بالأرقام..انهيار مشروع  السيسي لـ”المليون ونصف رأس ماشية”نموذج لتغول العسكر في غير تخصصهم

- ‎فيتقارير

 

 

لا يكل السيسي ولا يمل من اختراع مشاريع وتبنيه خططا فاشلة، لا لشيء سوى إسنادها لغير أهلها من المتخصصين، وغالبا ما يكونون من فئة العسكريين، دون اكتراث بحجم الخسائر المالية التي تتكبدها الدولة وتؤثر سلبا على حياة المواطن، معتمدا على تزييف إعلامي كبير من إعلام البغال، يزينون الباطل ويكتمون المساوئ والكوارث، بجانب ذاكرة السمك التي باتت السائدة عند عموم المصريين.

ومن ضمن تلك المشاريع التي كلفت الدولة المليارات دون فائدة، مشروع “المليون ونصف مليون رأس ماشية” والذي بات مثالا ونموذجا للفنكوش، على شاكلة مدينة الأثاث بدمياط، التي تبرأ السيسي من إنشائها، مؤكدا أنها أُقيمت بغير دراسات جدوى، التي غالبا ما يكفر بها السيسي في مشاريعه.

 

وزير الزراعة يتأخر والعسكري يتقدم

 

وفي 2014، رسمت الحكومة خطة تحت اسم «مشروع المليون ونصف رأس» وهي خطة من شقين: التوسع الأفقي في أعداد مزارع الماشية ومصانع إنتاج الألبان، والتوسع الرأسي من خلال رفع إنتاجية المزارع القائمة بالفعل وزيادة كفاءتها.

 

بالفعل، في نهاية 2019، افتتح السيسي مجمعا ضخما للإنتاج الحيواني بمدينة يوسف الصديق بالفيوم، على مساحة 458 فدانا، تقدم السيسي ورجال بالزي العسكري الصفوف، وفي الصف الأخير وقف وزير الزراعة المتخصص مع آخرين، يستمعون جميعا إلى شرح توضيحي لإمكانات المجمع الذي يضم ثلاث مزارع لتربية وتسمين الماشية بطاقة استيعابية 18 ألف رأس ومجزرا آليا ومركزا للأبحاث البيطرية ومنافذ بيع، كل ذلك كان من تنفيذ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، بناء على توجيهات السيسي.

 

لم يتوقف طموح السيسي عند هذا الحد، قبل أن يثمر بناء المجمع الحيواني عن نتائج يمكن دراستها والتعلم منها، كانت الخطة تجري على قدم وساق لتنفيذ تسعة مشروعات مُشابهة، ومصنعين للألبان بحلول 2020 ضمن المرحلة الأولى فقط من مشروع «المليون ونصف مليون رأس» نُفذ منها بالفعل «مجمع الإنتاج الحيواني رقم 8 قبلي ‏قارون» بالفيوم أيضا، ومجمع آخر في النوبارية، وأخيرا مجمع في مدينة السادات بالمنوفية.

 

هدف المشروعات، بحسب تصريحات مدير جهاز الخدمة الوطنية الأسبق، مصطفى أمين، «تحقيق المساهمة مع أجهزة الدولة في تقليل الفجوة الغذائية في مجال البروتين الحيواني، وخفض استيراد المنتجات الحيوانية».

بداية الخراب

 

لكن، بعد أقل من ثلاث سنوات، أُغلق مجمع يوسف الصديق في منتصف العام الماضي، دون صدور أي تصريحات رسمية، فيما بقي جزء من المجمع لا يزال يعمل، لكن في تغليف بسكويت المدارس.

 

مجمع قارون أيضا أُغلق مؤخرا، أما مجمعا السادات والنوبارية لا يزالان يعملان، لكن بطاقة إنتاجية أقل بكثير، وذلك بعد خسائر فادحة تكبدتها المجمعات الأربعة.

أسباب الانهيار ووفق خبير زراعي، فإن قطاع الإنتاج الحيواني يحتاج خبرة تراكمية، يعني العامل والدكتور يحتاجون سنوات لكي يقدروا يعتنوا بمجمع إنتاج حيواني، أما في  الضابط والعسكري، ليديروا مجمع بهذه الضخامة ومجند يخلص مدته ويمشي بعد شهور، ليس مثل المتخصص في الإنتاج الحيواني.

 

وبالتوازي مع ذلك، اتجهت الحكومة لزيادة إنتاجية الماشية من الألبان، من خلال مشروع اقترحه السيسي أيضا، وواظب على ذكره في أكثر من مناسبة.

