الجريمة البشعة التي شهدتها قرية أبو شلبي بمركز فاقوس بمحافظة الشرقية الأسبوع الماضي هزت مصر هزا عنيفا تدق أجراس الخطر وتنبه أجهزة الدولة بضرورة الإفاقة قبل فوات الأوان؛ حيث أقدمت أم (30 سنة)على قتل طفلها البالغ من العمر 5 سنوات وطهت جثته وأكلت أجزاء منها. وتبين من التحريات الأولية أن السيدة منفصلة عن زوجها منذ 3 سنوات، وأنها قد قتلت طفلها البالغ من العمر 5 سنوات وطهت جزء منه وأكلته داخل المنزل بدائرة مركز فاقوس، فيما تم ضبط الأم المتهمة والتحفظ عليها تحت تصرف النيابة العامة التي أخطرت لمباشرة التحقيق. وبينما لم تشر تغطية صحيفة الشروق للحادث في تقريرها المنشور على بوابتها الجمعة 28 إبريل 2023م، إلى مرض الأم نفسيا، قالت شبكة (العربية نت) السعودية إن الأم مريضة نفسيا وتعاني من مرض الصرع؛ وتنقل العربية عن مصادر أمنية قولها إن الأم القاتلة تدعى هناء 30 سنة، واعترفت أنها ارتكبت الجريمة البشعة في لحظة فقدت فيها وعيها حيث تعاني من مرض الصرع وعدة اضطرابات نفسية أخرى. وفي اعترافاتها حيث كانت تهذي وتتحدث بصعوبة، قالت الأم إنها كانت تشعر بالقلق على طفلها وكانت ترغب في إعادته لبطنها من جديد لذا قررت ذبحه وتقطيعه وتناولته بعد طهيه لتعيده إلى بطنها -على حد زعمها. تم إحالة الأم إلى النيابة التي طلبت تحريات الأجهزة الأمنية حول الواقعة ودفن ما تبقى من جثة الطفل وانتداب لجنة طبية لتوقيع الكشف الطبي على الأم. الجريمة هي الثانية خلال شهر إبريل بالشرقية؛ حيث أقدم مريض نفسي على ذبح طفل بأحد محلات الحلاقة في منتصف الشهر ذاته.
الجريمة على النحو المذكور تدق أجراس الخطر؛ فالهموم التي حاصرت الأم أصابتها بعدة أمراض نفسية، ودفعها الخوف على ابنها الوحيد من المستقبل المظلم في ظل التدهور الحاد والعنيف في الأوضاع الاقتصادية إلى ارتكاب الجريمة بعدما استحوذت عليها المخاوف وتمكن منها المرض. والجريمة تحمل عدة رسائل وأبعاد يتعين رصدها وتحليلها بدقة لمنع انزلاق المجتمع نحو فوضى عارمة في ظل بؤس الأوضاع وتدهورها على نحو مخيف.
البعد الأول هو مدى تداعيات الأزمة الاقتصادية والغلاء الذي طال كل شيء على المواطنين في ظل تآكل قيمة الأجور والمرتبات بنحو 50% من قيمتها قبل سنة واحدة فقط، حيث انخفضت قيمة الجنيه من 15.7 جنيها في مارس 2022م إلى نحو 30.9 جنيها في إبريل 2023م. وبينما تغيب الأرقام الرسمية حول معدلات الفقر في مصر منذ أكتوبر 2019م حين ذكر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن معدلات الفقر تراجعت من 32.5% إلى نحو 29% قبل تفشي جائحة كورونا في مارس 2020م. لكن هذه الأرقام مشكوك فيها؛ ولا يثق كثير من المحللين والخبراء في الأرقام الرسمية المصرية مدركين أنها تتعرض للتلاعب والتغيير للتخديم على أجندة النظام وتجميل صورة الأوضاع محليا ودوليا. وتصل التقديرات غير الرسمية بمعدلات الفقر إلى نحو 60% على الأقل حسب تقديرات البنك الدولي في 2019م وهي النسبة التي يقترض ارتفاعها بناء على تداعيات تفشي جائحة كورونا من جهة، الحرب الروسية الأوكرانية من جهة ثانية، وداعيات تخفيض الجنيه إلى نصف قيمته أمام الدولار منذ مارس 2022م.
