يغمز في دور الجيش.. البرادعي يعيد التذكير بمؤامرات “الطرف الثالث”

- ‎فيتقارير

أعاد الدكتور محمد البرادعي التذكير بالطرف الثالث أثناء أحداث الثورة المصرية (25 يناير2011 حتى الانقلاب في يوليو 2013م)، أو ما كان يطلق عليه المصريون سخرية (اللهو الخفي) في إشارة إلى المجموعات المنظمة التي كانت ترتكب الجرائم وتثير الفوضى ثم تختفي فجأة دون أن يتم اكتشاف حقيقتهم. والعجيب في الأمر أن أجهزة الدولة في هذه الفترة يبدو أنها كانت في حالة اتفاق مع هذه المجموعات المشبوهة فلم يعرف للداخلية أي  جهد يذكر في مواجهة هذه المجموعات أو الكشف عن عناصرها.

وعلق البرادعي الذي كان رئيسا ومؤسسا لحزب الدستور ونائبا للمؤقت عدلي منصور بعد الانقلاب العسكري على صورة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان  أثناء تصويته في الانتخابات التركية التي جرت الأحد الماضي (14 مايو 2023م) وهو يقف في الطابور مثل أي مواطن.

ونشر البرادعي تغريدة للكاتب المصري جمال سلطان، احتفى فيها بصورة أردوغان، وسخر ممن يصفه بالديكتاتور. وعلق  المدير العام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية: “عندما وقفت فى الصف مع عائلتي للإدلاء بصوتي في الاستفتاء على التعديلات الدستورية يوم ١٩ مارس ٢٠١١ في المقطم، ظهرت فجأة مجموعة كبيرة منظمة، واعتدت علي بالحجارة وكسر الرخام!”. وأضاف ساخرا: “ما زال التحقيق جاريا حتى الآن للتعرف على الجناة ؛) الديمقراطية كانت ماشاء الله باينة من أولها”. وحينها، أصيب البرادعي الحائز على جائزة نوبل للسلام، بحجر واحد على الأقل في ظهره عندما اندفع نحوه مجموعة من الشبان وهم يرشقونه بالحجارة والأحذية، ويقذفونه بالمياه. وقال بعضهم تعليقا على إعلانه ترشحه للرئاسة حينها: “انه يعيش في أمريكا ونحن لا نريد ان يحكمنا أمريكي”. وأضاف اخر “لا نريد عملاء أمريكيين”.

الاعتداء على البرادعي حينها كان بتدير من العصابة الحاكمة (عصابة الجنرالات والمجلس العسكري)، وروجت بعض وسائل الإعلام الموالية للجيش بأن عناصر من الإخوان هم الذين اعتدوا على البرادعي؛ وذلك وفق مخططات شق الصف الوطني الثوري منذ الأيام الأولى للثورة.

من جانبها، دانت جماعة الإخوان المسلمين هذا الاعتداء على رمز بحجم البرادعي وطالبت القوات المسلحة بفتح تحقيق حول الواقعة. وقال الدكتور عصام العريان، المتحدث باسم الجماعة وقتها والذي لقي ربه شهيدا في سجون العسكر في 13 أغسطس 2020م: «إن هذا التصرف تعد على شخصية لها وزنها فى الحياة السياسية المصرية وتصرف غير مقبول تجاه مواطن من حقه الطبيعى أن يدلى برأيه فى الاستفتاء، سواء اتفق مع الجمهور أو اختلف». وأضاف فى تصريحات صحفية: «يجب على القوات المسلحة فتح تحقيق فى الحادث للوصول إلى المعتدين ومحاسبتهم على فعلهم الذى تطاولوا فيه قولاً وفعلاً على إحدى القامات السياسية المصرية، فضلاً عن كونه أحد المعلنين عن اعتزامهم خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة». وقال الدكتور محمد سعد الكتاتنى، عضو مكتب الإرشاد: «إن هذا الفعل لا يعبر من قريب أو من بعيد عن روح ثورة (25 يناير)، ولا يمثل التقدير المنطقى الذى يجب أن تحظى به واحدة من الشخصيات التى أثارت الحراك السياسى ومسار الإصلاح فى مصر».

وتعجب الخبير القانوني الأستاذ صبحي صالح (معتقل حاليا في سجون العسكر) من  بعض الأصوات التي اتهمت شباب من الجماعة بالاعتداء على البرادعي قائلا: «الاعتداء على البرادعى، تصرف غير لائق وأعتقد أنه مقصود، وسواء كنا نتفق أو نختلف معه فهو قيمة مصرية، ومثلّ مصر فى منظمات دولية»، وحول الاتهامات التى توجه لشباب الجماعة بالاعتداء عليه، أضاف لـ«المصرى اليوم»: نحن نفعل ذلك؟! (عمرنا ما ضربنا حد) من الذين كانوا يعتدون علينا من الأمن؟!».

