بات الاقتصاد المصري خلال الأيام الأخيرة على شفا الانهيار ، وسط تفاقم العجز المالي الذي يتسببب في وقف المشاريع وتشل الدوائر الحكومية، فيما تبتلع الديون وخدماتها نحو 45% من الموازنة المصرية الجديدة، وصعود الديون الخارجية إلى أكثر من 163 مليار دولار، ووقف صناديق الاستثمار العربية والدولية عن لاستثمار في مصر.
وعلى الرغم من مراوغات السيسي وإعلامه، تأتي الشهادات الدولية يوما تلو الآخر عن انهيار الاقتصاد المصري وإعلان الأفلاس المالي.
ومن ضمن تلك الشهادات ما كتبه ديفيد شينكر، المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى في حكومة ترمب في مقال بموقع “ناشيونال إنتريست” The National Interest 5مايو الجاري.
مؤكدا اتجاه مصر نحو الانهيار، راسما صورة قاتمة للوضع الاقتصادي المتدهور في البلاد، ومحذرا من تداعيات خطيرة إذا استمرت الأزمة في بلد يقترب عدد سكانها من 110 ملايين نسمة.
أضاف شينكر، وهو باحث بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن “الانحدار الشديد بدأ قبل نحو عقد من الزمن، أي منذ انقلاب عام 2013 واستيلاء الجيش على السلطة بعدما أطاح بالرئيس المدني المنتخب، عندما شرعت القاهرة في فورة إنفاق غير مستدامة واقترضت أموالا من أجل نفقات باهظة على الأسلحة والمشاريع العملاقة والبنية التحتية، وخلال هذه الفترة توسع دور الجيش في الاقتصاد، مما أدى إلى خنق القطاع الخاص وتثبيط الاستثمار الأجنبي المباشر”.
وقال شينيكر: “منذ انتخاب عبد الفتاح السيسي في 2014، تضاعف الدين الخارجي للدولة أكثر من ثلاثة أضعاف إلى نحو 160 مليار دولار، وهذا العام ستخصص 45% من ميزانية مصر لخدمة الدين القومي، ويحوم التضخم حول 30%، وارتفعت أسعار المواد الغذائية خلال العام الماضي بأكثر من 60%”.
واستدرك “أدت جائحة كورونا والحرب الروسية في أوكرانيا منذ 24 فبراير 2022 أيضا إلى زيادة الضغط على الاقتصاد المصري، مما أدى إلى تقليص السياحة، التي تمثل 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ورفع أسعار السلع الأساسية، وخاصة القمح”.
ولفت إلى أنه “في العام الماضي، قدمت السعودية وقطر والإمارات 22 مليار دولار من الاستثمارات وودائع البنك المركزي لتغطية عجز الدولة المتكرر، لكن كالعادة فشل الدعم في وقف الأزمة”
صندوق النقد الدولي
وأردف أن “مصر وقَّعت في ديسمبر 2022 برنامجا آخر مع صندوق النقد الدولي ووعد الترتيب المشروط بتسليم 3 مليارات دولار نقدا واحتمال توفير 14 مليار دولار إضافية عبر استثمار وتمويل إقليمي ولدولي”.
وأضاف “في المقابل، التزمت مصر بتعويم العملة وتقليص دور الجيش في الاقتصاد، وبالفعل تم تعويم الجنيه وانخفضت قيمته 50%، لكن السيسي لم ينفذ بعد تعهده بتقليص سيطرة الجيش على حوالي 30-40٪ من الاقتصاد”.
وزاد بأنه “مثل دول الخليج الغنية بالنفط، يشك الصندوق أيضا في التزام السيسي بتهميش دور الجيش في الاقتصاد، وكان مقررا إجراء المراجعة الأولى في البرنامج الذي يمتد لأربع سنوات في 15 مارس 2023 لكن الصندوق أجل التقييم وصرف شرائح القرض حتى تحرز القاهرة تقدما في الخصخصة”.
أيام المنح غير المشروطة
شينكر قال: إن “تحفظ السيسي على إجراء هذا الإصلاح أمر مفهوم، فهو ضابط سابق ويعتمد نظامه بشكل كبير على الدعم المستمر من الجيش، لكن السيسي لديه خيارات محدودة “.
ولفت إلى أنه “في يناير 2023 أعلنت السعودية أن أيام المنح غير المشروطة والودائع الهائلة الخالية من القيود في البنك المركزي المصري قد ولت، ولن تتدفق رؤوس الأموال السعودية إلى مصر إلا إذا كان هناك عائد على الاستثمار”.
