خلال شهري فبراير ومارس من العام الجاري (2023م)، وقعت تحولات لافتة في شبه جزيرة سيناء؛ ومن أهم هذه التحولات الاهتمام الرسمي بمخططات تنمية سيناء وتنظيم فعالية استعراضية بهذا الشأن، والزعم بأن فاتورة ما تم إنفاقه في سيناء تصل إلى (40 إلى 50 مليار دولار) حسب تصريحات الدكتاتور عبدالفتاح السيسي، بينما يؤكد مصطفى مدبولي رئيس الحكومة أن فاتورة التنمية في سيناء منذ 2014 حتى 2023 تصل إلى (610 مليار جنيه) فقط بفارق يقل عن النصف عن الرقم الذي ذكره السيسي. فأين ذهبت هذه الأموال الطائلة؟ وأين الجهات الرقابية في ظل تفاوت يصل إلى نحو 600 مليار جنيه على الاقل في تصريحيين رسميين في نفس اليوم ونفس المكان؟!
بالتزامن مع هبوط الجنيه أمام الدولار وتزايد معدلات الفقر والجوع كان النظام يصصم حملة دعاية ضخمة حول انتصاراته الوهمية في سيناء والقضاء على التنظيمات المسلحة؛ وتأكيد الجنرال أن النظام قد نجح في القضاء على الإرهاب، وأنه لم يعد هناك عذر لاستئناف مخططات التنمية بعد سحق عناصر تنظيم "ولاية سيناء" في مناطق تمركزهم؛ وذلك بعدما تمكن النظام من تجنيد قيادات بالتنظيم على صلة قرابة ببعض شيوخ القبائل المساندة للجيش بعدما تم إغراؤهم بالحماية والعفو عنهم ومنحهم حياة جديدة خارج سيناء مقابل دعم النظام وأجهزته الأمنية؛ الأمر الذي مكن النظام من الحصول على معلومات ذهبية شديدة الأهمية والخطورة بشأن تمركز عناصر التنظيم وفلسفة تحركاتهم.
التجربة خلال العقد الماضي (الساعة الأوميجا الخضراء الكبيرة حسب رؤيا السيسي التي رواها للراحل ياسر رزق) تؤكد أن تسويق النظام إعلاميا بأنه نجح في القضاء على عناصر تنظيم ولاية سيناء لا يمكن التسليم بصحته؛ فقد أعلن النظام مرات عديدة قبل ذلك القضاء على التنظيم واتضح أن ذلك لم يكن صحيحا. من جهة ثانية فإن الحديث عن التنمية هو حديث شائك من جانبين: الأول أن الأرقام المذكورة بخلاف أنها ضخمة وهائلة فإنها أيضا متفاوتة حسب تصريحات كبار المسولين بالنظام؛ فالسيسي يصل بفاتورة التنمية خلال السنوات الماضية إلى ما بين (40 إلى50 مليار دولار)، بينما يصل بها رئيس الحكومة مصطفى مدبولي إلى نحو (20 مليار دولار فقط) أي نحو "610 مليارات جنيه حسب نص تصريحاته"؛ الأمر الذي يفتح أبواب التساؤل حول أسباب هذا التفاوت ومدة وحجم الفساد في هذه المشروعات. الجانب الثاني، هو ما يتعلق بتوظيف لافتة التنمية كغطاء لتحركات يستهدف بها النظام في المقام الأول تصميم سيناء على مقاس مخططات صفقة القرن التي تبتها حكومة الاحتلال بعدما أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وهي محور كل التحركات الجارية في سيناء بهدف استغلال سيناء لحل أزمة قطاع غزة عبر مشروعات ضخمة تستهدف تحويل شمال سيناء إلى بوابة تواصل القطاع مع العالم الخارجي وربطه بسيناء عبر مشروعات مستدامة؛ بما يمكن النظام العسكري في القاهرة في نهاية المطاف من تعزيز نفوذه وسلطانه على القطاع وحركات المقاومة من خلال تكوين ظهير شعبي مؤثر داخل القطاع بتوظيف أعداد كبيرة من فلسطيني القطاع في هذه المشروعات بما يجعل القاهرة المتحكم في اقتصاد القطاع خلال المرحلة المقبلة، وبما يسمح خلال عدة سنوات بالتحكم في حركات المقاومة وإخضاعها للحلول الإقليمية المفروضة من إسرائيل والنظام الإقليمي والدولي وفق المخططات الأمريكية.