الاستيراد من الخارج

 

المقترح يبدو بسيطا للغاية، رؤوس الماشية المحلية تنتج ما بين ثلاثة وخمسة كيلو لبن يوميا، فيما تنتج السلالات المستوردة متوسط 30 كيلو، وقد تنتج بعض السلالات 60 كيلو، فلماذا لا تتطور صناعة الألبان المحلية وتعتمد على تربية ماشية مستوردة تنتج لبنا أكثر، لتعويض الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك في الألبان؛ والبالغة ثلاثة ملايين طن تقريبا.

 

ذكر السيسي مقترحه عدة مرات، وأعلن عن تبني الدولة لذلك المشروع، كما طلب من المؤسسات الخيرية أن توفر أبقارا مستوردة كمساعدات للأسر الفقيرة. «عاوز تطلع دعم وزكاة مال وصدقة أي حاجة، أنت تأكلني ولا تديني رأس زي دي؟ هتديني الرأس دي مرة ومش هتأكلني تاني خلاص» قال السيسي خلال لقاء جمعه بمدير جمعية الأورمان.

 

ولكن الحل المقترح من السيسي ليس بالسهولة التي يبدو عليها، تحتاج البقرة المستوردة إلى نظام غذائي مُحكم يكلف في المتوسط يوميا أكثر من 400 جنيه للبقرة الواحدة، بينما تكلف المحلية التي تتغذى بشكل جيد 150 جنيها، بحسب تقديرات عاملين بقطاع الألبان، وهو ما يناقض المعلومات التي أكدها السيسي خلال طرحه لفكرة المشروع، إذ قال إن الماشية المستوردة والمحلية تتساوى في الاحتياجات الغذائية. 

 

بخلاف ذلك، تُصاب الماشية المستوردة بأمراض تملك نظيرتها المحلية مناعة منها، مثل الحمى القلاعية، وفي حالة توفير الطعام والدواء للأبقار المستوردة، بتكاليفها الباهظة، ستظل تعاني من ارتفاع درجات حرارة الجو في مصر، والتي تتزايد مؤخرا، وهو ما يزيد من فرص إصابتها بالإجهاد الحراري، ويُخفّض إنتاجيتها، ما يحتم ضرورة وجود نظام تبريد، وهو ما يعني تحميل تكلفة إضافية على صغار المربين، الذين يمثلون النسبة الأعظم من السوق، بحسب  متخصصيي التغذية الحيوانية.

 

وإذا توافرت كل تلك العوامل للماشية المستوردة، ستحتاج إلى التزاوج لإنتاج المزيد من الماشية لتعويض التي تنفق على الأقل، وللحفاظ على نقاء السلالات المستوردة، لضمان الحصول على نفس معدلات الإنتاج من اللبن.

هنا ستظهر الحاجة إلى الاستيراد مجددا؛ إما أبقار ذكور بأموال طائلة للتزاوج مع قطعان إناث الأبقار، أو استيراد نُطف الذكور وتلقيح الإناث صناعيا، وفي الحالتين يستلزم وجود إشراف طبي.

حيث تتكلف النطفة الواحدة 120 دولار، وممكن تنجح وممكن لأ، غالبا بنجرب أكتر من مرة لحد ما التلقيح يحصل، وفق مصدر قطاع الإنتاج الحيواني.

 

وبحسب مسئولو التغذية والمصدر بقطاع الإنتاج الحيواني، فإن الحل الأجدر بالتنفيذ هو الاستثمار في تحسين السلالات المحلية عوضا عن هدر أموال في مشاريع كفيلة بالقضاء على الثروة الحيوانية في مصر.

إزاي المنتجين اللي هم معظمهم صغار مربين هيقدروا يتعاملوا مع كل ده ويتحملوا تكاليفه؟ الفلاح لو الجو حر بيرش للبقرة البلدي شوية ميه، ويشربها زيادة، ولو مش معاه يجيب علف، هيأكلها برسيم وشوية حاجات من بيته وتمشي الدنيا، لكن المستورد لا يتحمل النظام ده، المحلي قدرته أكبر على استحمال ظروف طقسنا»، يقول استشاري تغذية.

 

المسؤولون كذلك لا يتفقون مع توجه السيسي وزير الزراعة، السيد القصير، الذي ظهر في أكثر من مناسبة يهز رأسه موافقا على كلام السيسي، قال في جلسة مع عاملين بالقطاع إن فكرة هذا المشروع خاطئة»، بحسب مصدر حضر الاجتماع وتحدث مع صحفيين لاحقا.

السيسي عدو العلم

 

وفي كل مرة طرح فيها السيسي الموضوع من جديد، كان يقابل بأسئلة من المختصين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حول جدوى استيراد ماشية تصل تكلفة الرأس الواحدة إلى ثلاثة آلاف دولار، في مقابل المصرية التي لا يتجاوز سعرها 900 دولار.

