الديكتاتور عبدالفتاح السيسي أمره عجب؛ فمعظم المشروعات التي دشنها خلال السنوات التي تلت انقلابه العسكري واغتصابه للسلطة تأتي بنتائج عكسية وفقا للواقع والأرقام الرسمية وغير الرسمية؛ فمصر خلال السنوات الماضية دخلتها كثير من الأموال (مساعدات خليجية تزيد عن 100 مليار دولار، وقروض تزيد على 120 مليار دولار، بخلاف قروض محلية تزيد على 5 تريليونات جنيه) ورغم ذلك فإن كل هذه الأموال لم تنعكس مطلقا على تحسين مستويات معيشة المواطنين بل على العكس تماما؛ ساءت حياتهم وتدهورت معيشتهم على نحو مرعب وغير مسبوق حتى بلغت معدلات الفقر مستويات مرعبة تزيد على 60% من المواطنين بعدما انخفضت قيمة الجنيه بمعدل 75% عما كان عليه قبل الانقلاب حيث كان كل دولار يتم فكله ب8 جنيهات مصرية، أما اليوم فالدولار الواحد يزيد عن 30 جنيها وفق السعر الرسمي في البنوك ويصل إلى نحو 40 جنيها في السوق السوداء، معنى ذلك أن القيمة الشرائية للجنيه بات تساوي ربع جنيه فقط عن قيمته قبل تعويم 2016م.
أنبوبة الغاز قبل (حقل ظهر) وبعده
نفس الأمر ينطبق على أسعار الغاز الطبيعي؛ فقبل الانقلاب كان سعر أنبوبة غاز الطهي المنزلي 8 جنيهات وهو السعر الذي دفع ذيول العسكر الإعلامية إلى السخرية من الرئيس مرسي كما فعل الأراجوز هاني رمزي حين حمل أنبوبة غاز على كتفه في برانامجه لتحريض الناس على التمرد على الرئيس المنتخب، وكان سعر أنبوبة الطهي التجارية (للمطاعم والكافتيريات) بنحو 15 جنيها. وفي 2015م تم الإعلان عن اكتشاف حقل ظهر للغاز الطبيعي في منطقة "شروق" شرق البحر المتوسط من خلال شركة إيني الإيطالية، وهي منطقة تبعد نحو 200 كيلومتر شمال بورسعيد، وصفته الآلة الإعلامية للنظام بأنه من أكبر أكبر الحقول المكتشفة في البحر الأبيض المتوسط متجاوزاً حقل غاز ليفياثان الاسرائيلي ( غاز فلسطيني مصري نهبه الاحتلال). والاحتياطي المؤكد حسب التصريحات الرسمية 30 تريليون قدم مكعب. وهو ما يضاعف ثروة مصر من الغاز الطبيعي. بدأ الإنتاج منه في ديسمبر 2017م. وقدرت شركة إيني الإيطالية التي تدير الحقل إنتاج العام الأول بنحو مليار م مكعب، ترتفع تدريجيًا حتى يصل إنتاج حقل ظهر 5و2 مليار قدم مكعب في السنة في عام 2019م. هذا الإنتاج سيشكل نحو 40% من إنتاج مصر من الغاز. وفي 2019م، أذاع قناة «المصرية» للتلفاز خبرا عن وزير البترول (يوم 6 من فبراير 2019)، أن حقل ظهر قد بلغ إنتاجه اليومي في ديسمبر 2018 نحو 2.1 مليار قدم مكعب من الغاز. ويتوقع الوزير أن يزيد الإنتاج حتى يصل إلى 3 مليارات قدم مكعب من الغاز يوميا في نهاية عام 2019. وطبقًا لآخر المعلومات المنشورة من «إيني» فقد وصل الإنتاج اليومي 2,7 مليار قدم مكعب في أغسطس 2019م. وتوقعت الشركة حينها أن يصل الإنتاج إلى 3,2 مليار قدم مكعب يوميًا بنهاية عام 2019م. وفي مطلع عام 2020. أتمّت إيني حفر 10 آبار في القطاع الشمالي لحقل الغاز «ظهر» وبئرين في جنوب القطاع. كما تمّ إنشاء 8 وحدات لمعالجة الغاز على السّاحل في شمال مصر، وكذلك تمّ مدّ خط ثانٍ لأنبوب الغاز يصل من حقل الغاز إلى وحدات المعالجة على الشاطئ بطول 216 كيلومتر.
ورغم هذه الكميات الهائلة من الغاز لم تنعكس مطلقا على مستوى معيشة المصريين بل العكس هو الصحيح؛ فقد ارتفعت أنبوبة الغاز من 8 جنيهات قبل اكتشاف حقل ظهر إلى 85 جنيها اليوم في إبريل 2023م، وارتفعت أنبوبة الطهي التجارية للمحلات والمطاعم إلى نحو مائتي جنيه!!
