قراءة في دور الجيش المصري في عهد الدولة الوطنية

- ‎فيتقارير

برهنت كل التجارب خلال العقود الماضية على أن دور الجش المصري  في مرحلة ما بعد الاستعمار هو تهميش الإسلام وسحق المجتمع وفرض العلمنة والاستئثار بالسلطة لحماية المصالح الغربية في مصر والمنطقة. وتجارب التاريخ خير برهان على ذلك.

 

محطات ثلاث

الأولى، حين دعا ملك فرنسا لويس التاسع (1226ــ 1270م) أوروبا كلها إلى الاحتشاد خلفه في حملة صليبية سابعة "1244م"، لاستعادة بيت المقدس بعدما حررها صلاح الدين الأيوبي بعد معركة حطين (583 هــ 1187م)، قرر أن يتوجه بهذا الجيش الأوروبي الضخم لاحتلال مصر؛ لأنها الحصن الحصين  للإسلام والمسلمين، فإذا سقطت تداعت باقي الدول في السقوط، فالسيطرة على القدس تبدأ من السيطرة على القاهرة. وحسب المؤرخ الدكتور جمال الدين الشيال (1911- 1967م)، في كتابه “تاريخ مصر الإسلامية”، فإن لويس التاسع، تحرك من فرنسا على رأس قوة عسكرية من 80 ألف جندي محمولين مع العتاد والخيول على 1800 سفينة، فيما عُرف بـ”الحملة الصليبية السابعة”، ليصل في يونيو 1249م إلى دمياط (250 كلم تقريبا أقصى شمال شرق العاصمة المصرية القاهرة). صادف ذلك مرض السلطان الصالح ثم وفاته. لكن المجتمع تكفل بحماية نفسه والدفاع عن بلاده ضد الغزاة المحتلين، وتمكن من هزيمة الفرنجة وأسر قائدهم لويس التاسع الذي سجن في دار بن لقمان في إبريل 1250م. حتى افتدته زوجته مارجريت بفدية ضخمة وعاد إلى فرنسا محملا بعار الهزيمة والأسر. خلاصة هذه المعركة أن لويس التاسع هزمته الأمة.. هزمه المجتمع.. كان دور الأمة والمجتمع سابقا على دور الجيوش وقتها كما قال لنا المؤرخ المعروف ابن إياس (ت: 1524م) في كتابه: "بدائع الزهور ووقائع الدهور" (إصدار الهيئة العامة للكتاب).. يقول: وقدمت الشواني بالمحاربين والسلاح، وأعلن النفير العام في البلاد فهرول عوام الناس أفواجاً من كافة أنحاء مصر إلى المنصورة لأجل الجهاد ضد الغزاة. وكان لسلطان العلماء العز بن عبدالسلام دور عظيم في هذا النصر المبين كما كان لعلماء الصوفية الحقة دور بارز في هذا الجهاد العظيم وعلى رأسهم الحسن بن الشاذلي وتلاميذه.

المحطة الثانية،  مع الحملة الفرنسية التي قادها الجنرال نابليون بونابرت على مصر والشرق (1798 ـ1801م)، والتي قوبلت بمقاومة شعبية جارفة لأن الإسلام يأمر المؤمنين بالدفاع عن أنفسهم وأوطانهم ضد كل عدوان واحتلال لينالوا شرف النصر أو الشهادة  في سبيل أن تبقى بلادنا حرة وأمتنا غير مستعبدة وإن لم يفعلوا مسهم غضب عظيم من الله كما ورد في سورة الأنفال { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15) وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)}. ومعلوم أن جهاد العدو جهادان: الأول جهاد الطلب (فتح بلاد العدو لتوسيع الإمبراطورية الإسلامية وعرض الإسلام بعد ذلك على الناس طواعية دون موانع) وهو مستحب. والثاني جهاد الدفع (الدفاع عن الأمة والوطن ضد  الغزاة المحتلين) وهو فرض عين من تهرب منه ارتكب إثما عظيما. فثار المصريون على الفرنجة في ثورة القاهرة الأولى (1798)، وثورة القاهرة الثانية، بخلاف مئات المواجهات على امتداد البلاد وعرضها في كل مكان، حتى أجبر الفرنجة على الانسحاب من مصر بعد ثلاث سنوات فقط. ولم يكن لمصر في هذا الوقت جيش.

المحطة الثالثة مع حملة القائد الإنجليزي "فريزر" الذي قاد حملة عسكرية لاحتلال مصر سنة 1807م في سياق الأطماع البريطانية في مصر والشرق كله، لتكوين إمبراطورية بريطانية تكون قاعدتها مصر لمواجهة التحالف العثماني الفرنسي حينها. أدى ذلك إلى احتلال الإسكندرية من 18 مارس إلى 25 سبتمبر 1807. حينما فتح أهالي الإسكندرية، بسبب تذمرهم من محمد علي، بوابات المدينة أمام القوات البريطانية، مما سمح بواحدة من أسهل عمليات الاستيلاء على المدن من قبل القوات البريطانية خلال الحروب النابليونية. ومع ذلك، أثبتت محاولات التقدم نحو الداخل أنها كارثية مع هزيمة القوات البريطانية مرتين في معارك رشيد (الميناء الذي يؤمن مدخل النيل)، بتكلفة تزيد عن 900 ضابط وجندي قتيل وأكثر من 500 أسير. ولم يكن في مصر في هذا الوقت جيش والأمة وعلى رأسها علماء الأزهر الشريف هم الذين تولوا الدفاع عن الوطن بحث الناس على الجهاد في سبيل الله.

