تصريحات رئيس الوزراء بحكومة الانقلاب مصطفى مدبولي "السبت 29 إبريل 2023م" حول قدرة الحكومة على سداد أي التزامات دولية عليها وأنها ملتزمة بسداد أقساط وفوائد القروض الخارجية في مواعيدها المحددة سلفاً"، وأن "هذه من ثوابت السياسة المصرية، وعقيدة في الدولة التي تحترم التزاماتها بالكامل بتوجيهات من القيادة السياسية"، هذه التصريحات تحمل كثيرا من الرسائل والدلالات.
فالرسالة الظاهرة أنها رسالة طمأنة وأن الحكومة قادرة على الوفاء بما عليها من التزامات دولية؛ لكن هذه التصريحات برهان معاكس على مدى تدهور الأوضاع؛ لماذا؟ لأن الأمور عندما تمضي بشكل طبيعي بلا مشاكل فإنها لا تحتاج إلى مثل هذه التصريحات التي تأتي عادة بنتائج عكسية.
من جهة ثانية فإن تصريحات مدبولي تأتي في أعقاب التحذيرات المتزايدة من جانب وكالة موديز وغيرها من احتمال تخلف الدولة عن سداد ديونها مع ارتفاع حدة المخاطر المحيطة باقتصادها، وهذا ما رفع قياسيا كلفة التأمين عليها لأدنى مستوى. كما تأتي هذه التصريحات في أعقاب إرجاء صندوق النقد الدولي مراجعته برنامج إنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار، فيما لم تحصل حكومة السيسي على مليارات الدولارات من التمويل الموعود من دول الخليج، مع سعي المقرضين للحصول على أدلة أكبر على أن السلطات تمضي قدما في تنفيذ الإصلاحات التي أُعلن عنها في ديسمبر لعام 2022م؛ الأمر الذي يفضي إلى حال من عدم الوضوح ويجعل من الصعب على الحكومة المضي قدما والحصول على الأموال التي تحتاج إليها لتغطية احتياجات الإنفاق. وإضافة إلى هذا الضغط، خفضت وكالة "ستاندرد أند بورز" للتصنيفات الائتمانية التوقعات بشأن درجة الائتمان البالغة حاليا "بي" B لمصر إلى "سلبية" في النصف الثاني من إبريل 2023م، مع نظرة أكثر تشاؤما للوضع المالي للبلاد من صندوق النقد. ساهم في هذه النظرة الدولية المتشائمة للاقتصاد المصري مطالبة حكومة السيسي بإسقاط بعض ديونها لدى مؤسسات التمويل الدولية.
وكان مدبولي قد قد انتقد ــ في مؤتمر صحافي على هامش تفقده بعض المصانع بمدينة العبور الجديدة السبت 29 إبريل 2023م ـ بعض التقارير الخارجية التي تتحدث عن عدم قدرة مصر على سداد الديون، مدعيا أن حكومته لديها خطة واضحة لتوفير الموارد المالية الخاصة بها. مضيفا أن مصر تسير بقوة في برنامج الطروحات الذي أعلنته، ولن تتراجع عن طرح شركاتها العامة في البورصة المصرية، وأمام المستثمرين الاستراتيجيين (الخليجيين)". وكشف مدبولي عن "تجهيز 10 شركات تابعة للقوات المسلحة (الجيش) للطرح أمام المستثمرين، إثر طرح شركتي وطنية لمحطات وقود السيارات وصافي لتعبئة المياه"، مضيفاً "الحكومة تستهدف تحصيل ملياري دولار من خطة الطروحات قبل نهاية يونيو المقبل "23م". وأن حكومته ستعلن عن إجراءات جديدة لتيسير الطروحات، من خلال وحدة متفرغة لعملية طرح الشركات العامة، وتعيين استشاري دولي لمساعدة الحكومة في تذليل كل العقبات المرتبطة بها". وحول تباطؤ الطروحات وعدم إقبال المستثمرين على شراء الأصول الحكومية، قال مدبولي إن "الدولة لا تريد التخارج من شركاتها العامة بسرعة كبيرة، وحين أعلنت عن برنامج الطروحات أكدت أنه سيستغرق عاماً، أي حتى نهاية الربع الأول من عام 2024. والحكومة تستهدف تحقيق نسبة 25% من الطروحات، البالغة 32 شركة (منها 3 بنوك)، في إطار منظومة متكاملة"، على حد قوله. وأكمل: "صندوق مصر السيادي يدير منظومة الطروحات، ويتفاوض مع جميع الجهات الاستثمارية. كما أن البنك المركزي يحضر مجموعة البنوك المشاركة في الطروحات، علماً بأنه يوجد تحوط وسرية في بعض الإجراءات، لأن تسريب أخبار البيع يهبط بأسهم الشركة المستهدف طرحها. ودور الحكومة ومسؤوليتها يرتكزان على الاستفادة القصوى من الأصول، وبذل كل الجهود تحقيق أعلى سعر لها".
