لماذا تراجعت تحويلات المصريين في الخارج بنسبة (23%)؟

- ‎فيتقارير

كشف البنك المركزي المصري عن ، تراجع تحويلات المصريين في الخارج، بنسبة 23% خلال النصف الثاني من العام المالي 2022-2023 على أساس سنوي، لتصل إلى 12 مليار دولار، بينما سجلت الفترة المماثلة من العام الماضي 15.6 مليار دولار. وحققت تحويلات المصريين العاملين بالخارج أعلى مستوى لها تاريخيا خلال السنة المالية 2021-2022 عندما سجلت نحو 31.9 مليار دولار.

معنى ذلك أن هذه الأرقام تكشف عن انخفاض تحويلات  المصريين بالخارج بنحو 7 مليارات دولار خلال السنة الأخيرة. وهو رقم ضخم في ظل المعاناة الكبيرة في حصول مصر على الدولار من أجل الوفاء باحتياجاتها من الخارج (فاتورة الاستيراد) والتي تقدر بنحو 95 مليار دولار سنويا. بخلاف فوائد وأقساط الديون الخارجية والتي تصل إلى نحو 50  مليار دولار سنويا خلال السنوات الثلاث المقبلة.

وتعد تحويلات المصريين العاملين بالخارج أكبر مصدر رئيسي للعملة الأجنبية، ويأتي معظمها من الدول الخليجية، وتمثل نحو 7% من إجمالي الناتج المحلي، وتحتل بها مصر المركز الخامس بين أعلى الدول المتلقية للتحويلات المالية، بحسب تقرير حديث للبنك الدولي.

وحول أسباب تراجع تحويلات المصريين بالخارج يعزو كثير من الخبراء والمحللين أسباب ذلك إلى  اهتزاز الثقة في الاقتصاد المصري وفي قدرة الحكومة وصندوق النقد الدولي على النجاح في ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الجديد المرتبط بآخر قرض لمصر. السبب الثاني هو اضطراب سوق العقار وفشل المطورين العقاريين في استكمال مشروعاتهم بسبب انهيار قيمة الجنيه المصري وتأثير ذلك على ارتفاع أسعار مستلزمات البناء".

أما السبب الرئيس هو تفضيل الكثير من المصريين بالخارج  التعامل مع السوق الموازية بدلا من التعامل مع البنوك الرسمية وذلك لتحقيق المزيد من الربح لارتفاع السعر في السوق السوداء بنحو ما بين 5 إلى 10 جنيهات في كل دولار؛ حيث يصل السعر الرسمي للدولار إلى نحو 31 جنيها بينما يتم تداول الدولار بنحو 40 جنيها أو أكثر في السوق السوداء.

ويرى الكاتب السلطوي عماد الدين حسين، رئيس تحرير جريدة الشروق وأحد رموز الناصرية ــ  أن المصريين بالخارج هم الكنز الكبير؛  مستدلا بما أعلنته وزير التخطيط في أكتوبر 2021 الدكتورة هالة السعيد بأن تحويلات المصريين في الخارج قفزت إلى 31.4 مليار دولار في العام المالي 2020/2021م.

وينتهي حسين في مقاله (المصريون بالخارج.. الكنز الكبير) إلى ثلاث نتائج من هذه الأرقام:

  • الأولى أن الإنسان المصرى هو أفضل استثمار، وهو أفضل مصدر للدخل القومى متفوقا على كل المصادر التقليدية الأخرى من سياحة وصناعة وتجارة واستثمار وقناة السويس والبترول والغاز وخلافه، وهو الكنز الكبير الذى ينبغى أن نحافظ عليه دائما وندعمه ونشجعه بشتى الطرق.
  • النتيجة الثانية، أن المصريين يحبون بلدهم جدا ويكدون ويتعبون من أجل أن يحسنوا مستويات حياتهم وحياة أسرهم، ويقبلون التغرب والغياب عن بلدهم وأهلهم وأقاربهم من أجل ذلك، وهو ما يصب فى مصلحة هذا البلد، بمعنى أن المصرى العامل فى الخارج حينما يقوم بتحويل أى مبالغ من العملة الصعبة لبلده، فهى تذهب لرصيد البلد من العملات الأجنبية، بعد أن يكون قد حصل على مقابلها بالجنيه المصرى.
  • النتيجة الثالثة، يرى الكاتب السلطوي أن ذلك دليل على أن المصريين العاملين بالخارج واثقون فى بلدهم وفى حكومتهم ونظامهم، حينما رفضوا كل الدعوات المشبوهة فى السنوات الماضية لعدم تحويل أموالهم لمصر وتغييرها فى الخارج بطرق التفافية مشوهة لضرب الاقتصاد المصرى.