 

دروس من التاريخ

خلاصة هذه التجارب علمت الغرب النصراني أن قوة الأمة الإسلامية تكمن أولا في الإسلام وثانيا في قوة المجتمع وعلى رأسه علماء الدين في الأزهر والمدارس الإسلامية. فكان لا بد من ضرب مواطن القوة في أمتنا فشن الغرب أكبر حملة على الإسلام  والمجتمع المسلم من خلال تشجيع  الدعوات إلى  العلمانية باعتبارها الطريق الوحيد لهذه المجتمعات إذا أرادات أن تتقدم كما فعل الغرب في أوروبا حين تمرد على سلطان الكنيسة. وثانيا من خلال المساهمة في تكوين الدولة الوطنية بسماتها الحالية على أن تحكم هذه الدولة بالعلمانية من ناحية القيم وبرجال الجيش من ناحية الأشخاص، هي إذا وصفة لتدمير بلادنا على يد الجنرالات.  

 

الحرب على الإسلام والمجتمع

حين قامت الدولة الوطنية في أعقاب الاستعمار الذي خرج مجبرا بسبب تداعيات الحرب العالمية الثانية، وما لحق ببلاده من دمار رهيب،  أشرف المحتلون على تكوين هذه الدولة وتحديد ملامحها وسماتها، وقد ذكر ذلك كثير من قادة الانقلابات العسكرية في منتصف القرن العشرين في مذكراتهم والساسة الذين ساهموا في ميلاد هذا الكيان المسخ المسمى بالدولة الوطنية على أنقاض الأمة الإسلامية التي تفككت عبر عقود طويلة من الضعف والجهل وغياب الإرادة. وكانت حركة الضباط الأحرار والزعيم الخالد في سجلات الطغاة والمستبدين في مصر أحد أوضح التجليات لهذا الانتقال التاريخي بالغ الخطورة.. لم يكن الأمر فقط عملية "إحلال وتبديل" ضمن ديناميكيات التاريخ المعتادة.. لا.. لم يكن الأمر كذلك أبدا.. ولم يكن كذلك في يوم من الأيام حتى يومنا هذا. ليس فقط لوجود إسرائيل حاملة الطائرات الغربية في قلب الشرق كما كان يحلو للشهيد عبد المنعم رياض، رئيس أركان الجيش المصري بعد الهزيمة ( ت: 1969م)، وصفها.. ولكن وهو الأهم لضرب قوة المجتمع الإسلامي في أهم نقاط قوته (الإسلام ـ الأمة أو المجتمع).

وكانت القرارات المبكرة للضباط الأحرار سنة 1952م في التعامل مع الأزهر والأوقاف وكل التنظيمات المدنية والأحزاب؛ تهدف بوضوح وحسم وشراسة بالغة إلى القضاء على الأمة والمجتمع.. ليتحول المجتمع الى أفراد تملك زمامهم الدولة.. والدولة فقط.. وحسب الباحث هشام الحمامي فإن «تفكير الضباط الأحرار وثقافتهم التاريخية والاستراتيجية لا ترقى إلى ذلك المستوى من الإدراك التاريخي والاستراتيجي الكبير»، وتم ضرب الهوية الإسلامية وسحق أكبر حركة إسلامية في مصر والعالم "الإخوان"،  ولم تنتصف الستينيات على المصريين حتى كان الجميع (الأزهر ـ الأوقاف ـ الإخوان ـ القوى والأحزاب ـ المجتمع كله) خاضعا لسلطة الدولة العسكرية  في كل صغيرة وكبيرة.. واختفت وخافت وغابت الأمة وتنظيماتها الاجتماعية.

في كتابة "الأزهر والدولة: من يهيمن على من؟".. الذي ترجمه د. حمد العيسى ونشر أجزاء منه في مجلة الجزيرة الثقافية (السعودية) يقول د. تامر مصطفى أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة "سيمون فريزر" الكندية: أن ما أحدثه الضباط بعد 1952 هو أكبر توغل في تاريخ المؤسسة الدينية إذ عمل على ضم الأزهر إلى سلطة الدولة، فأصدر أولاً قانون الإصلاح الزراعي في أيلول/ سبتمبر 1952 والذي ضم الأوقاف في وزارة جديدة لها. ومن خلال السيطرة على أراضي الوقف اكتسب النظام أداة جديدة لمكافأة من يطيعونه ومعاقبة من يعارضونه، ثم تلى ذلك إلغاء المحاكم الشرعية، وهي محاكم كانت تعمل بموازاة المحاكم العلمانية التي أنشأها محمد علي. أما الخطوة الأكثر طموحاً، فأتت عام 1961 حين صد قانون "مشروع إصلاح/ تحديث الأزهر"، الذي أعاد تنظيم الأزهر بصورة جذرية بحيث جعله يتبع وزارة الأوقاف رسميا، وأصبحت جميع موارد الأزهر تمر عبر قنوات الدولة الملائمة ما منحها تأثيراً هائلاً على المؤسسة الدينية. وعندما رفض الأزهر هذا الأمر، عيّن عبد الناصر ضباطاً من القوات المسلحة لإدارة الأزهر تمثلت مهمتهم في إزالة أية مقاومة لسيطرة الحكومة.. ما حدث مع الأزهر الشريف وشيوخه وعلماؤه.. حدث مع التنظيمات الدينية المدنية غير الرسمية والأحزاب والنقابات وكل التجمعات المدنية الصلبة ذات التأثير والحشد الشعبيين. وهكذا حقق الضباط الأشرار مخططات الصليبيين على نحو لم يتوقعه حتى شياطين الكنيسة في الغرب. { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)}.