وتتجه الحكومة ــ حسب محلين ومراقبين ــ نحو تخفيض جديد للعملة المحلية "الجنيه"؛ بعدما كشف مدبولي أنه ينسق بشكل يومي مع البنك المركزي المصري. موضحا أن محافظ البنك يجتمع معه أكثر من مرة في الأسبوع، وهو ما يظهر أنه حديث عن التعويم، وتعديل سعر صرف العملة، ولكن يجب التأكيد أن هناك ضوابط للسياسة النقدية، وبناءً عليها تلتزم الدولة بشكل كامل بسداد ما عليها من مستحقات".
وفي محاولة لتهدئة المخاوف تحدث مدبولي عن دعم القطاع الخاص وأن حكومته تتجه نحو أوض
"إقرار برنامج جديد لدعم الصادرات المصرية لمدة 3 سنوات قادمة، وتخصيص الحكومة مبلغ 30 مليار جنيه (نحو 970 مليون دولار) لرد أعباء الصادرات عن العام المالي الجديد (2023-2024)، على الرغم من التداعيات الاقتصادية العالمية"، مشيراً إلى "منح الحكومة الرخصة الذهبية لإجمالي 13 شركة في إطار تشجيع القطاع الخاص، وقرب الانتهاء من نظر 45 طلباً آخر من الشركات الراغبة في الحصول على الرخصة". وأضاف: "القطاع الخاص في مصر هو قطاع وطني، والدولة تعتمد عليه في قيادة الاقتصاد. مدعيا أنه في عام 2013 كانت نسبة البطالة في البلاد 13%، ولو استمرت بنفس المعدل كانت ستصل إلى 20%، لولا أن تدخل القطاع الخاص بقوة في استثمارات ومشروعات هامة"، مستكملاً "الهدف الرئيس من مشروعات البنية التحتية التي تتوسع فيها الحكومة هو توفير ملايين فرص العمل للشباب، ونسبة البطالة الآن تبلغ نحو 7.2%".
ودافع عن المشروعات العبثية الضخمة زاعما أن هذه المشروعات القومية تشبه ما يحدث في الولايات المتحدة الأمريكية التي أعلنت التوسع في استثماراتها العامة نتيجة تباطؤ الاقتصاد. مدعيا أن هذا ما فعلته الحكومة المصرية بتنفيذ المشاريع الضخمة، وتدشين المدن الجديدة". ووذكر أن "الحكومة تتحرك أيضاً بشكل كبير في قطاع الزراعة، وحريصة على تشجيع الفلاح المصري باتباع نظام الزراعة التعاقدية، ورفع حافز توريد إردب القمح (نحو 150 كيلوغراماً) من المزارعين للحكومة من 1250 جنيهاً إلى 1500 جنيه، بتكلفة تبلغ 6.7 مليارات جنيه، وبإجمالي 45 ملياراً لعملية توريد القمح المحلي لموسم 2023".
وتباهى مدبولي بأن الحكومة لم ترفع سعر رغيف الخبز المدعوم، الذي لا يزال يُباع بخمسة قروش (الجنيه = 100 قرش) على بطاقات التموين لأكثر من 70 مليون مواطن. والحكومة تدعم القطاعات الإنتاجية، وتتحمل عبئاً كبيراً في سبيل ذلك، وهو ما لا تتحمله حكومات أخرى تمر بنفس الظروف التي تعيشها مصر". متجاهلا ان الحكومة في المقابل رفعت أسعار الكهرباء والمياه والوقود بنحو 800% كما أن الضرائب تمثل نحو 80% من جملة إيرادات الدولة! و تباهى مدبولي بما أسما الأمن والاستقرار في مصر مقارنة حتى بالدول الغنية التي تشهد احتجاجات ومظاهرات بسبب رفض حكوماتها استيعاب الزيادات العالمية في الأسعار، وإصرارها على تحميل مواطنيها هذه الزيادات!