الجمعيات الخيرية والتطوعية التي تجمع التبرعات بزعم مساعدة المحتاجين وتقديم سبل ووسائل المعونة بشكل رسمي أو غير رسمي وتطارد المصريين عبر شاشات التلفزيون وعبر مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى «سبوبة » ، حيث تجمع عصابة العسكر المليارات من المتبرعين لكنها لا توجه إلى الجهة التي ينبغي أن توجه إليها، وإنما تستولي على أغلب هذه المبالغ للإنفاق على مصالحها الخاصة وحرمان الشعب المصري منها، حيث لا تخصص للمساهمة في مساعدة الفئات الأكثر احتياجا وتطوير التعليم وتقديم المساعدات الطبية والإنسانية وغيرها.
وتزعم عصابة العسكر أن الجمعيات وصل عددها إلى 52 ألف جمعية أهلية، إلا أن أغلب هذه الجمعيات تحول هدفها من تقديم المساعدات والإعانات لـبيزنس أو ما يُطلق عليه البعض بـ«سبوبة الخير» خاصة في المواسم، حيث يشهد شهر رمضان المبارك كل عام ارتفاعا كبيرا في حجم الإنفاق الإعلاني للمستشفيات والجمعيات الخيرية لجمع أكبر قدر من التبرعات.
كان رواد مواقع السوشيال ميديا قد اتهموا هذه المنظمات والجمعيات، بأنها أصبحت سبوبة لجمع المال وتحولت من مؤسسات تهتم بالعمل الخيري إلى بؤر فساد، وحادت عن هدفها الرئيسي وهو خدمة الناس وإنقاذهم وانتشالهم من أوضاعهم السيئة إلى وسائل فخر وتباهي وجمع وحصد أموال المتبرعين، وتزامن هذا مع ما نشر عن مخالفات في عدد من الجمعيات الكبرى وإنفاق أموال المتبرعين كمكافآت أو إعلانات للحصول على المزيد من التبرعات.
أحلام البسطاء
من جانبه قال الخبير الاقتصادي وائل النحاس إنه : "من المفترض أن تقدم الجمعيات الخيرية مساعداتها للجهات الحكومية للاهتمام بالبسطاء والوصول إليهم في أقاصي النجوع والقرى والمناطق النائية في أنحاء الجمهورية، وذلك بما تملكه من دعم مادي تحصل على جزء منه من وزارة تضامن الانقلاب، وأجزاء أخرى من تبرعات المواطنين ورجال الأعمال تصل للملايين، لكنها لا تصل لمستحقيها".
وعن كيفية مراقبة هذه الجمعيات شدد النحاس في تصريحات صحفية على ضرورة وجود رقابة حقيقية على مستندات هذه الجمعيات، وليست مراقبة ضمائر فقط، مع تشديد دور وزارة تضامن الانقلاب في مراقبة إدارة تلك الجمعيات من حيث التبرعات والإنفاق .
وأكد أن الواقع يرصد كوارث ببعض هذه الجمعيات، إذ إنها ما زالت تتاجر بالبسطاء وبأحلامهم فلا تقدم لهم خدمات حقيقية، بل تسببت في رفع أعداد الغارمين والغارمات، بإقراضهم مبالغ بسيطة مقابل فوائد طائلة، ولضمان حقها تقوم بالحصول على إيصالات أمانة منهم بعضها موقعة على بياض، وفي حالة التعثر تقيم ضدهم دعاوى قضائية.
وأكد النحاس أن مرتبات القائمين على هذه الجمعيات والمستشفيات تفوق الخيال، مشيرا إلى أن مصادر تمويل هذه الجمعيات تأتي من الطبقة المتوسطة وبعض الأغنياء.
وانتقد الجمعيات الخيرية التي تسوق الفقر وتجعل منه سلعة تتاجر بها على المواطنين، في المقابل لا بد من تبني مشروعات تنموية تدير اقتصادا منتعشا وترفع مستويات دخول المواطنين، لافتا إلى أنه توجد علاقة طردية بين ارتفاع نسب البطالة وزيادة أنشطة التبرعات والأعمال الخيرية .
وكشف النحاس عن وجود مشكلة أخرى تتعلق بخروج البعض خاصة فيما يتعلق بمالكي الذهب من النصاب الشرعي للزكاة بعد ارتفاع أسعار الذهب، مطالبا بضرورة إرسال رسالة تأكيد للمواطن المتبرع لتعريفه بكيفية استغلال أمواله في المشروعات المختلفة، وهذا من حق صاحب التبرع .
