تعديلات «كامب ديفيد» وعلاقتها بمخططات الوطن البديل

- ‎فيتقارير

في ذكرى التحرير الصوري لشبه جزيرة سيناء في 25 إبريل 1982م، يتعين التأكيد على أن الهدف الرئيس للصهاينة من توقيع اتفاق سلام مع مصر في عهد الرئيس الأسبق محمد أنور السادات في مارس 1979م كان تحييد مصر كأكبر دولة عربية من الصراع من خلال تقييدها ببنود مجحفة وقاسية تنتزع فعليا أي سيادة لها على شبه جزيرة سيناء التي كانت تنظر لها تل أبيب بوصفها تمثل تهديدا أمنيا لا يمكن التهاون بشأنه؛ لذلك أصر الإسرائيليون على أن تبقى السيادة المصرية على سيناء منقوصة على الدوام من خلال عدم السماح بوجود معدات وأسلحة ثقيلة إلا في المنطقة (أ) التي حررتها مصر بقوة السلاح في حرب أكتوبر 1973م،  في حين بقيت المنطقتان (ب، ج) غير مسموح فيهما بوجود أي قوات مسلحة مصرية أو أي نوع من الأسلحة الثقيلة.

بقي الوضع على هذا النحو حتى نوفمبر 2021م حين تم الاتفاق بين الطرفين على إجراء بعد التعديلات التي تسمح بولوج قوات مصرية بمعدات ثقيلة بهدف القضاء على التنظيمات المسلحة التي تهدد أمن الطرفين معا حسب ما تم الإعلان عنه. لكن هذه التعديلات الأخيرة أعادت إلى الواجهة ترتيبات ما تسمى بصفقة القرن التي كان يتبناها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

وبحسب مراقبين وخبراء فإن هذه التعديلات ترتبط ارتباطا وثيقا بترتيبات الصفقة فيما يتعلق بتوطين فلسطينيين في سيناء وهي الخطة التي تم الترويج لها منذ خمسينات القرن العشرين، وكان الرئيس الأسبق حسني مبارك قد قال إن الإسرائيليين سبق وأن طلبوا منه في عهد رئيسة الوزراء البريطانية الراحلة مارجريت تاتشر، التنازل عن جزء من أرض سيناء ليكون ضمن الدولة الفلسطينية المرتقبة، لكنه رفض الطلب بشكل قاطع.

تعديل “معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية”، قد يشمل بنوداً أخرى غير التي أعلن عنها الجيشان المصري والإسرائيلي، والمتعلقة بالترتيبات الأمنية الخاصة بحجم القوات المصرية في المنطقة “ج”، والتي تسمح للجيش المصري بزيادة قواته في تلك المنطقة. ونقلت صحيفة “العربي الجديد” اللندنية عن مصادر مصرية قولها إن التعديل ربما يمتد إلى بنود أخرى في المعاهدة “قد تمهد لترتيبات إسرائيلية جديدة خاصة بسيناء والفلسطينيين، كما ورد في خطة (الرئيس الأميركي السابق) ترامب المعروفة بصفقة القرن”، والهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، خصوصاً ما تُعرَف بقضايا الحل النهائي.

وحسب دبلوماسي مصري سابق فإن “المحتل الإسرائيلي أجبر مصر ودولاً خليجية على الدخول في حلف اقتصادي بشروطه التي فرضها. وعلى أساس ذلك جاءت فكرة منتجعات “نيوم” السعودية، والتي تمتد إلى مصر، وغيرها من مشروعات اقتصادية، أعلنت عن بعضها الإدارة الأميركية السابقة، هدفها إنشاء منطقة اقتصادية، جزء منها في سيناء يستوعب عمالاً من غزة مع أسرهم، بالإضافة إلى بعض المشروعات، مثل محطات كهرباء ووقود تمد سكان القطاع بالطاقة، ما يساهم في تحقيق مشروع السلام الاقتصادي المزعوم، الذي بشر به رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي السابق شمعون بيريز”. وأضاف الدبلوماسي المصري أنه “على الرغم من أن صفقة القرن وفكرة السلام الإسرائيلي تعودان بالأساس إلى الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، إلا أن الرئيس الحالي جو بايدن، أكثر إيماناً بهذه الفكرة، لكنه يركز أكثر على الجوانب الاقتصادية، ويرى أنها أقرب للواقعية السياسية”.

