على الرغم من الحفلة الإعلامية الكبيرة التي يحييها آلهة التطبيل في إعلام البغال، حول قرار المنقلب السيسي رفع أسعار توريد القمح المحلي بـ1500 جنيه، على الرغم من استيراده من الخارج بأكثر من 2000 جنيه، من روسيا وغيرها وهو من الأنواع الرديئة التي لا تضاهي جودة القمح المحلي.
إلا أن هذا السعر الذي يطبل له إعلام السيسي، لا يرضي الفلاحين تماما، وهو ما عبروا عنه من بالامتناع عن التوريد للشون والمخازن الحكومية، مطالبين بسعر عادل للقمح.
ويعد القمح أهم محاصيل الحبوب الغذائية في العالم، وأخطر مكونات الأمن الغذائي العالمي، وإحدى دعائم استقرار الشعوب والأنظمة السياسية، وتعتبره مراكز صنع القرار الأميركي أهم من البترول في تأثيره وفاعليته في الحضارة العالمية الحديثة.
وارتفعت أسعار القمح في السوق الدولية إلى ضعف ما كانت عليه قبل الحرب الأوكرانية، ووصل السعر إلى 550 دولارا للطن، بعد بقائه لسنوات ما دون 250 دولارا للطن.
ورغم المكانة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للقمح، تنتهج الحكومة المصرية سياسات لا يمكن وصفها بعيدا عن الفشل الذريع، ولا تحقق الاكتفاء الذاتي من المحصول الاستراتيجي، ولا تزال مصر متربعة على كرسي أكثر الدول استيرادا للقمح في العالم بمعدل 12 مليون طن في السنة.
آخر تلك السياسات إعلان مجلس الوزراء حافزا إضافيا للفلاحين لتوريد إردب القمح المحلي، وزن 150 كيلو جراما، لموسم 2023 الذي بدأ في منتصف هذا الشهر ليصبح 1500 جنيه، ما يعادل 8325 جنيها للطن، بدلا من سعر 1000 جنيه، الذي سبقت الموافقة عليه في شهر أغسطس الماضي.
وقال المتحدث باسم المجلس: إن “القرار جاء بعد توجيه من السيسي بمراجعة أسعار المحاصيل الاستراتيجية وإعطاء سعر مُحفز يراعي الظروف العالمية، ويشجع الفلاحين على التوسع في زراعة المحاصيل الاستراتيجية، وبخاصة القمح”.
شو إعلامي
وبمجرد صدور القرار، ورغم اعتراض الفلاحين، صفق الإعلام المصري كله بلا استثناء للقرار، وقالت صحيفة اليوم السابع في تقرير بعنوان فرحة كبيرة بعد قرار الرئيس السيسي بزيادة سعر توريد إردب القمح: إن “قرار السيسي هدية أسعدت الفلاحين في ربوع مصر، وإن نقباء فلاحي المحافظات اعتبروه دعما كبيرا أثلج قلوبهم ويشجع الفلاح على الاهتمام بالمحصول، وإن المزارعين توجهوا بالشكر للسيسي، حيث افتكرنا في ظل هذه الظروف”.
وأشاد بالقرار نقيب الزراعيين، الدكتور سيد خليفة، وثمن جهود السيسي في ملف الأمن الغذائي، وتوجيهه باستلام القمح من المزارعين بسعر مجزٍ، وبخاصة توجيهاته الأخيرة بتقديم حافز إضافي إلى مزارعي القمح، وقال: إن “الحافز سيشجع المزارعين على زيادة معدلات توريد القمح هذا الموسم عن الموسم السابق”.
وقال نقيب الفلاحين، الانقلابي حسين أبو صدام: إن “قرار زيادة سعر توريد إردب القمح إلى 1500، تطبيقا خبر أسعد كل المزارعين، كذلك فإنه مشجع للفلاحين على زراعة القمح، وزيادة التوريد للحكومة، ويقطع الطريق على المستغلين وتجار السوق السوداء الذين كانوا يشترون القمح بسعر أعلى، من أجل عمل مشكلات بالسوق، واعتبر تلك الزيادة هدية السيسي للمزارعين في عيد الفطر”.
ومع تلك التصريحات والاحتفالات، يكاد يجمع خبراء على أن هذا السعر الذي حدده المنقلب السيسي، غير عادل ولا يراعي التغيرات العالمية وارتفاع سعر القمح وشحه في السوق الدولية بسبب الحرب في أوكرانيا، بجانب تلاشي قيمة الزيادة المطروحة أمام انهيار سعر الحنيه المصري أمام الدولار، بما يفقد الفلاح أي ميزة منتظرة من الزيادة.
كما أن السعر الجديد لن يشجع الفلاحين على التوسع في زراعة القمح، ولن يحفزهم على زيادة معدلات التوريد للحكومة، وذلك لأن السعر القديم الذي أعلنته الحكومة في أغسطس الماضي، وهو 1000 جنيه للإردب، كان يعادل 52 دولارا، حيث كان سعر صرف الدولار يعادل 19.2 جنيها، وبعد زيادة السعر إلى 1500 جنيه للإردب، خفضت الحكومة قيمة الجنيه إلى 30.9 جنيها للدولار، وبذلك أصبحت قيمة إردب القمح تعادل 48.5 دولارا، ما يعني أن سعر القمح انخفض بالمقارنة بقيمة الدولار الذي تستورد به الحكومة القمح من الخارج، رغم زيادة السعر بنسبة 50%.
