انطلاق الحوار بين  مكونات تحالف 30 يونيو.. لماذا يشارك العلمانيون في حوار شكلي مع نظام عسكري انقلابي ؟!

- ‎فيتقارير

انطلقت الأربعاء 3 مايو 2023م أولى جلسات ما يسمى بالحوار الوطني بين مكونات تحالف 30 يونيو والذي يضم تحالف السلطة الذي يضم الجيش وأجهزة الدولة من جهة والقوى العلمانية التي أيدت الانقلاب العسكري  في 3 يوليو 2013م على المسار الديمقراطي وتدمير كل مكتسبات ثورة 25 يناير2011م. وحسب مراقبين فإن الحوار شكلي في حقيقته يستهدفون به ترميم تحالف 30 يونيو  لتصميم المشهد قبل انتخابات الرئاسة (الشكلية أيضا) في متصف العام المقبل “2024”.

وكانت الحركة المدنية (اللا ديمقراطية) والتي تضم رؤساء 12 حزبًا و12 من شخصية عامة، قد أكدت الثلاثاء02 مايو 23م  في بيان، إنها قررت المشاركة في الجلسة الافتتاحية للحوار الوطني، بعد إجراء تصويت على قرار المشاركة، والذي انتهى بالموافقة بأغلبية 13 من المشاركين مقابل اعتراض تسعة منهم. ويأتي قرار الحركة المدنية بالتزامن مع الإفراج عن عضو حزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، نبيل جورج، والذي قُبض عليه منذ عدة أسابيع بتهمة الانضمام لجماعة إرهابية. ورحب رئيس الحزب، فريد زهران، بالإفراج عن جورج وعدد من المحبوسين على ذمة قضايا رأي، مطالبًا بالمزيد من أجل المشاركة في الحوار، موضحًا أن الإفراج عن المحبوسين على ذمة قضايا رأي من أهم مطالب الحركة المدنية، كخطوة هامة وجوهرية لخلق مناخ ملائم لبدء الحوار الوطني. كما أعلنت حركة شباب 6 إبريل المحسوبة على ثورة 25 يناير مشاركتها في الحوار وهو ما يمثل صدمة لدى كثير من المؤيدين للحركة والمنتمين لها. لا سيما في ظل تجميد نشاط الحركة و التنكيل بمعظم قياداتها باستثناء الذين كانوا مجندين أمنيا الذين تم منحهم مكافآت مجزية وسخية وتولى بعضهم مناصب حساسة كعضوية البرلمان وغيرها.

 

انتهاكات مستمرة

وفي نفس يوم انطلاق جلسات الحوار (الأربعاء 3 مايو) تلقى المعارض المصري البارز يحيى حسين عبد الهادي، اليوم الأربعاء، دعوة للمثول في 11 من الشهر الجاري لجلسة محاكمة في قضية رقم 1206 لسنة 2013، وقال عبد الهادي، في منشور عبر موقع “فيسبوك”: “أقدّر صعوبة قرار المشاركة أو الاعتذار لمن وصلتهم الدعوة للحوار اليوم، أما عن نفسي فقد جنّبني الله فتنة السؤال ومشَقةَ الإجابة، فلم تصلني دعوة لجلسة الحوار، وإنما دعوة لجلسة المحكمة”. وعقب عقب الناصري أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة مصطفى السيد على منشور عبد الهادي، بالقول إنّ “القرار صعب على من قرر المشاركة وهو يعرف مآلها، لكن ما هو الضرر في إسماع المطالب العادلة في هذا الحشد؟”. بينما ردت الحقوقية البارزة ليلى سويف، وهي والدة الناشط المعتقل علاء عبد الفتاح، قائلة: “أشك أنّ هناك بعض الضرر في حالة من سبق أنّ أعلنوا أنّ مشاركتهم في الحوار مرهونة بتحقق شروط معينة، فلو حضروا دون تحقق شروطهم فهذا قد يُقرأ على أنه تنازل عنها حتى ولو ظلوا يطالبون بها”.

