انتفض ذراع المخابرات التشريعي المسمى بـ"البرلمان" دفاعا عن شعب مصر المُهان مبعثر الكرامة معدوم الحرية، ولكن في مواجهة الكلاب الشرسة، وناقش مشروع قانون ضم جدولا يحدد أنواع الكلاب المحظور اقتناؤها والتي وصفها بالخطرة، والمفارقة أن عددا من نواب البيزنس المنتمين لدائرة البهوات والبشوات تحفظوا عليه.
وطالب نواب المخابرات المترفين المرفهين بتعديل الجدول نظرا لأنهم يرون أن الأنواع التي حددها الجدول ليست خطرة وهي كلاب عادية، والسبب الأهم أن أولادهم أبناء طبقة الانقلاب العكسري الجديدة يقتنون تلك الفئة من الكلاب، بحسب ما قالته النائبة مها عبد الناصر.
ماذا قالت مها؟
مها عبد الناصر أضافت أن النواب تعجبوا من وضع أنواع "جيرمن شيبرد" و"هاسكي" ضمن الكلاب المحظور اقتناؤها، لأن معظم أبناء الذوات والبهوات والبشوات ممن يقتنون كلابا في مصر لديهم هذان النوعان.
وتابعت أن النواب طالبوا بتعديل هذا الجدول وإبعاد الحظر عن هذين النوعين والتركيز فقط على "البيتبول" و"الرود فيلر"، لأن هذين النوعين ارتكبا اعتداءات كثيرة الفترة الماضية.
وأوضحت أن النواب كذلك أكدوا أنه لا يجب أن تكون المسألة منعا تاما لهذه الأنواع من الكلاب، ولكن أن تكون هناك إجراءات صارمة في ترخيصها وضوابط لتحركاتها ومنع انتشاره في الأماكن العامة، لأن هناك الكثير من الناس الذين لديهم تلك الكلاب ولا بد من تقنين أوضاعها.
وشددت مها عبد الناصر على أن الأزمة الحقيقية ليست في شراسة الكلاب، لأن الكلب بطبيعته ليس شرسا وفق تأكيد المتخصصين، ولكن شراسته تأتي من السلوك الذي يعوده عليه من يقتنيه، وبالتالي فالضوابط يجب أن تكون لتصرفات البشر في تعاملهم مع الكلاب.
عبد الناصر قالت: إنه "تم الاستقرار على تعديل هذا الجدول وعدم تداوله حاليا لحين التعديل والاستقرار بشكل نهائي على الجدول الذي سيصدر به القانون".
يذكر أن مصر شهدت قبل ثلاثة أسابيع موجة غضب، بعد وفاة الشاب محمد محب عقب تعرضه لهجوم شرس من كلب "بيتبول" يخص جيرانه، وثار جدل حول العقوبة المتوقعة للمتهم، والتي لا تزيد عن 3 سنوات حبس، لعدم تناسبها مع وفاة إنسان.
لن يناقش برلمان السيسي أو الذراع التشريعي للمخابرات بالطبع شراسة أخرى لا تقل خطورة عن شراسة الكلاب، إن لم تكن تزيد، إذ يعتبر الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي إحدى الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان الأساسية التي تمتد حمايتها في ظل القانون الدولي والتشريعات الوطنية.
وشهدت ظاهرتا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي في مصر انتشارا كبيرا في السنوات الأخيرة، منذ انقلاب 3 يوليو 2013 وإلى الآن، وسجلت ارتفاعا مهولا في نسب حالات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، والتي أفرزت في نهاية المطاف حالات ونماذج تعرضت للتعذيب والإعدامات والمحاكمات خارج إطار القانون.
انطلاقا من الاعتقالات التعسفية والاختفاءات القسرية المتكررة، والتي تكون لها خلفية سياسية لأن جميع من تعرضوا لذلك هم من معارضي النظام القائم الذين رفضوا الانقلاب على الشرعية من سياسيين وحقوقيين وصحفيين ومحامين وغيرهم.
والذين لم يكونوا محصورين في تيار واحد بل تعددت التيارات المعارضة بين إسلاميين واشتراكيين وليبراليين ومستقلين، وترجع الأسباب الرئيسية لاستشراء الظاهرتين إلى طبيعة نظام السيسي ذي الخلفية العسكرية، والذي انتهج لغة القمع لتخويف المواطن المصري بمختلف أطيافه وإحكام قبضته الأمنية عليه، لثنيه عن المطالبة بحقوقه التي نادى بها في ثورة يناير؛ ومن أبرزها الانحلال من الحكم العسكري.