وفي يوليو 2019، نشرت صحيفة “إسرائيل هيوم” ما أسمتها تفاصيل بنود وثيقة غير رسمية قالت إنه يتم تداولها بين موظفي وزارة الخارجية الإسرائيلية، من دون أن يعرف مصدرها، لكنها تحوي بنوداً شبيهة بما يتم نشره عن خطة ترامب بشأن القضية الفلسطينية، وتشمل تبادل أراضٍ، تتنازل مصر بموجبها عن مساحة 720 كيلومتراً مربعاً، وتحصل على أخرى في صحراء النقب. خطة البيت الأبيض طرحت أيضاً مشروعات لتوفير المياه في سيناء لدعم التنمية الاقتصادية على نطاق أوسع، ما يؤكد ادعاء موقع “ميدل إيست أوبزرفر” البريطاني في نوفمبر 2016، بأن ستة أنفاق غير معلن عنها يتم إنشاؤها تحت قناة السويس، الهدف منها هو إيصال مياه النيل إلى سيناء ثم إسرائيل. وبحسب الخطة التي نشرها البيت الأبيض قبل يومين من انعقاد ورشة المنامة في 2019م، تسهم الدول المانحة بنحو 50 مليار دولار، تذهب 28 ملياراً منها للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، و9.176 مليارات لمصر، و7.5 مليارات للأردن، و6 مليارات للبنان. وطرحت الخطة 12 مشروعاً تخص مصر وحدها، على أن يتم تنفيذها جميعاً في شبه جزيرة سيناء، وذلك من أجل تعزيز التنمية والتكامل في الإقليم كله، وليس من أجل سيناء وأهلها المصريين. ونصت على إنشاء البنية التحتية ودعم مشاريع الطاقة والكهرباء في سيناء، وتوفيرها من أجل مشاريع التنمية في الصفقة، بالإضافة إلى مشاريع دعم الطرق داخل سيناء والبنية التحتية للنقل والمواصلات، لمواكبة التطورات الجديدة، وتحسين الاتصال المحلي والإقليمي.

وكان الكاتب البريطاني جوناثان كوك قال في تحليل موسع لصحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية في يوليو 2018م، إن أحد الأهداف الرئيسية “لصفقة القرن” هي وضع غزة وسكانها تحت إشارة إسرائيل دون أن تتحمل أي مسؤولية أو لوم. وستصبح مصر -حسب الصفقة- السجان الظاهر لغزة، “مثلما تحمّل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وسلطته عبء الخدمة كسجانين” في معظم مناطق الضفة الغربية المحتلة.  وبحسب الكاتب فإن الصفقة تتلخص في بناء مشروعات للبنية التحتية لقطاع غزة خارج القطاع، أي في شمال سيناء، لتوفير الكهرباء والمياه والوظائف والميناء والمطار والمناطق الصناعية ومنطقة للتجارة الحرة لسكان القطاع، وتشجيع الغزاويين الذين سيعملون في شمال سيناء للاستقرار نهائيا هناك، وذلك لحل مشكلة البطالة واللاجئين وأمن إسرائيل.

هذا الطرح يشير إلى تحولات كبرى حول ما تم تسريبه من صفقة القرن؛ فبدلا من  اقتطاع جزء من شمال سيناء لضمه إلى غزة لتكون وطنا بديلا للفلسطينيين ، فإن التحول الجديد هو العكس؛  أي بضم قطاع غزة إلى سيناء ليكون النظام المصري الذي تمكن من سحق الإخوان المسلمين بانقلاب عسكري دموي هو المكلف بسحق حركات المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس لأن قطاع غزة سيكون مسئولا من مصر لا الاحتلال.

وقبل سنوات ظهرت شكوك بأن السيسي كان قد أوشك على التسليم بهذا السيناريو، إذ أعلن محمود عباس في مقابلة مع التلفزيون المصري آنذاك أن خطة سيناء التي تتبناها إسرائيل قد تم -للأسف- الموافقة عليها هنا، “ولا تسألوني أكثر عن هذا الموضوع”. وما يعزز من تصور خطة سيناء، أن السيسي اليوم بات أضعف قبل 4 سنوات كما أن قطاع غزة تضاعفت معاناته، وما كان تنازل السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير بخليج العقبة للسعودية، والذي قال عنه الخبراء إن الهدف منه هو تعزيز الأمن والتعاون الاستخباراتي بين إسرائيل والسعودية ومصر في مواجهة “الإسلاميين المسلحين” في سيناء، يُعتبر حاليا كأنه التمهيد لتنفيذ خطة سيناء.

وتستهدف الخطة الأمريكية “صفقة القرن” سيطرة السلطة على قطاع غزة أو أي جهة أخرى ترضى عنها “إسرائيل” بحسب نص الصفقة المنشور على موقع وزارة الخارجية الأمريكية؛ وهو ما يشير إلى وجود أو دراسة توجهات بضم قطاع غزة إلى مصر بحيث يتولى السيسي بشكل تدريحي القضاء على المقاومة الفلسطينية لحماية أمن الكيان الصهيوني على أن يتم إظهار السيسي بدور البطل الذي يوسع مساحة أرض مصر واستعادة قطاع غزة الذي كان تحت الحكم المصري حتى هزيمة 5 يونيو 1967م. في هذا السياق، سبق أن كشف الرئيس السابق للمكتب السياسي لحركة “حماس” خالد مشعل، عن مقترحات غربية أُرسلت للرئيس الشهيد محمد مرسي بأن يضم غزة إلى مصر وتحل كل مشاكلها، شرط تحمله مسؤولية أي صاروخ ينطلق من القطاع، فرفض مرسي ورفضت حماس وانتهى الأمر.  وبحسب مصادر مطلعة بحكومة الانقلاب فإن نظام السيسي يرغب من الإدارة الأمريكية أن تدرك صعوبة مهمة تكليف مصر بإدارة الملف الأمني في غزة والسيطرة على حركة “حماس” وتحجيم قوتها العسكرية، والتي سبق للسيسي محاولة إنجازها في صورة “المصالحة الفلسطينية” والتي شهدت انتكاسة كبرى، وأن تسعى واشنطن لتأمين ودعم التحركات المصرية بمزيد من المساعدات المالية للقاهرة وغزة على السواء.