يذهب تحليل لموقع "ستراتفور" إلى أن استبعاد الإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان المسلمون من «الحوار الوطني» الذي أطلقه الجنرال عبدالفتاح السيسي يفرغ الحوار مع معناه الحقيقي ويجعله حوارا شكليا بلا معنى ولا جدوى. ويصف التحليل الإسلاميين المستبعدين من حوار السيسي بأنهم الفاعلون الحقيقيون في الشارع المصري والمجموعات الرئيسية في المجتمع المصري".
وكان السيسي قد استبعد الإخوان من الحوار في دعوته له خلال حفل إفطار الأسرة المصرية الثلاثاء 26 إبريل 2022م الموافق 25 من رمضان 1443هـ، حين «دعا المثقفين والكتاب والمفكرين والإعلاميين إلى تشكيل جبهة صلبة لمواجهة حملات التشكيك من جانب فصيل بعينه(الإخوان) فيما يتحقق من إنجازات. فالأولوية عند السيسي ليست من أجل مواجهة المشاكل التي تحاصره وتحاصر الوطن، ولكن الهدف من الحوار هو التصدي لتشكيك الإخوان فيما يتحقق من إنجازات! لكن تقديراتنا في "الحرية والعدالة" كانت تذهب إلى أن الهدف هو ترميم تحالف 30 يونيو لتحقيق هدفين: الأول تعزيز قدرة النظام على مواجهة التداعيات الاقتصادية المتردية في أعقاب التعويم الثاني للجنيه في مارس 2022م كذلك تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية. والثاني هو تصميم المشهد الداخلي بما يضمن فوز السيسي بالانتخابات الرئاسية المقبلة (منتصف 2024) بصورة لائقة وبأقل قدر من الخسائر. و تم تجميد الحوار خلال سنة كاملة حتى جاءت الجلسة الافتتاحية الأربعاء 3 مايو 2023م؛ بكلمة مسجلة للسيسي، متحدثا عن «تبادل الرؤى لرسم ملامح الجمهورية الجديدة»! ويوم الإثنين الماضي (8 مايو 23م) اجتمع مجلس أمناء الحوار الوطني لكنهم لم يعلنوا عن موعد بدء الجلسات ما يثير كثيرا من علامات الاستفهام حول موقف النظام من عمليات التأجيل المستمرة لهذا الحوار رغم أنه شكلي في مضمونه ومحتواه وحتى مخرجاته التي وضعها النظام قبل أن تبدأ حتى جلسات الحوار نفسه! لأن هدف النظام هو تصميم المشهد الداخلي على مقاس الانتخابات الرئاسية المقبلة لضمان فوز السيسي بفترة جديدة دون أن يسبب ذلك مشاكل للنظام والدولة بسبب الرفض الشعبي الواسع للسيسي ونظامه وسياساته.
ويشير تقرير "ستراتفور" الذي تم نشره الخميس 11 مايو 2023م، إلى أن أجهزة السلطة تفرض وصايتها على الحوار سواء على مستوى القضايا محل النقاش او حتى المشاركين فيه؛ وأن هذه السيطرة الأمنية تم ترجمتها في فحص أمني دقيق للحضور في تلك الجلسات، لضمان مشاركة المؤيدين الصريحين للحكومة وجماعات المعارضة السياسية غير المثيرة للجدل في القمة، وبالتزامن استبعاد كافة من ينتمون أو يتعاطفون مع الإسلاميين أو حركة الإخوان المسلمين. ويرى التقرير أن استبعاد المجموعات الرئيسية في المجتمع المصري، جنبًا إلى جنب مع الضوابط الصارمة المذكورة أعلاه على ما يمكن مناقشته، تسببت في الحد من الطبيعة التمثيلية للاجتماع وتنوع الأفكار التي قد تولدها اللجان الفرعية، ما يجعله إلى حد كبير "حوارًا وطنيًا" بالاسم فقط.