وفي مقابل مشروعات السيسي التي لم تسفر عن شيء تقريبا، كانت التضييقات جارية على المزارع القائمة.

«الحكومة بتطالب المنتجين بتخفيض الأسعار وعشان ده يحصل لازم يكون في وفرة في الإنتاج، إزاي ده يتم وفيه تضييق على توسع المزارع القديمة وعلى بناء مزارع جديدة من 2017؟، وفق فلاحين.

تشمل تلك التضيقات الرفض الحكومي المتكرر لطلبات المزارع القائمة بالتوسع أو إنشاء مزارع جديد، وأصبحت محاولة تجديد أي مزرعة، مؤخرا، تحتاج موافقات كثيرة وأموالا طائلة، خاصة بعد إصدار قرار 615 لعام 2016، الذي اشترط حصول مزارع الإنتاج الحيواني على موافقة وزارة الزراعة وجهة الولاية على الأرض، سواء المحافظة أو هيئة التنمية العمرانية أو هيئة الإصلاح الزراعي.

لكن تلك الموافقات ليست مجانية، بل تطلب هذه الجهات مبالغ كبيرة لترخيص أي مبنى جديد في المزرعة أو هدم مبنى لتجديده، أو حتى تجديد مبنى قائم. «المحافظة تيجي تقولي هات 800 ألف جنيه عشان أديك ترخيص تجديد مبنى، بس أنا واخد الأرض أصلا بـ200 ألف جنيه، أكيد الأسهل لي أني أقف خالص وأتحمل خسارة ثمن الأرض، بحسب مواطنين.

الأزمة ليست أزمة خسائر للمزارعين والمستثمرين والسيدات اللاتي يعتمدن على بيع منتجاتهن في الأسواق لشراء الطعام لأسرهن فحسب، فنقص الألبان يهدد برفع أسعار منتجات البروتين الرخيصة، كالأجبان؛ ما سيقلل من قدرة المصريين على شرائها، أو يدفعهم لشراء الأنواع الأرخص منها، والتي تعتمد على استخدام الزيوت النباتية والألبان المجففة، لانخفاض أسعارها إلى النصف تقريبا مقارنة بالأجبان الطبيعية، خاصة بعدما تجاوز سعر كيلو الجبن الأبيض الطبيعي 100 جنيه في الأسواق، وسعر كيلو الجبن القريش 85 جنيها، فيما بلغت أسعار الأجبان الصفراء؛ 200 جنيه للجبن الرومي، و450 جنيها للجبن الفلمنك و300 جنيه للشيدر.

ولحل الأزمة، طرحت جمعية منتجي الألبان على الحكومة عدة حلول في أكتوبر الماضي؛ مثل تسهيل الحصول على التراخيص الجديدة، وخفض أسعار الطاقة، وتشجيع الاستثمار في صناعة تجفيف الحبوب للاعتماد على الذرة المحلية، وهو ما لم ترد عليه الحكومة حتى الآن، بحسب مصدر بالقطاع. بالإضافة لذلك، رفضت وزارة المالية طلبًا قدمته الجمعية بضم أنشطة الثروة الحيوانية، مثل مزارع الألبان، إلى قائمة الأنشطة الاقتصادية الواردة بالقرار رقم 61 لسنة 2022، لإعفائها من الضريبة العقارية لمدة ثلاثة سنوات، لمحاولة خفض التكاليف.

يشار إلى أنه خلال السنوات الماضية، انخفضت أعداد الماشية بشكل لافت ومتكرر ، وانخفضت أعداد رؤوس الماشية في مصر بنسبة 54.7% عام 2019، لتصبح 7.4 مليون، بدلا من 16.3 مليون عام 2018، وفقا لآخر إحصاء صادر عن جهاز التعبئة والإحصاء حول الثروة الحيوانية.

الانخفاض الحاد مفاجئا

كان هذا الانخفاض الحاد مفاجئا، إذ كانت الدولة تعمل بالفعل قبل ذلك بسنوات لرفع الإنتاج المحلي من الثروة الحيوانية والألبان وزيادة الاستثمارات فيه من خلال جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التابع لوزارة الدفاع، الحكومة تُدرك تماما أهمية الألبان للمصريين منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي ارتفعت فيها واردات مصر من الألبان لتصل إلى نحو 60% من حجم الإنتاج المحلي، أي أن المصريين في تلك الفترة اعتمدوا على استيراد أكثر من ثلث احتياجاتهم من الألبان، بحسب دراسة أعدها معهد التخطيط القومي في ذلك الوقت.