من ناحية أخرى، فإن السعر الذي فرضته الحكومة للقمح المحلي العام الماضي كان 885 جنيها للإردب، ما يعادل 56.7 دولارا، بسعر الدولار في ذلك التوقيت، وهو 15.6 جنيها، وهو أعلى من السعر الجديد مقوما بالدولار أيضا.
ويكون السعر هذا الموسم بعد تعويم الجنيه حوالي 1750 جنيها للإردب تقريبا، خاليا من أي دعم حكومي، وإذا احتُسِب فارق أسعار الأسمدة والوقود، فإن السعر يجب ألا يقل عن 2000 جنيه للإردب، هذا إذا كانت الحكومة جادة في تحقيق أهدافها المزعومة.
دعم الفلاح الروسي وإهمال المصري
كما أن سعر القمح الذي تستورده الحكومة من روسيا وصل حاليا في السوق المصري إلى 13800 جنيه للطن، ما يعني أن السعر الذي فرضته الحكومة للقمح المحلي يقل 3800 جنيه عن سعر القمح الروسي.
ومن المعلوم أن جودة القمح المصري ومحتواه من البروتين أعلى من القمح الروسي، وهذا دليل على صدق من يتهم الحكومة بدعم المزارع الروسي على حساب الفلاح المصري بتفضيلها الاستيراد على الإنتاج المحلي.
سياسات السيسي تلك، تدفع الآلاف من الفلاحين للتخلي عن زراعة القمح والاتجاه نحو زراعة المحاصيل البديلة كزراعة البرسيم التي باتت مربحة مع أزمة الأعلاف الحالية.
لأن الفلاح كلما توسع في زراعة القمح زادت خسائره، ووفق تقديرات اقتصادية، فإن التوقيت الذي اختارته الحكومة لإصدار قرار زيادة سعر القمح بزعم تشجيع الفلاحين على التوسع في زراعته وزيادة معدلات التوريد كما تدعي خاطئ تماما.
ذلك أن موسم زراعة القمح في مصر يبدأ في منتصف شهر نوفمبر من كل عام، وينتهي بنهاية الشهر نفسه، أو في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر على أعلى تقدير.
ولكن قرار زراعة القمح يأخذه الفلاحون في شهر مايو وقبل زراعة البرسيم، وهو المحصول المنافس الأول للقمح في مصر بسبب انخفاض تكلفة زراعته وارتفاع عائده المالي في ظل غلاء الأعلاف المستوردة.
وبفرض أن السعر مشجع ومربح للفلاحين للتوسع في مساحة القمح، فإن هذا السعر لا يكون له أي تأثير في زيادة المساحة إلا إذا صدر في شهر مايو أو يونيو فقط على أقصى تقدير.
أما إذا صدر بعد ذلك، كما هو حاصل الآن، فإن تأثيره ينحصر فقط في تشجيع المزارعين على بيع المحصول للحكومة وزيادة معدل التوريد، بشرط أن يكون السعر محفزا فعلا، وهو ما لم يتوافر في السعر الجديد.
قمع بجانب الفشل
ومع تدني الكميات الموردة من القمح للحكومة، لجأت حكومة السيسي لنفس سيناريو القمع الذي اتخذته مع الأرز وزادت أسعاره أضعافا مضاعفة، فأصدر السيسي قرارات التوريد الجبري ومنع على القطاع الخاص شراء أو استعمال القمح المحلي في مطاحنه أو مصانعه، وقصر نشاط الخاص على القمح المستورد، من أجل الضغط على الفلاحين وإلغاء أية بدائل قد تكون أمامهم لبيع قمحهم وإنتاجهم.
وتستهدف الحكومة شراء 6 ملايين طن من القمح من الفلاحين بزيادة قدرها 67% على الكمية التي اشترتها العام الماضي، وهي 3.6 ملايين طن.
ونص القرار على حرمان مَن يمتنع عن تسليم الكمية المحددة من صرف الأسمدة المدعومة، ودعم البنك الزراعي، مع تطبيق العقوبات المنصوص عليها في المادة 56 من القانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشؤون التموين، وهي الحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على 5 سنوات وغرامة لا تقل عن 300 جنيه ولا تتجاوز 1000 جنيه، وتُضبط كميات القمح، ويُحكم بمصادرتها، كما تُضبط وسائل النقل أو الجر التي استُعملت في نقله، ويُحكم بمصادرتها.
ووفق د.عبد التواب بركات الأكاديمي والباحث في التنمية الزراعية وسياسات الأمن الغذائي، فإن تلك السياسات والقرارات القمعية التي طبقت العام الماضي، لم تحصل الحكومة الكمية التي أرادتها نهائيا، حيث يلجأ الفلاحون لتداول القمح فيما بينهم وبأسعار عالية عن السعر الحكومي، ومنهم من يستخدمه كأعلاف للحيوانات، بطحن القمح وتحويله لنخالة، إذ إن سعر طن الأعلاف تجاوز 30 ألف جنيه بالسوق المحلي، بينما لا يصل سعر طن القمح لـ10 آلاف جنيه، وهو ما يجب أن تراعيه الحكومة في تقديراتها لسعر الأقماح التي ينتجها الفلاح المصري، ويوفر عليها الدولار الذي تستورد به أو تقلبات الأسوق العالمية، بدلا من تآكل وانهيار أحلام ودعوات الاكتفاء الذاتي من القمح.