كما تم اعتقال الصحفي الإسلامي حسن القباني على خلفية تدوينة له حول اليوم العالمي لحرية الصحافة ثم تم إطلاق سراحه في اليوم التالي. كما قررت نيابة أمن الدولة العليا في نفس يوم انطلاق الحوار تجديد حبس الطبيب والمحاضر البارز هاني سليمان، لمدة 15 يوماً، وذلك على ذمة اتهامه في القضية رقم 508 لسنة 2023. ووجهت لسليمان الذي اعتقل في 27 مارس 23م تهمة “الانضمام إلى جماعة إرهابية، وتمويلها، ونشر أخبار كاذبة”، على خلفية نشره تدوينات عبر حسابه الشخصي في “فيسبوك”، طرح فيها بعض التساؤلات عن مصروفات عائلة السيسي ومجوهرات زوجته وابنته، وقارنها بمصروفات أي أسرة مصرية من الطبقة المتوسطة، وانتقاده السيسي والتشكيك في إمكانية تركه للسلطة. كما قرّرت نيابة أمن الدولة العليا المصرية في نفس  اليوم تجديد حبس محمد الغمري 15 يوما، لاتهامه بـ”الانضمام إلى جماعة إرهابية، وممارسة نشاط تلقي أموال من الخارج وتمويل الجماعة داخل مصر”. وهو الذي لم يتم اعتقاله إلا لأنه شقيق الصحفي المصري المعارض المقيم في تركيا حسام الغمري.

 

أين شروط الحركة؟

العجيب في الأمر أن الحركة المدنية وافقت على المشاركة في الحوار رغم أنها كانت قد وضعت لذلك ثمانية شروط في بيانها الشهير في 8 مايو 2022م الماضي، حين قالت إنها «تقبل بمبدأ الحوار السياسي مع السلطة، باعتبار أن الحوار مسار لاكتشاف فرص التوافق، ومن أجل تحسين شروط الحياة الاجتماعية والسياسية في الوطن».  لكنها رهنت استجابتها للدعوة بعدة شروط: أولها رفع الظلم عن جميع سجناء الرأي (تبييض السجون من المعتقلين السياسيين). وثانيها أن يكون الحوار “جادًا وحقيقيًا، وأن ينتهي إلى نتائج عملية توضع مباشرةً موضع التنفيذ، وهو ما يستلزم عددًا من الضوابط الإجرائية والموضوعية، أبرزها أن يجري “تحت مظلة مؤسسة الرئاسة، باعتبار أن الواقع العملي يؤكد أنها الجهة الوحيدة القادرة على تنفيذ ما يمكن أن يتم الاتفاق عليه خلال الحوار”. وثالثها أن يجري الحوار في جميع الجلسات وكل المحاور بين عدد متساوٍ ممن يمثلون السلطة بكل مكوناتها، وأن يكون الحوار بين شركاء متكافئين، بلا مصادرة ولا مكايدة ولا تخوين”. ورابعها سرعة إجراء الحوار على أن  يستمر حتى صياغة النتائج النهائية والاتفاق على برنامج واضح لكيفية ومواعيد تنفيذها، خامسها ان يتم بث الجلسات من خلال وسائل الإعلام المتنوعة، والتي يجب أن تتحرر من سيطرة السلطة السياسية لتصبح هي ذاتها السلطة الشعبية التي يحكمها في أداء عملها فقط القواعد المهنية ومواثيق الشرف الصحفية والإعلامية”. كما اقترحت الحركة في بيانها  توزيع جدول الأعمال على محاور أساسية- يتفرع عن كل منها لجان تفصيلية- وهي: “الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي، والإصلاح الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، والإصلاح التشريعي والمؤسسي، وحقوق الإنسان والحريات العامة، والأمن القومي والمصالح الوطنية، وتعميق المواطنة ومكافحة التمييز”.

 

فهل تحقق شيء من ذلك؟!

تنقل صحيفة  “العربي الجديد” عن مصدر بالحركة من الفريق الذي صوت ضد المشاركة ـ رفض ذكر اسمه ـ  أن الحركة كانت تتمسك طول الشهور الماضية بشرط وحيد  من شروطها المذكورة في بيان مايو 2022م؛ وهو تبييض السجون من النشطاء السياسيين، والإفراج عن أسماء بعينها على رأسهم الناشط أحمد دومة”. وأوضح أن “الاجتماعات الأولى التي جمعت بين قيادات بالحركة، ومسؤولين أمنيين رفيعي المستوى على رأسهم رئيس المخابرات العامة اللواء عباس كامل، لم تشهد معارضة للشرط الخاص بإطلاق سراح دومة وعدد آخر من الأسماء”. لكنه يستدرك بأنه “مع الوقت وطوال عام كامل كانت كافة مؤشرات عدم الجدية متوفرة من جانب مسؤولي السلطة، وبدا واضحاً أنهم يلعبون بورقة الحوار الوطني على المستوى الخارجي بالمقام الأول، ثم داخلياً لتبريد الشارع المتوتر بفعل الأزمة الاقتصادية الطاحنة”. وأشار إلى أنه “طوال الوقت يتم التعامل معنا بنظرية: أنتم ليست لديكم معلومات بشأن ما يحاك بالدولة المصرية، وهو الأمر الذي لم يعد مقبولاً”.

