الدرس الأهم من التجربة التونسية أن إقصاء الإسلاميين تماما عن المشهد السياسي هو أحد أهم ثوابت النظام العربي الرسمي الذي تأسس من خلال اتفاقات سرية مع قوى الاحتلال الأوروبي قبل مرحلة الاستقلال الشكلي في منتصف القرن العشرين؛ جرى ذلك في كل العالم العربي منذ الاستقلال الشكلي عن الاحتلال في منتصف القرن العشرين؛ ولم يسمح للإسلاميين مطلقا بممارسة الحكم أو حتى المشاركة فيه في كل بلاد العالم العربي إلا لفترات محدودة ثم تمت الإطاحة بهم بأشكال مختلفة؛ البداية كانت في الجزائر حين فازت جبهة الإنقاذ الإسلامي بالانتخابات وتم الانقلاب على النتائج سنة 1991م حين دخلت البلاد في عشرية سوداء كان بطلها الجيش الذي مزق البلاد حتى يبقى على رأس السلطة يحكم الجزائر نيابة عن الاحتلال الفرنسي. تكرر المشهد في الأردن وغزة والكويت، وحين قام الربيع العربي والذي كان تهديدا كبيرا لثوات ومرتكزات النظام العربي الرسمي الذي صممته قوى الاحتلال الغربي با يضمن مصالحها، ثم وأد الربيع العربي يعنف كما جرى في مصر من انقلاب وحشي نسف كل ما يتعلق بالثورة والديمقراطية بصلة ثم دمر مصر نفسها وتركها تئن فقرا وجهلا وظلما وتخلفا.
وتم تدمير النموذج السوري واليمني والليبي بتدخلات عربية وأجنبية سافرة دعمت الاستبداد والطغيان في جوهرها. وفي السودان يمارس الجيش دوره في تدمير ما تبقى منه طمعا في السلطة والثروة والنفوذ بين الجيش الرسمي وقوات الدعم السريع.
بين كل هذه النماذج الفاشلة، كانت تجربة تونس رائدة بين نماذج الربيع العربي؛ وحين وقع انقلاب 03 يوليو 2013م في مصر، عزا كثيرون أسباب ذلك بشكل رئيس إلى عدم خبرة الإخوان في مصر مقارنة بإخوان تونس؛ فالأولون في مصر كانوا ــ حسب التجربة ـ حريضين على السلطة حتى و إن كان ذلك حقهم عبر ما دام عبر أدوات الديمقراطية وأصوات الجماهير عبر صناديق الاقتراع النزيهة. أما إخوان تونس فكانوا مثالا للتشاركية حتى إنهم تنازلوا عن السلطة رغم أن الجماهير اختارتهم وقبلوا بتكوين حكومة تشاركية تكون لهم فيها حصة أقلية لحساب قوى يسارية وليبرالية أخرى لم يكن لها وزنا نسبيا كبيرا في الانتخابات.
لكن ما جرى لاحقا دمر هذه التصورات؛ فقد انتخب قيس سعيد رئيسا في 2019م، واستبشر الناس به خيرا لأنه كان ينافس رمزا من رموز نظام بن علي السابق؛ لكن التوانسة اكتشفوا لاحقا أن الرئيس الذي جاء مجهولا بلا أي تاريخ سياسي ما هو إلا أحد رجال المخابرات الفرنسية التي أدارت المشهد على نحو دمرت به كل ما يمت للديمقراطية بصلة على يد الرئيس المنتخب بأدوات الديمقراطية؛ فقد دخل الرئيس في صدام مع مؤسسات الدولة المنتخبة؛ (البرلمان ـ الحكومة المنبثقة عن البرلمان)، وراح يؤجج الصراع بين أجهزة الدولة ويحرض الجيش والشرطة على التدخل في الشأن السياسي؛ ونشر الأكاذيب والافتراءات بشأن معارضيه وعلى رأسهم حركة النهضة ذات المرجية الإسلامية.
مواقف سعيد الغريبة وصدامه المستمر بالمؤسسات المنتخبة وتهجمه المتواصل على حركة النهضة، وتقعره في الحديث كان يحتاج إلى معرفة تفاصيل نشأة هذا الرجل الغامض الذي أصبح رئيسا للبلاد بأصوات الجماهير التي منتحته صوتها خوفا من عودة النظام القديم فإذا به صنديد من صناديد الطغيان. وتكفي الإشارة هنا إلى ما كتبه أستاذ القانون الدستوري عياض بن عاشور الزميل السابق للرئيس قيس سعيد، والذي خرج عن صمته ونشر مقالا في الثامن من سبتمبر 2020م، لم يكن عاديا في أسلوبه ودلالاته، وهو الذي يعتبره الكثيرون “أحد مراجع القانون الدستوري في تونس”. حيث أقرّ بن عاشور بوجود أزمة دستورية حين أكد على أنّ أعضاء المجلس الوطني التأسيسي “أقاموا نظاماً هجيناً ومعقّداً شبيهاً بالنظام المجلسي، وهو أخطر أنواع الأنظمة”. بدا في هذا السياق كأنه يسير على الخط نفسه الذي تحدّث عنه قيس سعيّد، لكنه سرعان مع انقلب عليه حين اعتبر أنّ “من المفارقات العجيبة أن نرى الذين ابتعدوا دائماً عن مقاومة الديكتاتورية والذين تهرّبوا من كلّ مطالبة احتجاجية، يصبحون اليوم بكلّ غرور وافتتان، المتحدثين باسم الثورة وعرّابيها”، في إشارة ضمنية إلى أنّ سعيّد لم يكن من بين الشخصيات التي قاومت النظام السابق. ورأى أنّ ما يجري حالياً هو بمثابة “التأثير المخادع للشعبوية: بناء الوهم بغية كسب تعاطف جمهور الناخبين المنهك والمحبط من سنوات ما بعد الثورة”، وقال: “آمل أن ينتهي المطاف بهذا الفكر في تونس إلى الاندثار بفعل تناقضاته”.