البعد الثاني هو مدى تأثير تدهور الوضع الاقتصادي على معدلات الجريمة في المجتمع؛ حيث يحذر خبراء ومحللون من خطورة تزايد معدلات الفقر والبطالة وأنها سوف تفضي حتما إلى تزايد معدلات الجريمة والطلاق والانتحار ، وتؤدي إلى المزيد من تمزق المجتمع وتفككه. وآخر تقارير وزارة الداخلية حول الجريمة كان في يناير 2019م، لكنه لم يذكر نسبة معدلات الجريمة ونوعها مقارنة بالسنوات الماضية؛ لكنها فقط اكتفى بالكشف عن أسباب ارتفاع معدلات الجريمة، التي أرجعها إلى انتشار الأسلحة النارية، والإفراج عن عدد كبير من العناصر الإجرامية، وشيوع ظاهرة العنف الاجتماعي، والتأثيرات الناجمة عن الأعمال الفنية من الأفلام والمسلسلات، وانعكاسها على تقليد المواطنين لها، والظروف الاقتصادية والمتغيرات المحيطة بالدولة. ويؤكد التقرير أن وراء زيادة معدل الجرائم، ظهور أنماط جديدة للجريمة، وتكوين تشكيلات عصابية جديدة من الشباب العاطلين، وسهولة تنفيذ البعض لجرائم السرقات بسبب قصور المواطنين في وسائل تأمين ممتلكاتهم، وغياب الوعي الاجتماعي والثقافي، واستغلال البعض للحرب التي تخوضها الدولة على الإرهاب. بينما يعزو خبراء في علم النفس والاجتماع أسباب ارتفاع معدلات الجرائم مؤخرا إلى الفقر والبطالة والإدمان. وبحسب التقرير ارتفعت معدلات الجريمة بنسبة 5% خلال عام 2015، وبنسبة 7% في عام 2016، و10% مطلع 2017، وفي عام 2018 زادت المعدلات بنسبة 5%. وبحسب مؤشر الجريمة العالمي في عام 2019، جاءت مصر في المركز الرابع على مستوى الدول العربية في معدل الجرائم السنوي، واحتلت المرتبة الـ 26 عالميا والثامنة أفريقيا. وفي مصر حاليا، هناك صعوبة واضحة في الوصول إلى معدلات الجريمة بشكل دقيق، فقد توقفت وزارة الداخلية عن نشر تقرير الأمن العام السنوي، منذ منتصف التسعينيات. وكانت تقدم فيه إحصاءً دقيقاً للجرائم المختلفة وتوزيعها الجغرافي وبحسب أعمار مرتكبيها وضحاياها، وسكناهم في الحضر أو الريف. لكن هذا السجل المهم لم يعد متاحاً للجمهور، وباتت الوزارة تكتفي بإطلاع وزير الداخلية والقيادات الأمنية عليه، بعدما كانت تحرص على إصداره ونشره ليطلع عليه الخبراء والباحثون. وفي مقال للصحافي باليوم السابع المحسوب على أجهزة الدولة الأمنية، أكرم القصاص حمل عنوان: "عودة تقرير الأمن العام… مواجهة الجريمة بالنشر والمعلومات"، جاء: "لا أحد يعرف السبب وراء وقف نشر التقرير، لكن ما علمناه من بعض القيادات الأمنية، أنه كان هناك تخوف من التوسع في التغطية الإعلامية للتقرير، بشكل قد يظهر مصر في صورة الدولة المليئة بالجريمة".