الهزيمة في معركة الدولار
بعيدا هن انتصارات السيسي المزيفة في معاركه الوهمية، فقد سلط تحليل نشرته مجلة إيكونوميست البريطانية في مطلع إبريل (2023) الضوء على هذه المقارنة الكاشفة بين انتصارات السيسي في سيناء كما تروج الآلة الإعلامية للنظام وهزيمته المدوية في معركة الدولار، تناول التحليل مدى وحجم التدهور في الاقتصاد المصري في الوقت الذي ارتفعت فيه وتيرة البروباجندا الإعلامية لنظام السيسي، حول القضاء على الإرهاب في سيناء ومواصلة مشروعات التنمية؛ لكن الصحيفة البريطانية رأت أن الهدف من الحملة الدعائية في سيناء والحديث عن الإرهاب ما هو إلا غطاء لصرف النظر عن الهزيمة المدوية للسيسي في المعركة الحقيقية وهي معركة الاقتصاد والحد من سطوة الدولار وتآكل قيمة العملة المحلية إلى مستويات غير مسبوقة. وحسب إيكونوميست فإن "العدو" حقق تقدما على ثلاثة اتجاهات وفي أقل من عام؛ الأول، أن السكان متعبون ومعنوياتهم متدنية، وعندما أراد السيسي إظهار القيادة، انطلق موكبه في منطقة جرداء في سيناء حتى وصل إلى نقطة تفتيش للجيش، حيث حاول رفع الروح المعنوية للجنود قائلا: "لا تعتقدوا أن هذه الأزمة ستبقى"، حيث تحدث إلى مجموعة من المجندين الذين كانوا بزي مموه، مضيفا أنه "سيأتي اليوم الذي ستصبح فيه هذه الأزمة تاريخا". ومع أن النغمة والأجواء كانت عسكرية إلا أن "العدو"، لم يكن متمردين أو غزاة، بل كان الدولار ضد الجنيه المصري الذي فقد في الفترة الماضية نصف قيمته. ولم يكن السيسي يطلب من الجنود القتال بشجاعة في ساحة المعركة، بل كان يدعوهم و 105 ملايين مصري إلى تحمل أزمة اقتصادية طاحنة. وتعلق المجلة: "كان مشهدا غريبا يحكي الكثير عن حكمه الذي مر عليه عقد". وتعلق المجلة بأن الضباط المصريين والمراقبين الأجانب رأوا أن حملة سيناء كشفت عن ضعف في داخل الجيش، فقد تم شحن موجات من المجندين غير المدربين بشكل جيد إلى جبهات القتال وبدون معدات أساسية، وعاد مئات منهم بالأكفان. وبعد أكثر من عقد تحت حكم السيسي فلا يزال الجيش يكافح لتأمين البلاد، في وقت يوسع فيه حملته للسيطرة على الاقتصاد.
واستشهدت المجلة البريطانية بلغة الأرقام الرسمية للتدليل على مدى تدهور الأوضاع ومدى وحجم الهزيمة المدوية التي تعرض لها النظام والسيسي والدولة المصرية في معركتهم ضد الدولار ؛ فالسيسي ـ حسب إيكونوميست ــ مولع باستعادة فترة الفوضى التي تبعت الثورة لكي يبرر حكمه المستبد. لكن الكثير من رعاياه بدأوا بالحنق عليه بسبب تردي الاقتصاد، فقد خفضت مصر قيمة العملة بنسبة 50% منذ مارس 2022، وزاد البنك المركزي من سعر الفائدة للضعفين وبنفس الفترة، بما في ذلك زيادة بنسبة 2% في 30 مارس، ليصبح سعر الفائدة 18.25%. ولا يزال المستثمرون حذرين، كما أنه انخفض سعر الجنيه في السوق السوداء حيث يتم تبادله بنسبة 16% أقل من السعر الرسمي، وتظل أسعار الفائدة قليلة مقارنة مع معدل التضخم الذي وصل إلى 32.7% في الشهر الماضي وزادت أسعار الطعام والشراب بنسبة 62.9% منذ بداية العام الحالي. ونظرا لهذه المعدلات السلبية فلم يعد لدى المستثمرين شهية للديون المصرية. وفي العرض الثالث للسندات الحكومية بشهر نيسان/ إبريل باعت فقط 1.1 مليون جنيه مصري في صكوك بمزاد علني، أي نسبة 0.04% من 3 مليارات سند معروضة.