السمك قبل بركة غليون وبعدها
نفس الأمر ينطبق على سمك البلطي؛ فقد ظل البلطي هو الملاذ لمعظم المصريين الفقراء للحصول على بروتين رخيص الثمن؛ وقد كان سعر الكيلو نحو "10 إلى 12 جنيها" حتى ما قبل الانقلاب العسكري؛ واستمر الوضع كذلك حتى 2016م، لكن الأسعار أصابها مس من جنون بعد قرار التعويم المشئوم؛ وفي يوليو 2015 بدأ تدشين مشروع "بركة غليون" للاستزراع السمكي بمحافظة كفر الشيخ على مساحة نحو عشرين ألف فدان بتوقيع عقد بين القوات المسلحة المسئولة عن تنفيذ المشروع مع شركة "إيفر جرين" وهى إحدى الشركات المتخصصة فى مجال الاستزراع السمكى بجمهورية الصين الشعبية. وفي نوفمبر 2017م تم افتتاح المرحلة الأولى من المشروع، وحسب التصريحات الرسمية فإن المشروع يستهدف زيادة الثروة السمكية في مصر بنسبة 75%، بما يمكن من توفير احتياجات السوق المحلى وتصدير الفائض لتوفير العملة الصعبة.
وحسب الكاتب المحسوب على سلطات الانقلاب عمرو هاشم ربيع، فإن فمصر تمتلك حاليا 7000 مزرعة سمكية غالبيتها العظمى تخص البلطى، وهى بمساحة تباينت الإحصاءات بشأنها ما بين 320 ــ 359 ألف فدان. وإنتاج مصر إجمالا من الأسماك قفز من 2017 إلى اليوم من 1.6 مليون طن إلى 2 مليون طن، ولا يشتمل ذلك على ناتج المزارع السمكية فقط، التى ارتفع إنتاجها من عام 2015 إلى اليوم من 1.1 مليون طن إلى 1.6 مليون طن. بل يتجاوزه إلى إنتاج الأسماك من البحيرات المصرية المختلفة التى تنتج 220 ألف طن، بعد أن كانت عام 2017 لا تجاوز 170 ألف طن، وكذلك مياه النيل التى ارتفع إنتاجها فى ذات الفترة من 58 ألف طن إلى 78 ألف طن، ناهيك عن البحر الأحمر وينتج منه 100 ألف طن. كل ما سبق قفز بالوضع المصرى لشكل إيجابى ومتميز، كى تكون البلاد الأولى أفريقيا والسادسة عالميًا فى الاستزراع السمكى، بل إن مصر وبالتعاون مع دولة اليابان سعت إلى دعم إنتاج الأسماك عبر الاستزراع فى عديد البلدان الأفريقية.
لكن الكاتب في مقاله (أين ذهب السمك البلطي؟) المنشور بتاريخ 13 إبريل 2023م على بوابة الشروق، يبدي اندهاشه من ارتفاع السمك البلطي إلى مستويات تفوق قدرة معظم المصريين؛ فقد ارتفع ثمن الكيلو البلطي من 10 جنيهات قبل بركة غليون ومشروعات الجيش في الاستزراع السمكي إلى 80 جنيها للكيلو اليوم! مرة أخرى لم تنعكس مشروعات السيسي والجيش على تحسين مستويات معيشة المواطنين بل جاءت بنتائج عكسية تماما!
نفس الأمر ينطبق على كثير من مشروعات الجيش والسيسي؛ ولا نحتاج إلى دليل للتأكيد على أن مستويات معيشة المصريين تراجعت بشدة فهذا ليس محل خلاف وجميع مؤسسات وأجهزة الدولة الأمنية والسياسية والاقتصادية يقرون بذلك؛ لكن السيسي وأجهزته كالتلميذ البليد الذي يفتش على الدوام عن ذرائع لسقوطه وفشله وانعدام كفاءته وافتقاره إلى النضج والاحترافية. الخلاصة أن بقاء هذا النظام وتلك المنظومة بشخصوها وسياساتها هي وصفة ممتازة لتدمير مصر حاضرها ومستقبلها؛ والإطاحة بهذا النظام وتلك المنظومة هو واجب الوقت على كل المصريين قبل فوات الأوان. فمصر لكل المصريين دون استثناء وليست حكرا على عصابة من الجنرالات تختطفها لحسابها وحساب المافيا التي تنتمي إليها وإلى رعاتها في الخارج في تل أبيب وواشنطن.