"25" مليون مريض نفسي
البعد الثالث، يتعلق بحجم وأعداد المرضى النفسيين في مصر حاليا؛ ففي ظل غياب أي أرقام رسمية حول مدى تفشي هذه الظاهرة حاليا في 2023م؛ يُقدر دكتور محمود الوصيفي، أستاذ الطب النفسي بجامعة المنصورة ــ في أكتوبر 2020 ــ عدد المصابين بالاكتئاب والأمراض النفسية في مصر بنحو 25 مليون شخص تقريبا. وقال الوصيفي، في لقاء افتراضي مع عدد من الصحف، برعاية شركة جانسن عن "مرض الاكتئاب مثل مرض الضغط والسكر"، إن نحو 25% من السكان الذي يبلغ عددهم نحو 100 مليون نسمة، يعانون من الأمراض النفسية. وأضاف أن ثلث هؤلاء المرضى يتم علاجهم بسرعة ولا يصابون به مجددا، والثلث الثاني يصابون به بشكل متكرر على فترات زمنية مختلفة، والثلث الأخير يكون الاكتئاب مزمنا. وأوضح إن كل الأشخاص يصابون بالحزن، وهذا طبيعي، لكن إذا استمر هذا الحزن لمدة تتجاوز الأسبوعين، مصحوبا باضطرابات في النوم، والشهية للطعام، فهذا يعني الإصابة بالاكتئاب. ولفت إلى أنه لا توجد مناعة لهذه الأمراض، فالجميع معرض للإصابة بها "قد يصاب بها المهندس والطبيب، ولا تعني الإصابة قلة الإيمان إطلاقا فقد يكون إيمان المريض أقوى من الطبيب". وكان المسح القومي للصحة النفسية الذي يستهدف قياس معدل انتشار الاضطرابات النفسية بالجمهورية لعام 2018، قد أظهر أن 25% من المصريين (25 مليون مصري) يعانون من الأعراض والاضطرابات النفسية بمعنى أن كل 1 من كل 4 أشخاص من المفحوصين لدية عرض أو اضطراب نفسى.
50 مليارا سنويا تهدر على الدجل و الشعوذة
البعد الرابع يتعلق بتفشي ظواهر الدجل والشعوذة؛ حيث يحذر أستاذ الطب النفسي بجامعة المنصورة، من عدم وجود وعي كاف في مصر بكيفية التعامل مع الأمراض النفسية. ورغم التطور الكبير في العقدين الأخيرين، إلا أن إحدى الدراسات، التي صدرت قبل عدة سنوات من المركز القومي للبحوث، أشارت إلى أن 70% من المصريين يترددون على المطببين الشعبيين عند الإصابة بأحد الأمراض النفسية، وقالت أيضا إن 63% من المصريين يؤمنون بالخرافات، و11% من المشاهير سواء السياسين أو الاقتصاديين، وأيضا الفنانين. ويوجد نحو مليون مصري على الأقل يعتقدون بأنهم مصابون بمس من الجن. ولفت الوصيفي إلى أن قيمة ما يصرفه المصريين على الجدل والشعوذة سنويا، قد يصل إلى 50 مليار جنيه، وكانت قبل 10 سنوات -وفقا لدراسة المركز- 10 مليارات جنيه، "زادت من 3 إلى 5 أضعاف". وبسبب هذا الوضع، تعاني مصر من قلة عدد الأطباء النفسيين، بحسب الوصيفي. وقال إن عدد الأطباء بصفة عامة يبلغ 250 ألفا، والأطباء النفسيين يمثلون نحو 1% منهم، أي أنه لن يتجاوز 1000 طبيب مقابل 300 ألف دجال ومشعوذ.
الخلاصة أن نظام الديكتاتور عبدالفتاح السيسي يدرك أن رد فعل المواطنين على الغلاء والتدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية سيكون إما بالتظاهر أو ارتفاع معدل حوادث السرقة، لذلك يخشى اللواء رفعت عبد الحميد الخبير الأمني من اندلاع ثورة جياع بتحول عمليات السرقة من النزعة الفردية إلى النزعة التنظيمية، بينما يفسر الدكتور محمد محيي الدين، عضو مجلس الشعب السابق وأستاذ العلوم السياسية بجامعة عين شمس ارتفاع معدلات الجريمة بالقول: «عندما لا يجد المواطن قوت يومه أو ما يسد احتياجات أسرته سيضطر إما إلى أن يتظاهر في الشارع وهذا لن يحدث بسبب التشديدات الأمنية، أو يجور على ما لا يملك، وهذا ما يحدث».