في إبريل 2021م، أجرى قيس سعيد زيارة غريبة إلى القاهرة واجتمع برئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي؛ وهي الزيارة التي مثلت حينها انعطافة بالغة الخطورة، وعند قراءتها في سياق التحالفات الإقليمية، اعتبرت برهانا على أن قيس سعيد ما هو إلا بيدق متخف من بيادق الثورة المضادة، ويمثل خطورة بالغة على مستقبل الثورة التونسية وتجربتها الديقمراطية، ومثلت هذه الزيارة مؤشرا خطيرا على قرب الانقلاب في تونس وهو ما جرى لاحقا في أغسطس 2021 حين تم تجميد الدستور وحل البرلمان والانفراد بالسلطة.
وفي مايو 2021م، شن الإعلام السعودي الإماراتي المصري هجوما حادا على الغنوشي، قادت الحملة فضائيات سكاي نيوز والعربية السعودية وكلتاهما تبثان من أبو ظبي إضافة لموقع “اليوم السابع” المحسوب على جهاز المخابرات العامة المصرية. وتردد صدى هذه الحملة السوداء على جميع الفضائيات التابعة لتحالف الثورات المضادة والتي بالغت في نشر الأكاذيب والافتراءات والزعم بأن الغنوشي كون ثروة ضخمة منذ عودته إلى تونس عقب انتصار الثورة عام 2011، وصلت إلى 8 مليارات دولار، رغم أن موازنة البلاد لا تزيد عن 16.5 مليار دولار. ونشر موقع قناة “العربية” تقريرا بعنوان “كيف تحوّل راشد الغنوشي من مدرّس إلى أبرز أثرياء تونس؟”. وذهب موقع “العين” الإماراتي لعنوان أكثر إثارة “سياسة الغنوشي.. ثروة غامضة لرئيس “إخوان تونس” على حساب الفقراء”، وكتب نفس الموقع تقريرًا أخر بعنوان “ثروة الغنوشي تحت مجهر التونسيين.. من أين لك هذا؟”. وفي الصفحة الأولى بصحيفة الأهرام «آلاف التونسيين يطالبون بالتحقيق في ثروة الغنوشي»، وجاء في الخبر أن آلاف التونسيين وقعوا على عريضة الكترونية تطالب بالتحقيق في مصادر ثروة راشد الغنوشي رئيس البرلمان وزعيم حركة النهضة،بعد أن تحول منرجل عادي، إلى أبرز أغنياء تونس،حيث تملك خلال 9 سنوات قصورا وعقارات وسيارات. وهي الافتراءات التي ثبت كذبها تماما بعد ذلك. لكن هذه الحملة ثبت أنها كانت تمهيدا للانقلاب في أغسطس 2021م.
واليوم تعاني تونس من الفقر والجوع والظلم والطغيان مثل باقي الدول العربية تماما باستثناء دول الخليج الثرية التي تسطو على ثرواتها عائلات بعينها دون حسيب أو رقيب، تلقي فضلات هذه الثروات للشعوب التي تحيا بشكل أفضل ماليا بسبب عوائد النفط والغاز السنوية.
الخلاصة أن العالم العربي حاليا يتم تفجيره من الداخل بأدوات الظلم والطغيان والفشل الاقتصادي والفقر والديون؛ فالنظام العربي الرسمي يترنح لأنه تشكل أساسا عبر اتفاقات سرية مع قوى الاحتلال قبل خروجها التي وضعت الأجندة التي تحكم العالم العربي حاليا. الانفجار وشيك وإما أن يدخل المنطقة كلها في مرحلة فوضى قد تمتد إلى عقود أو يحرر المنطقة وشعوبها من الظلم الجاثم على أنفاسها بفعل الدعم الغربي لقوى الاستبداد والطغيان. فهل تقف منطقتنا على أبواب مرحلة جديدة تحكم فيها بالإسلام العظيم وقيمه السامية كالتوحيد والعدل والحرية والإخاء؟!