تواجه كبرى شركات الألبان في مصر خطر الإغلاق أو التخارج من السوق بسبب الارتباك والاضطراب المستمر في السوق المصري لأسباب عديدة أهمها أزمة الاسيتراد وارتفاع أسعار الأعلاف ما أدى إلى إغلاق آلاف المزاع الصغيرة لإنتاج الماشية والألبان، وزمةأزمةعدم ثبات سعر صرف الدولار بما يؤثر على تكاليف الإنتاج باستمرار وهو ما يجبر الشركات على تغيير السعر على فترات صغيرة في ظل تآكل قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم . هذه الأسباب أدت إلى تراجع المبيعات بشكل ملحوظ وتحقيق خسائر فادحة دفعت إدارات هذه الشركات إلى خفض معدلات الإنتاج لتقليل حجم الخسائر.
وتنتج مصر حوالي سبعة مليارات لتر سنويًا من اللبن. وتعتمد في ذلك على صغار المربين الذين يشكلون ما بين 80 و85% من إجمالي إنتاج الألبان. أما النسبة الأصغر التي لا تتجاوز 20%، فتنتجها حوالي 250 مزرعة كبيرة ونظامية باستخدام تكنولوجيا حديثة، بحسب تقديرات رئيس جمعية منتجي الألبان. وتبدأ رحلة إنتاج الألبان من الماشية، التي يصل إجمالي ما تملكه مصر منها 2.8 مليون بقرة، و1.4 مليون جاموسة، وفقًا لآخر تقديرات جهاز التعبئة والإحصاء لعام 2019، الصادرة العام في 2022م. ورغم أن الجنرال عبدالفتاح السيسي أطلق مشروع المليون ونصف المليون رأس ماشية سنة 2014م، إلا أن أعداد رؤوس الماشية انخفضت في مصر بنسبة 54.7% عام 2019، لتصبح 7.4 مليون، بدلًا من 16.3 مليون عام 2018، وفقًا لآخر إحصاء صادر عن جهاز التعبئة والإحصاء حول الثروة الحيوانية.
الشركات الكبرى تعاني
وينقل موقع “مدى مصر” عن مصادر بقطاع الألبان أن المصانع بدأت خلال اﻷسابيع الماضية في خفض مشترياتها من اللبن الخام من المزارع ومراكز التجميع، لتقليل الإنتاج في ظل تراجع المبيعات، نتيجة ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، ما تسبب في خروج عدد كبير من المربين من السوق، فيما بدأ بعض المزارع في بيع قطعانها بعد تكبد أصحابها خسائر فادحة. وحسب رئيس جمعية منتجي الألبان، أشرف سرور، فإن شركة جهينة، صاحبة الحصة الأكبر في سوق الألبان، أرسلت خطابًا رسميًا إلى المزارع المتعاقدة على توريد الألبان لها، في منتصف أبريل الماضي(2023)، تعلمها بخفض 25% من مشترياتها. أما شركتا بيتي والمراعي فقد خفضت 30% من مشترياتها.
ويضيف سرور: « بعد زيادة أسعار أغلب المنتجات في السوق المصري، الذي كشفت أزمة الاستيراد عن اختلال أساساته. اضطرت مصانع لإيقاف معداتها وإطفاء أنوارها، انتظارًا لعودة مستلزمات الإنتاج مرة أخرى. لكن، قطاع إنتاج الألبان لم يتمكن من فعل الشيء نفسه. الماشية لا يمكن تعطيلها مؤقتًا، ولا تتوقف عن طلب طعامها؛ فإما العلف أو النفوق. وفي غياب العلف تارة، وارتفاع أسعاره تارة أخرى، حاول بعض المنتجين الصمود، فرفعوا أسعار منتجاتهم من الألبان بنسبة وصلت إلى 63%، مقارنة بعام 2021م. لكن عشرات المزارع الأخرى لم تستطع الصمود بعدما تكبدت خسائر بالملايين. ويتابع: ««صحيح احنا عندنا مشكلة خارجية، بس لو القطاع واقف على عمدان صلبة هيقدر يمتص الصدمة ويتحملها لوقت أطول». ويرى أن أزمة الاستيراد ليست المتهم الوحيد وراء معاناة قطاع الألبان، وإنما فقط كشفت مدى هشاشة قطاع وثيق الصلة بملايين المصريين وأمنهم الغذائي.
يقول مالك إحدى المزارع المتعاقدة مع «جهينة» ـ طلب عدم ذكر اسمه ــ إن الشركة بدأت منذ نحو شهر في رفض استقبال كميات جديدة من الألبان بحجة تراكمها في المخازن. وأضاف: «الحاجات كانت بتقعد في العربيات تلات أيام وفي الآخر بعد ما ياخدوا عينة منها يقولوا الحموضة رفعت فيها ومش هنقدر ناخدها». ووصلت الأزمة إلى صناعات الأجبان، فخفضت شركة عبور لاند 30% من طاقتها الإنتاجية، وخلال موسم رمضان، أوقفت الشركة وشركات أخرى استقبال كميات الألبان لمدة أسبوع كامل من المزارع، وهي، وفقًا للمصدر، سابقة تعكس مدى سوء وضع السوق.