وتابع “تدين مصر بالفعل بنحو 23 مليار دولار للصندوق، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الدولة ستفي بالتزاماتها المرهقة تجاه الصندوق، ليس هناك ما يشير إلى أن القاهرة تغير نهجها في الإنفاق، وحتى في الوقت الذي تقترض فيه من الصندوق، فإنها تراكم المزيد من الديون وتقترض المزيد من الأموال بأسعار فائدة أعلى لسداد الالتزامات المستحقة، وفي ظل ارتفاع معدلات التضخم، يواجه نحو ثلث السكان، الذين يعيشون تحت خط الفقر أي يكسبون أقل من 3.80 دولارا في اليوم، صعوبة أكبر في تغطية نفقاتهم، كما تضررت الطبقة الوسطى بشدة” وفقا لشينكر.
وتابع “منذ أن تولى السيسي السلطة، فقد الجنيه حوالي 80% من قيمته، 50% خلال العام الماضي، مما أدى فعليا إلى القضاء على مدخرات المواطنين. وتعتبر المواد الغذائية الأساسية، مثل الخبز والأرز واللحوم، الأغلى ثمنا”.
واستطرد “وأدت الضغوط على احتياطيات العملات الأجنبية إلى ارتفاع حاد في الأسعار ومحدودية توافر بعض الأدوية، وفي الوقت نفسه، فإن أغنياء في مصر، على الأقل وفقا لقصص متناقلة، ينتقلون بشكل متزايد إلى مجتمعات مغلقة في ضواحي القاهرة”.
واعتبر شينكر أنه “في غياب تصحيح كبير للمسار، من الصعب تخيل تغير الوضع في مصر إلى الأفضل، يبدو أن تداعيات التجربة المريرة لثورة 2011 تخفف من احتمال اندلاع الاحتجاجات على نطاق واسع، لكن إذا استمرت الأزمة، فإن الأمور يمكن أن تسوء”.
واستطرد “قد تشهد مصر احتجاجات عفوية عرضية، وزيادة الجريمة، والمزيد من هروب رؤوس الأموال، والقمع المتزايد. ومثل تونس ولبنان، قد يحاول المصريون الهجرة، سواء بشكل قانوني أو غير قانوني، عن طريق القوارب إلى أوروبا”.
وقال: إنه “يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن تدرك أن مصر لديها مشكلة، وفي مؤتمر صحفي مشترك في يناير 2023 وصف وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين الصعوبات الاقتصادية التي تواجه مصر بأنها تحدٍ، بينما وصفها نظيره المصري سامح شكري بأنها أزمة”.
ولفت إلى أن “واشنطن تعزو الأزمة المالية إلى فيروس كورونا والحرب في أوكرانيا، باعتبارها عوامل خارجية وليست داخلية مثل السياسات الاقتصادية غير الحكيمة في مصر”.
وشدد على أن “هذا المسار التنازلي لأكبر دولة عربية من حيث عدد السكان ينبغي أن يثير مثار قلق كبير للولايات المتحدة”.
تخفيض التصنيف الائتماني
وللمرة الأولى منذ عقد من الزمان وبعد سلسلة من التخفيضات التي طالت قيمة العملة في ظل الافتقار إلى إصلاحات مهمة أدت إلى ترنح الاقتصاد المصري، خفضت وكالة فيتش للتصنيف الإئتماني تصنيف مصر لأول مرة منذ العام 2013.
وقد تم تخفيض التصنيف الائتماني السيادي لمصر إلى مستوى B نزولا من B+ وخمسة مستويات إلى مستوى غير استثماري، وفقا لبيان صدر يوم أمس الجمعة.
وأصبح تصنيف فيتش لمصر الآن على قدم المساواة مع تصنيفات ستاندرد اند بورز وتوقعات فيتش لمصر لا تزال سلبية.
وقال محللون في وكالة فيتش من بينهم (لور دي نيرفو) في بيان: إن “متطلبات التمويل الخارجي المرتفعة في مصر إلى جانب القيود المفروضة على الحصول على هذا التمويل ساهمت في تخفيض التصنيف”.
وقالت فيتش: إن “تخفيض التصنيف يعكس أيضا تدهورا ملحوظا في مقاييس الدين العام، بما في ذلك تدهور متجدد في تكاليف وإيرادات الفوائد الحكومية، والتي، إذا لم يتم عكس مسارها، ستعرض القدرة على تحمل الديون متوسطة الأجل للخطر”.
وتعد تلك الشهادة صرخة غير مسبوقة قبل لحظة الانهيار الفعلية التي تقترب بصورة متسارعة.