هذا التراجع الحاد بنسبة 23% من قيمة تحويلات المصريين بالخارج ييستفز السلطة وآلتها الإعلامية وكتابها وصحفييها؛ لأن ذلك من شأنه التدليل على أن انعدام ثقة المصريين بالخارج في النظام والمنظومة الحاكمة كلها. وأن استنتاج رئيس تحرير الشروق لم يكن في محله والمسألة كلها أن المصريين بالخارج مجبرون على التحويل لكفالة أهاليهم وأسرهم في الداخل ولا علاقة لها بالثقة في النظام التي تكاد تنعدم منذ سنوات طويلة.

في ظل أزمة شح الدولار  يسود القلق في الدوائر الحكومية وأجهزة الدولة من هذه النسبة الحادة في تراجع قيمة تحويلات المصريين بالخارج؛ الأمر الذي دفع احد نواب حزب مستقبل وطن الذي يديره الأمن الوطني (محمد عبد الله زين الدين)  إلى التقدم في يناير2023م بطلب إحاطة للمستشار الدكتور حنفي جبالي، رئيس المجلس، موجه للحكومة ممثلة في وزارتي المالية، والهجرة وشئون المصريين بالخارج، بشأن تراجع تحويلات المصريين بالخارج في الفترة الأخيرة. وأشار النائب إلى أن هناك إشكالية كبيرة مؤخرا تمثلت في البحث عن طرق بديلة عن البنوك للتحويل وهو ما يؤثر على دورها في دعم الاقتصاد الوطني.

وكشف عن وجود بعض السماسرة المنتشرين في العديد من الدول خصوصا تلك التي يوجد بها كثافة من المصريين، والذين يحصلون على العملة الصعبة خارج مصر ويتم تسليمها في الداخل بالجنيه المصري، بعيدا عن البنوك، وبذلك تتم كافة المعاملات بعيدا عن الإطار الرسمي، ومن ثم تفقد الدولة مصدرا هاما من العملة الصعبة.

ويعزو في طلب الإحاطة أسباب لجوء الكثير من المواطنين لهذا النوع من التحويل بعيدا عن البنوك بسبب تعقيد الإجراءات التي يواجهها البعض في سحب التحويلات من البنوك أو إجبارهم على استلامها بالعملة المحلية "الجنيه". وأكد زين الدين، أن السبب الآخر في التحويل بعيدا عن الإطار الرسمي هو وجود سعرين للعملة الصعبة، سعر رسمي، وسعر آخر خارج البنوك يكون أعلى من الرسمي، وهو ما يدفعهم للبحث عن هذا الفارق. وطالب الحكومة ممثلة في كافة الجهات المعنية بضرورة إيجاد الحلول المناسبة لاستعادة تحويلات المصريين بالخارج لما كانت عليه، والبحث عن سبل تنميتها، مشددا على ضرورة مواجهة أزمة وجود أكثر من سعر للعملة الصعبة.

على جانب آخر، خفضت وكالة "فيتش" للتصنيف الائتماني الجمعة تصنيف مصر درجة واحدة من "بي +" إلى "بي"، مع تحويلها نظرتها المستقبلية إلى سلبية، ما يؤشر إلى أنها قد تخفض التصنيف أكثر في الأشهر المقبلة بسبب المشاكل الاقتصادية في البلاد. وتحدثت الوكالة في بيان عن ازدياد مخاطر التمويل الخارجي في ضوء الاحتياجات التمويلية المرتفعة، وتشديد شروط التمويل الخارجي. في أواخرأبريل أعلنت وكالة التصنيف الائتماني "ستاندرد آند بورز" أنها أعادت النظر في تقديراتها لدرجة آفاق الدين المصري من "مستقر" إلى "سلبي" بسبب "الحاجات الكبيرة لتمويلات خارجية" تتوقعها بشأن المالية العامة. وتشهد مصر إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها. ففي عام واحد، فقد الجنيه المصري نصف قيمته مقابل الدولار الأمريكي في حين تراجعت احتياطيات البلاد من العملات الأجنبية.