حوار شركاء الدم.. بأمر الانقلاب مطلوب التركيز على شماعة الزيادة السكانية

- ‎فيتقارير

خلال جلسات ما يسمى بالحوار الوطني لشركاء الانقلاب ومجازر رابعة والنهضة وغيرها من مذابح سلطة الانقلاب والذي انطلق الأربعاء 3 مايو 2023م، تؤكد المؤشرات أن النظام سوف يبالغ بشدة في تضخيم  تداعيات الزيادة السكانية باعتبارها الشماعة التي  يعلق عليها النظام فشله. البرهان على ذلك أن افتتاحية صحيفة الأهرام الحكومية في عدد الخميس 04 مايو 2023م؛ جاءت تحت عنوان (قضية السكان والحوار الوطني)!

معنى ذلك أن الأجهزة الأمنية التي تشرف على إدارة جلسات هزلية الحوار تريد التركيز على شماعة الزيادة السكانية لتحميلها كل أوزار النظام وفشله في إدارة ملفات الدولة حتى أوشكت على الانهيار. فالجميع يعلم أن مانشيتات وعناوين الصحف والفضائيات يتم فلترتها من جانب مكاتب متخصصة داخل الأجهزة الأمنية التي تتحكم في كل ما يبث وينشر على المصريين.

تقول الأهرام في افتتاحيتها "رأي الأهرام": «سوف تنال مسألة الوعى بالمشكلة السكانية نصيبا محترما من وقت المتحاورين، نظرا الى أن حل هذه المشكلة العويصة لن يتأتى إلا إذا عرف المواطن حجم الخسائر الهائل الذى تتعرض له حياته، ومستقبل أسرته، إذا استمر فى الإنجاب دون تفكير. ونحن هنا نتحدث عن المواطن البسيط الذى ظل مئات السنين يؤمن بأن الإسراف فى الإنجاب هو أمر لمصلحته وليس أمرا ضد مصالحه، وضد جودة حياته، وهنا سيكون على جلسات الحوار وضع تصور مدروس بعناية لكيفية زيادة وعى هؤلاء المواطنين».

وتضيف الأهرام: «الحقيقة أن الوعى لا يتأتى فقط من خلال إعلانات التليفزيون، أو برامج التوك شو، أو مقالات الصحف، وإنما يمثل الوعى خريطة إدراكية مكتملة الحلقات، يسهم فى تكوينها العديد من المؤسسات، ومنها المؤسسة التعليمية، والدينية، ممثلة فى المسجد والكنيسة، وكذلك الفنون والدراما، الى جانب الإعلام بكل أنواعه، بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي. وبناء على هذا فإن الحوار الوطنى لابد أن يتوصل الى هذه الخطة الشاملة الكاملة لتنمية وعى المواطنين، فى الريف والصعيد، والأحياء الهامشية بالمدن الكبري، وتكون الخطة مشتملة على بنود واضحة بعيدا عن الإنشائيات الخطابية، وزخرفة الكلام». ثم تتناول الأهرام البعدين الاقتصادي والتشريعي للقضية فيما يمثل تمهيدا لتشريعات قد تكون صادمة بدعوى مواجهة التداعيات المؤلمة للأوضاع الاقتصادية.

وكان جنرال الانقلاب قد صرَّح الخميس 05 يناير 2023م؛ أثناء افتتاح بعض المشروعات (الغامضة) بمحافظة سوهاج بأن «الأزمة التي تعيشها البلاد السبب فيها هو "النمو السكاني، وليس فساد الحكومة أو الفساد في الجهاز الإداري"، مدعياً أن "مناطق الصعيد (جنوب) لم تكن مهملة من الدولة، ولكن الأخيرة لم تكن لديها القدرة على تحقيق نسب التنمية المطلوبة فيها". مضيفا: «لا يوجد تهميش للتنمية في مصر، ولكن الأزمة الحقيقية تكمن في زيادة عدد السكان».

والسيسي في تعليق فشله على شماعة الزيادة السكانية يخالف الحقائق الآتية:

أولها أن السكان في مصر هم المصدر الأول لموارد الدولة؛ فكبر حجم السوق المصرية جعلها أكبر سوق استهلاكية في المنطقة، وجعل التجارة تزدهر، وحسب الأرقام الرسمية للموازنة العامة للدولة فإن نسبة الضرائب تصل إلى 80% من قيمة إرادات الدولة؛ معنى ذلك بكل وضوح أن 80% من أموال الدولة هي من جيوب المواطنين على هيئة ضرائب وجمارك وخلافه. كذلك فإن هؤلاء المواطنين هم المصدر الثاني للعملة الصعبة في مصر بعد الصادرات الصناعة والزراعية؛  فتحويلات المصريين في الخارج تصل إلى نحو 30 مليار دولار سنويا، وهو مصدر رئيس للدولار في مصر قبل السياحة وقناة السويس وغيرها.

ثانيها أن الدول الأكثر نموا في العالم هي الدول التي تحفز شعوبها على زيادة الإنجاب، فقد احتلت الهند والصين وماليزيا والفلبين وتركيا المراتب الأولى بين الدول الأكثر نموا في السنوات الماضية. وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي في تقرير الصادر عن شهر يناير 2021م. وهو التقرير الذي يشير إلى أن الهند مرشحة لتحقيق أعلى نسبة نمو على مستوى العالم قد تصل إلى "11.5%". تليها الصين "8.1%"، وتركيا نحو "6%". وهي الدول الأكثر سكانا.