وينتقد حسام الحملاوي عضو حركة الاشتراكيين الثوريين مشاركة الحركة المدنية في الحوار مستنكرا ذهاب هذه الكيانات رغم ان النظام لم يتوقف عن اعتقاله بعض عناصرهم. وتابع: “كان هناك حد أدنى من الضمانات التي كانت مطلوبة للجلوس إلى الحوار مع ممثلي النظام، منها وقف الاعتقالات، ولكنها لم تنفذ”. واعتبر أنه “كان من المفترض -على الأقل- إذا كانت الحركة المدنية ستذهب للتفاوض، أنها تتفاوض على المعتقلين الموجودين داخل السجون وعددهم يقدر بعشرات الآلاف، لكن ما حدث أن ماكينة الاعتقالات لم تتوقف، ولا أفهم ما الداعي للذهاب والجلوس مع ممثلي النظام”.

ورأى الحملاوي أنه “لا توجد أي ضمانات تم تقديمها لإثبات جدية النظام حول حدوث أي انفراجه سياسية”، مضيفاً: “موقف ضعيف جداً من قبل ممثلي المعارضة أن تبيع الوهم للناس وتحاول إقناعهم بأنك ذاهب للتفاوض على إصلاح ديمقراطي، ونحن نعلم في النهاية أن هذه عبارة عن مفاوضات لإطلاق سراح رهائن، والغريب أن تذهب المعارضة للتفاوض ولا يزال أعضاؤها في السجون”. من جهتها وجهت الناشطة سناء سيف، شقيقة الناشط القابع في السجن علاء عبد الفتاح، انتقادات للمشاركين المحسوبين على المعارضة. واعتبرت في منشور على حسابها الرسمي على “فيسبوك” أن الأمر برمته مجرد “مسرحية من جانب النظام”، سيديرها وفقاً لـ”الظرف الدولي”.

 

مبررات المشاركة

وتنقل العربي الجديد  وجهة نظر الطرف الآخر داخل الحركة المدنية (الفريق المؤيد للمشاركة)، حيث يؤكد عضو بالحركة بأنه يتفهم جيداً مواقف الرافضين للمشاركة”، لكنه يضيف مبررا قرار المشاركة: “علينا استغلال أي فرصة تلوح في الأفق من أجل حلحلة المشهد الراهن”، معتبراً أن “أي تعرية للسلطة الحالية هي تعرية للدولة إزاء ضغوط دولية تفرض عليها”.

ويبرر المشاركة من جهة ثانية بأن الحكومة تواجه ضغوطا شديدة من صندوق النقد الدولي الذي يشترط تنفيذ الحكومة مجموعة من الإجراءات القاسية، من دون أي ضمانات بعدم تدهور الأوضاع على المستويين السياسي والاقتصادي، و “في مقدمة الشروط ضرورة تفعيل مرونة سعر العملة المحلية”، مؤكداً أنه “تم رفض تقديم الشريحة الثانية من القرض المتفق عليه، معتبرين أن ما تقوم به مصر في إطار وضع العملة المحلية ليس ما تم الاتفاق عليه خلال الجلسات التي سبقت إقرار القرض، وأن الحكومة المصرية تراوغ في هذا الشأن، وهو ما رد عليه ممثلو الحكومة بأن الأمر في غاية الخطورة وقد يؤدي إلى اضطرابات سياسية واسعة، وهو الأمر الذي ليس في مصلحة أي طرف”.

المبرر الثالث هو توسل مسئولين كبار في النظام للمعارضة بضرورة الوقوف مع الدولة المصرية في هذا الموقف الحرج وليس مع السيسي أو النظام نفسه يقول المصدر: “إنني وآخرين من قيادات الحركة شاركنا في لقاءات مع مسؤولين بالدولة، وأحد هؤلاء طالبنا بشكل واضح وصريح بدعم الدولة المصرية وليس الرئيس أو النظام في تلك الفترة الحرجة، إزاء ضغوط شديدة من بعض الأشقاء في الخليج” على حد تعبير القيادي بالحركة.