التخلص من قطعان الماشية
لقطاع الألبان في مصر مسارات محددة، حيث تورّد المزارع الصغيرة اللبن الخام إلى نقاط تجميع منتشرة في القرى والمدن الصغيرة، ثم إلى مراكز تجميع إقليمية، ثم توزع حسب مراحل التصنيع، اعتمادًا على درجة جودة اللبن، التي تنقسم إلى ثلاث درجات: الأفضل، ويستخدم في إنتاج الحليب الطازج أو المُعلب وتستحوذ «جهينة» على الحصة الأكبر منه، والدرجة الثانية، يذهب لصناعة الزبادي والأجبان والسمن وغيرها، والأقل جودة وسعر، يذهب إلى معامل الأجبان «البلدي» في الأرياف والمدن الصغيرة.
وفي ظل ارتباك الأسواق وتراجع المبيعات وخفض الشركات الكبيرة لمشترياتها من الألبان، بدأت المزارع في بيع إنتاجها إلى معامل الأجبان المحلية بسعر عشرة جنيهات للتر، في حين أن كبرى المصانع تشتريه بسعر 17 جنيهًا، بينما من المفترض أن السعر العادل للتر اللبن الخام 21 جنيهًا. توافر ألبان الدرجة الأولى لمعامل الأجبان الصغيرة، والتي كانت تحصل عادة على ألبان الدرجة الثانية والثالثة، جعلها ترفض شراء الدرجات الأقل. «دلوقتي اللبن الدرجة التالتة والتانية ما بقاش حد بيشتريه خالص في حين لبن الدرجة الأولى بقى بيتباع بعشرة جنيه». هذه الخسائر التي طالت الشركات الكبرى وأصحاب المزارع دفعت بعضهم إلى بيع قطعان الماشية بالتدريج في ظل ضعف البيع، وانخفاض سعر الألبان أكثر من سعر التكلفة، وقدرـ صاحب إحدى المزارع ــ خسائره بآلاف الجنيهات، مشيرًا إلى أنه استجاب لمبادرة السيسي، واشترى أبقارًا مستورد مدرة للألبان يتجاوز سعرها 100 ألف جنيه للبقرة الواحدة، واضطر في النهاية لبيعها بعد ارتفاع تكلفة إطعامها في ظل الزيادة القياسية لأسعار الأعلاف، وانخفاض شراء إنتاجها في الوقت نفسه.
أزمة تسعير الألبان والأجبان
وحسب مصدر بشركة عبور لاند التابعة للجيش فإن «الجبنة غموس الشعب، فما أقدرش أرفع السعر لأن الحال كده كده واقف. اللي أقدر أعمله إنى أنزل طاقتي الإنتاجية عشان أوقف الخسائر، لكن المزارع هي المتضرر الأكبر من اللي بيحصل، لأن ما عندهاش اختيارات غير إنها تبطل شغل وفي نفس الوقت المواشي مش هتبطل تاكل».
ويتم تسعير الألبان من خلال التعاون بين الجمعية وشركة جهينة بشكل أساسي، باعتبارها تحصل على أكبر حصة من المزارع والفلاحين، بناءً على معادلة سعرية تضم تكاليف التغذية والإنتاج ومعدلات التضخم، بحسب سرور. ساهم ذلك في ثبات السعر لفترات طويلة واستقراره ضمن نطاقات محددة رغم اختلاف منتجيه. ومع تفاقم أزمة الاستيراد وارتفاع أسعار الأعلاف، نقل المنتجون ارتفاع أسعار تكاليفهم للمستهلكين، فزادت أسعار الألبان ومنتجاتها، ووصل سعر لتر اللبن غير المعبأ في الأسواق إلى ما بين 20 و23 جنيهًا، مقارنة بـ14 و16 جنيهًا عام 2021، فيما ارتفع سعر اللبن المعبأ بنحو عشرة جنيهات ليصبح 28 جنيهًا. لكن، حتى تمرير تلك الزيادة للمستهلكين، لم يكفِ لتعويض خسائر المنتجين. ومنذ بداية أزمة الاستيراد، العام الماضي(2022)، بدأت عشرات المزارع الصغيرة في تصفية أعمالها أو تقليص أعداد قطعان الماشية لديها. أما المزارع الأكبر، ذات القدرة الأقوى على الصمود أمام تقلبات السوق، فأُغلق منها حتى ديسمبر 2022م، بحسب سرور، نحو عشر مزارع من أصل 250 مزرعة.