وفي مقاله (شخصية العام : الطرف الثالث)  المنشور بصحيفة “الشروق” بتاريخ الأحد غرة يناير2012م؛ اعتبر الكاتب الصحفي وائل قنديل (الطرف الثالث) هو نجم 2011 بلا منازع، حيث فرض نفسه على أدق تفاصيل حياة المصريين، وصار اللاعب الرئيسى فى كل السيناريوهات والمخططات والألاعيب التى لم تتوقف منذ مارس 2011م.

يؤكد قنديل أن  الظهور الأول للطرف الثالث والذى يمتلك قدرة هائلة على التلون والتحور والاختباء خلف مسميات عدة كان فى الثامن والعشرين من يناير 2011 (جمعة الغضب) والذى استخدمه نظام مبارك لتبرير جرائمه فى قتل المتظاهرين وإشاعة الفوضى وفتح السجون وصناعة الانفلات الأمنى. ويشدد على أن عملية تصنيع هذا «الطرف الثالث» جرت فى ورش نظام مبارك من خلال إطلاق السجناء لترويع المصريين فى محاولة يائسة لإجهاض الثورة قبل أن تكتمل وتطيح بالمخلوع وعصابته.

ويوثق قنديل جرائم هذه العصابة وعلاقتها بالجيش والمجلس العسكري، مشيرا إلى أن استخدام «الطرف الثالث» كفزاعة وشماعة لم يكن حكرا على نظام مبارك فقط، فقد ورثه المجلس العسكري واستخدمه وفق الكتالوج ذاته فيما بعد، ليظهر فى التاسع من مارس2011 ، حين سجلت ذاكرة العام أول واقعة اقتحام خشن من الشرطة العسكرية للميدان لفض الاعتصام السلمى بالقوة، ليسقط شهيد ويصاب العشرات وتتم عملية اعتقالات واسعة، ونسمع لأول مرة عن كشوف العذرية، ويساق المدنيون إلى المحاكمات العسكرية. وبعد ذلك بدأت سلسلة من الضربات العنيفة للمتظاهرين كان أشرسها ما جرى فى 8 أبريل، ثم جاء مايو ويوليو ليشهدا أحداثا مشابهة، حتى كان الحضور الأبرز للطرف الثالث فى مجزرة دهس المصريين بالمدرعات أمام ماسبيرو، وهى الجريمة المسجلة بالصوت والصورة، ورغم ذلك يخرج المتحدثون باسم المجلس العسكرى ليتحدثوا عن «طرف ثالث» استهدف الجيش والشعب معا! ومنذ ذلك التاريخ ــ حسب قنديل ـ و«الطرف الثالث» شريك أساسى فى كل الجرائم التى ارتكبت فى حق الثوار والمعتصمين، ليفرض نفسه نجم الشباك فى مذبحة شارع محمد محمود يوم 19 نوفمبر ، ثم يواصل تألقه على مسرح العبث السياسى فى مصر فى جريمة الاعتداء الغاشم على اعتصام مجلس الوزراء.

ولتأكيد الهوية الأمنية والعسكرية للطرف الثالث يضيف قنديل: «للحق فقد أسدى الجنرال «طرف ثالث» خدمات جليلة لجماعة الحكم فى مصر بعد الثورة، على نحو يشعرك بأنه لو لم يكن موجودا لاخترعوه، حيث استخدم كملاذ آمن للتهرب من جرائم واضحة وضوح الشمس، حتى بات عنصرا أساسيا فى معادلة الحكم والإدارة خلال المرحلة الانتقالية، لا يمكن الاستغناء عنه، إلى الحد الذى دفع البعض لاعتباره الطرف الأول والأقوى فى حكم البلاد الآن».

ويتهكم قنديل بأسى متابعا: «لم تقف شهرة «الطرف الثالث» عند حدود المحلية، بل فرض نفسه نجما على المستوى الإقليمى والدولى، حتى إن صفحة «بوليتيكال آلش» على فيس بوك تحدثت عن أن صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية وضعته فى صدارة قائمة الشخصيات الأكثر تأثيرا فى الوطن العربى خلال 2011م. وإلى أن يقضى الله أمرا سيظل «الطرف الثالث» محتفظا بمكانته فى مصر، وربما نسمع قريبا أنه وراء المداهمات المخجلة التى نفذتها قوات الجيش والأجهزة الأمنية لمقار المنظمات العاملة فى مجال الحريات وحقوق الإنسان، ولم لا وهو يمتلك كل هذه القدرة على التحول والتحور والتلون؟. وختم قنديل مقاله  بدعاء لم يستجب (اللهم ارزقنا سنة جديدة بدون طرف ثالث ولا لهو خفى).

لاحقا دبر اللهو الخفي أبشع انقلاب عسكري في تاريخ مصر وسيطر عليها بالحديد والنار لمدة عقد كامل (2013 ـ2023)، دمرها وأفلسها اقتصاديا وسياسيا بعدما  أفلسها من قبل إنسانيا وعلميا وخلاأخلاقيا. وجعلها اضحوكة بين العالمين. فهل يشك البرادعي اليوم أو أحد من أبناء الثورة المخلصين في هوية هذا الطرف الثالث الذي اعتدى عليه أثناء استفتاء 19 مارس؟!