ثالثها أن النموذج الصني ينسف حجج السيسي نسفا؛ فعلى عكس السيسي ونظام العسكر تتبنى الصين (1.4 مليار نسمة) وأوروبا النظرية الإسلامية للإمام ابن خلدون عن السكان؛ وعندما سُئِل  الرئيس الصيني ذات يوم (عندكم مليار فم يطلبون الطعام يومياً فكيف ستوفرونه لهم؟!) أجاب: (تذكروا أن عندنا 2مليار يد مُنتِجه!),وكان هذا قبل أن يظهر التعداد الأخير للصين وقتها بمليار و300مليون نسمه. كان هذا الرد يُمثل الفلسفة والمنهج الذي  انتهجته حكومة الصين لمواجهة زيادة السكان، وهو ما خالفت فيه قائد ثورتها ماوتسي تونج الزعيم الشيوعي والتاريخي للبلاد الذي كان يتبنى مزاعم اعتبار الزيادة السكانية عبئا ثقيلاً، فقال ذات يومٍ (مرحباً بالحرب  فلو أكلت مائه مليون أو أكثر فسنكون مُمتنين لها)  فالقيادة الجديدة للصين  تبنت النظرية الإسلامية  باعتبار زيادة السكان ثروة للبلاد إن أُحسِن استثمارها، وأن هذه العمالة لو وُظِفت بطريقة منظمة وعلمية لأدخلت ثروة للبلاد لا تقدر بثمن، وقد كان حيث دربوا تلك العمالة وخصصوا لكل منطقة صناعة معينة أو سلعة معينة يبرعون في صناعتها ويعمل فيها الجميع، وأعطوا للعامل الصيني ما يقارب دخله لو هاجر للخارج، فتحوا باب المنافسة، وجعلوا الربح بقدر العمل وليس بقدر الحاجة، وفتحوا الباب للاستثمارات الخارجية التي وجدت في العمالة الصينية المُدربة والرخيصة نسبياً مقارنة بالعامل الأمريكي أو الأوربي  ضالتها، وفرصة لزيادة التوزيع بالخارج، وأصبحت الصين تنتج كل شيء لكل بلدان العالم.

أثمر تبني الصين لنظرية الإمام ابن خلدون الإسلامية ارتفاع  دخل المواطن الصيني من 150 دولار إلي 6400 دولار أي أكثر من 175 ألف جنيه  مصري، فلو ضربته في مليار وأربعمائة ألف لصار رقماً مهولاً، وارتفع الاحتياطي النقدي إلي أكثر من ثلاثة تريليون دولار (الاحتياطي المصري 34 مليارا معظمها ديون وودائع ويتفاخرون به)، وصار الاقتصاد الصيني أعلي معدل نمو في العالم، وثاني أكبر اقتصاد بعد الولايات المتحدة، ساهم في ذلك جدية الحرب على الفساد والقضاء عليه بمحاكمات عاجلة ناجزة وعقوبات رادعة وصلت إلى الإعدام الفوري. في الوقت الذي يدافع فيه السيسي عن الفساد داخل نظامه وحكومته متهما الزيادة السكانية بالتسبب في المشكلة!

وفي 2015م أدركت الحكومة الصينية خطأها بسن قوانين صارمة تحد من النسل وتفرض عقوبات على من ينجب أكثر من طفل، لكنها تراجعت عن كل ذلك وبدأت في تحفيز الصينيين  على الإنجاب، وكشفت صحيفة The Times البريطانية في تقرير لها، نشرته في 19 مايو/أيار 2020، أنَّ الصين تتجه لتغطية أغلب تكاليف رعاية الأطفال منذ الولادة وحتى التخرج في الجامعة، لتساعد في زيادة معدلات الإنجاب. تقرير الصحيفة البريطانية أوضح أن هيئة استشارية ذات نفوذ سياسيٍّ، اقترحت عرض مساعداتٍ ماديةٍ واسعة النطاق على الأُسر؛ لرفع معدلات الإنجاب المنخفضة في كبرى دول العالم من حيث السكان، من بينها خفض الضرائب على الدخل للآباء الجدد. من جهتها، قالت الرابطة الديمقراطية الصينية: "انخفضت معدلات المواليد في السنوات الأخيرة، وباتت المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن هذا أشد وطأةً اليوم". وتقترح الرابطة سلسلةً من المعونات؛ للمساعدة في تكاليف رعاية الأطفال، وأيضاً معونات للأجداد؛ لمكافأتهم على مساعدتهم الآباء الصغار في الاهتمام بنسلهم. وعلى خطى الصين تمضي الهند (1.3 مليار نسمة) واليابان (180 مليون نسمة) ودول أوروبا التي تفتح باب الإنجاب لمواجهة مظاهر الشيخوخة التي تفشت في بلادها في العقود الأخيرة. لكن السيسي يرى في زيادة السكان مشكلة بسبب فشله وفساده وعجزه عن إدارة موارد الدولة على نحو صحيح.