فكرة اختفاء شخص فجأة وعدم معرفة مكانه ولا إن كان على قيد الحياة أم مات، هي فكرة مرعبة في حد ذاتها، خصوصا أن الجميع يعلمون من الذي اختطفه وكيف اختطفه ومن أين اختطفه وماذا قال لذويه وهو يختطفه على مرأى ومسمع منهم؛ وربما على مرأى ومسمع من الجيران الذين وبطبيعة الحال قد هالهم مشهد القوة المسلحة التي حاصرت المكان وأدخلت الرعب في قلوب سكان الحي بأكمله.
كلاب العسكر
في مصر اختفى كثيرون في الحقبة الناصرية، وكان النظام يعلن عن اختفائهم في الصحف ويطالب الشعب بمساعدته في القبض عليهم، يروي أحد الناجيين من الحقبة الناصرية ويدعي الشيخ "المحروقي" أنه أُخذ من محبسه مع مجموعة في أجولة مصنوعة من الخيش، وبعد وجبة تعذيب ظن الجلادون أنهم قد ماتوا فحملوهم إلى الصحراء في مدينة نصر عند منطقة استاد القاهرة، ولما همّ الشاويش أن يرميه إذا به يسمع حشرجة صوت الداعية يطالب خاطفه بقليل من الماء، فما كان من الشاويش إلا أن قال له يا ابن الكلب أنت لسه صاحي؟ هاعمل فيك إيه دلوقتي؟ فلما كشف عنه الغطاء قال له اتركني وقل إنك دفنتني، وبالفعل تركه ليهرب متخفيا داخل الوطن لسنوات، قبل أن يفر لاجئا إلى أمريكا الشمالية ويستقر به المقام في كندا ويصبح شيخا للمسلمين في المقاطعة التي يعيش فيها.
وارتفعت معدلات الإخفاء القسري في طوال أعوام الانقلاب العشرة الماضية وتمت تصفية الآلاف من المختفين قسريا، وكانت وزارة الداخلية وتحت الضغط الهائل للكشف عن مصير المختفين تزعم أن بعضهم اختفى بسبب انضمامه إلى داعش أو قتل في سوريا أو اختفوا بسبب قصص حب غرامية، وأن البعض الآخر قتل في تبادل لإطلاق النار مع الشرطة في عمليات مكافحة الإرهاب.
واشتهرت الصور المنشورة لبعض من تمت تصفيتهم وبجوارهم أسلحة ومفرقعات وتبين أنهم تمت تصفيتهم قبل نقلهم للتصوير على أنهم سقطوا في عمليات مكافحة الإرهاب.
ويروي (م. ف) أحد الناجين من التصفية بعد اختفاء قسري كاد أن يقتل بعده لولا لطف الله به، ونشرها في وسائل التواصل الاجتماعي وبعد المواقع الإخبارية تحت عنوان "الناجي الوحيد" بتاريخ 16 ديسمبر 2016، وكان من بين ما قاله الناجي الذي كتبت له الحياة من بين أنياب سلطة لا تعرف الرحمة وتدمن الكذب إنه "تم اعتقاله من إحدى الشقق بعد مراقبة اتصالاته لمعرفة المكان الذي يختبئ فيه، حيث كان مطلوبا على ذمة العديد من القضايا، وبعدها تعرض لتعذيب شديد لعدة أيام في أحد المقرات الأمنية حتى يعترف بارتكاب عمليات تفجير واغتيال لا يعرف عنها شيئا".
وبالفعل اعترف بكل الجرائم حتى يتخلص من التعذيب، فتوقف التعذيب وبقي رهن الاعتقال لأكثر من أسبوعين، وفي أحد الأيام؛ فوجئ برجال الأمن يقتادونه وهو معصوب العينين، واصطحبوه إلى أحد المنازل ويده مقيدة في يد أحد أمناء الشرطة، حتى لا يتمكن من الهرب، وبمجرد دخوله سمع دوي انفجار هائل لمتفجرات كانت معدة؛ ليتم تصويرها لاحقا وكأنها مضبوطات وجدت في هذا "الوكر".
إلا أنها انفجرت عن طريق الخطأ، ودمرت أجزاء كبيرة من المنزل، ما أدى إلى إصابته بجروح، ومصرع عدد من رجال الشرطة، ومن بينهم الرجل المقيد في يديه.
وأضاف أنه عندما رفع العصابة من فوق عينيه؛ رأى حالة الفوضى العارمة التي سادت المكان، فاستغل الموقف وأخرج مفتاح القيود من ملابس أمين الشرطة المقيد في يديه، وفك قيوده وهرب من المكان وسط عشرات من الأهالي، ليكتب له عمر جديد.