوصًا تخفيض قيمة الجنيه المصري المرتقب، مضيفًا: «بدل ما كان قدامنا خمس أيام على الامتحانات بقى قدامنا 15 يوم». وأكد النحاس أن خبراء الصندوق أيقنوا أن الشارع المصري لن يتحمل مزيد من التضخم، مشددًا على أن كل المؤشرات الاقتصادية المصرية الرسمية تؤكد أننا اقتربنا من مرحلة انفصال عربات القطار عن عربة المحرك. وأوضح النحاس أن قرار البنك المركزي الأخير برفع سعر الفائدة هو بداية هذا الطريق، مضيفًا أن «المركزي» ضرب بنصائح الخبراء والمختصين بضرورة تثبيت سعر الفائدة عرض الحائط، في الوقت الذي التزمت البنوك بالنصائح، وردت على قرار «المركزي» بإصدار أوعية ادخارية لمدة 3 سنوات حتى لا تورد أموال الشهادات لـ«المركزي» وتحتفظ بأموال المودعين لديها. وقال النحاس: «كل بنك خايف على أموال المودعين بتوعه لأنه هيتحاكم، ووقتها الكلام عن مجاملة البنك المركزي، مش هيكون له لازمة لأن الفلوس هتكون راحت».
وينتهي النحاس إلى أن استمرار «المركزي» في رفع الفائدة وزيادة الدين الداخلي يدفع البلاد للإفلاس، مضيفًا: «دول الخليج اللي كانوا بيساعدونا، عندهم معدلات نمو صعبة، واعتمادنا الوحيد على سوق الدين وحده لن يفيد»، مشددًا على فشل البرنامج الاقتصادي المطبق منذ 2016 لعدم وجود فريق متجانس قادر على وضع استراتيجية واضحة لفرص مصر الاقتصادية والاستثمارية تراعي المستجدات السياسية.