وشدد على ضرورة أن تكون الجمعيات غير مقتصرة على الأعضاء فقط، ولكن المتبرعين أيضا يجب أن يكون لهم حق التمثيل داخل الجمعية العمومية، مطالبا بتغيير القانون ليصبح من حق المواطن حضور الجمعية العمومية بصفته مراقبا، ومراقبة محاضر الجمعيات العمومية.
كوارث
وقالت نورهان النجار، إخصائية نفسية وأسرية، إن : "الجمعيات الخيرية مؤسسات غير ربحية من المفترض أنها تعمل على إصلاح المجتمع وإعلاء القيم الإنسانية من خلال أنشطة كثيرة ومختلفة، موضحة أنها من المفترض أن تلعب دورا شديد الأهمية داخل المجتمعات التي تحصد فوائد هذه الجمعيات التي تعمل على تقديم خدماتها للمجتمع كله".
وأكدت نورهان النجار في تصريحات صحفية أن الجمعيات الخيرية مطالبة بالعمل على توفير حياة كريمة للفئات الأكثر احتياجا والعمل على الحد من البطالة ومحو الأمية والاهتمام بدور رعاية الأيتام والمسنين والقضاء على الفقر والجوع من خلال توفير مستلزمات غذائية ومبالغ مادية من أجل الأسر الفقيرة، وتقديم المساعدات اللازمة للفئات الأكثر احتياجًا.
وأشارت إلى أن بعض الجمعيات الآن تعمل على الحد من انتشار ظاهر الأمية من خلال نشر الفصول التعليمية التي يديرها مجموعة من المتطوعين المتعلمين لنشر التعليم كما تعمل على مساعدة بعض الطلاب لاستكمال مسيرة تعليمهم الجامعي، بجانب تعزيز مفهوم العمل الاجتماعي لدى المواطنين من أجل الاستفادة من مساهماتهم داخل المجتمع.
وأوضحت نورهان النجار أن هناك جمعيات خيرية جادة وطموحة، تديرها شخصيات محترمة، تقدر العمل الخدمي والإنساني، لكن الواقع يرصد كوارث ترتكبها بعض الجمعيات الخيرية والتي لا ينطبق مسماها على طريقة إداراتها فهي تتاجر بالبسطاء وبأحلامهم فلا تقدم لهم خدمات حقيقية، بل تسببت في رفع أعداد الغارمين والغارمات بإقراضهم مبالغ بسيطة، وتحصيل فوائد طائلة، بتوقيع المقترض إيصالات أمانة على بياض
وكشفت أن هناك منظمات أضاعت حق الفقير الحقيقي، حيث تخصصت في بيع وترويج الشهادات الطبية المزورة والأبحاث الاجتماعية، ليحصل المحتالون وغير المستحقين على معونات من المفترض أن تذهب للفقراء، إلا أنها ذهبت لمن جعلوا من الفقر والعوز عملا لهم.
أقنعة الخير
وقال أيمن محفوظ المحامي بالنقض إن : "الجريمة هنا مضاعفة حيث يتم الاستيلاء على الأموال بلا وجه حق، فهي صادرة من جناة يرتدون أقنعة الخير والعفاف، من خلال إنشاء جمعيات خيرية لمساعده الغير وفي حقيقتهم ذئاب تنهش الأموال بلا رحمة".
وأشار محفوظ في تصريحات صحفية إلى أن قانون ممارسة العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019 في المواد من 94 إلى 97 وضع عقوبات على الجرائم التي ترتكب من خلال هذه الجمعيات، وهي الغرامة من 100 ألف إلى مليون جنيه لكل من أخل بما يتطلبه القانون من التزامات مثل تلقي أموال من جهة أجنبية أو محلية أو قام بجمع تبرعات بالمخالفة لأحكام هذا القانون".
وأكد أن أفعال وأشكال الاستيلاء على الأموال أصبحت سبوبة للجمعيات الخيرية وهناك جرائم جنائية أخرى مثل التزوير أو النصب أو ما شابه ذلك من جرائم وتتراوح العقوبات على هذه الجرائم بين الحبس والسجن المشدد.
وطالب محفوظ بتعديل القوانين لوضع عقوبات أكثر غلظة من العقوبات الحالية، حتى يتحقق الردع العام وحتى لا تشجع العقوبات الواهية هذه الجمعيات على سلوك هذا المسلك الإجرامي.