ويرى التحليل أن الحوار الخاضع كليا لسيطرة الحكومة قد لا يترك مجالا لإصلاحات اقتصادية طفيفة، لكن من غير المرجح أن يولد التغييرات السياسية الجادة التي يطالب بها الناس بشكل متزايد. وحسب التحليل فإن الحوار يخضع كاملة لوصاية السلطة وأجهزتها الأمنية، وما يثير الجدل حول جدواه أن الحكومة لم تتوقف عن حملات الاعتقال والتوقيف التي طالت معارضين خلال انعقاده. لكن التقرير يؤكد أن الخطوط الحمر الثلاثة التي وضعها النظام على الحوار تفرغ معنى الحوار من معناه الحقيقي؛ فلجان الحوار ـ حسب ستراتفور ــ يسمح لها بمناقشة أكثر من 100 موضوع واسع النطاق، بما في ذلك الانتخابات والتعليم والهوية الوطنية والاقتصاد. لكن القائمين على الحوار ومنذ جلسة الافتتاح (جرت في 3 مايو 23م) حظروا النقاش حول ثلاثة ملفات هي السياسة الخارجية والأمن القومي والدستور.
ويذهب التحليل إلى أن عدم مرونة نظام السيسي والقيود الحكومة المشددة على الموضوعات التي يمكن مناقشتها والمشاركين في الحوار تعنى إن إدارة السيسي تريد منع تحول جلسات الحوار إلى منتدى للغضب من الأوضاع الاقتصادية المتردية، بالتالي يخشى النظام من أن يأتي الحوار بنتائج عكسية تبث الروح في المعارضة الأمر الذي يهدد القبضة الأمنية الشديدة على المجتمع بما يهدد قبضة السيسي على السلطة. لكن "ستراتفور" يحذر من أن عدم وجود متنفس للناس للتعبير عن إحباطهم بشأن القضايا السياسية والاقتصادية الرئيسية، فإن قبضة السيسي القوية على السلطة قد تتعرض للتهديد في نهاية المطاف. فالنظام لا يترك مجالا للمعارضة رغم أن ذلك أمر ضروري لنظام مرن وقابل للتكيف، لكن السيسي يخشى ذلك ويرى ــ حسب ستراتفور ــ أن هذا قد يعرّض النظام لمخاطر متأصلة في أوقات الشدة من خلال إنشاء قدر ضغط بشكل فعال حيث يمكن أن يتراكم الغضب العام وينفجر في نهاية المطاف، كما رأينا خلال الربيع العربي».
وفي مقاله (لماذا فشل الحوار الوطني في مصر؟) يؤكد الباحث تقادم الخطيب أن الحوار قد فشل قبل أن يبدأ مستدلا على ذلك بأن محمد حسنين هيكل، روى لأحد المقرّبين منه، أن نائب الرئيس الراحل حسني مبارك، اللواء عمر سليمان، في أثناء الانتفاضة الثورية في يناير (2011)، تواصل معه وطلب منه أخذ رأيه في عملية الحوار الوطني المزمع إقامته مع المعارضة في مصر في ذلك الوقت للوصول إلى حلّ ينهي الأزمة القائمة، فردّ هيكل قائلاً: هل يسمح سيادة النائب أن يرسل إليّ مسودة الحوار الوطني مكتوباً، حتى أستطيع أن أكوّن رأياً سديداً في هذه المسألة. ثم فوجئ هيكل بأنه تلقى مسوّدة مكتوباً فيها نتائج الحوار الوطني، وهو لم يكن قد بدأ بعد. حينها أدرك هيكل نية النظام المبيتة، على حد تعبيره.
وينتهي الخطيب إلى أن «نظام مبارك فعل هذا في ظل وجود ملايين موجودين في الشوارع، فما بالنا بنظام السيسي الذي أغلق المجال العام، وليس هناك ما يُجبره على أن يمرّر للمعارضة أي مطلب، أو يقوم بأي تنازلات؟!». معنى ذلك أن السيسي يريد اللقطة والشو الإعلامي أكثر منه إيمانا بجدوى الحوار وما ينتج عنه من مقترحات وحلول؛ فقد دأب السيسي على فرض أوامره على الجميع بقوة البطش والعنف والإرهاب، وقد تربى في الجيش على ذلك؛ يأمر فيطاع دون نقاش أو مساءلة؛ وخلال السنوات الماضية برهن السيسي على أنه يحكم مصر كقائد عسكري وليس كرئيس محنك يعلم مقتضيات دوره وخطورة مهامه.