هناك ثلاثة أنواع من التربية؛ الأول هو التربية العدوانية، وهي التربية التي تقوم على حق العدوان على الآخرين بدعاوى التفوق العرقي أو الديني أو الطائفي أو غير ذلك من المبررات والمسوغات، وهي تربية عنصرية تقوم على تصورات مشوهة تدعي لأصحابها التفوق والحق في فرض تصوراتها على الآخرين بقوة القهر والسلاح؛ وتعتبر مدينة "إسبرطة" اليونانية القديمة مثالا حيا لمثل هذه النوعية من التربية العدوانية العنصرية، فقد كان الشعب كله يتدرب على فنون القتال حتى النساء والأطفال ومنحت "إسبرطة" لنفسها حق الاعتداء على الآخرين دون الحاجة لأي سبب من الأسباب؛ فمن حق الإسبرطي إخضاع الآخرين له دون الحاجة لمبرر.
وتمثل "إسرائيل" حاليا هذه النوعية السافرة من التربية العدوانية والتي تقوم على تفوق "اليهود" على غيرهم من الأمميين، وأن من حق اليهودي إخضاع الآخرين لسلطانه؛ وتحت هذه التصورات الشائهة جرى احتلال فلسطين وغيرها. ورغم حق الفلسطيني في الدفاع عن أرضه وفق قواعد القوانين الدولية إلا أن الدول التي تتبنى ذات الفلسفة في التربية العدوانية لشعوبها عادة ما تنحاز لإسرائيل على حساب فلسطين. نفس الأمر ينطبق على الولايات المتحدة الأمريكية التي تمنح نفسها حق شن الحروب الوقائية بدعوى الدفاع عن أمنها القومي، وهناك الكثير من بلاد العالم تمارس هذه التربية العدوانية كفرنسا وإنجلترا وروسيا والصين، وترى في امتلاكها أدوات القوة مسوغا لشن الحرب وقهر الآخرين ظلما وعدوانا.
ومن اللافت أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل هما الدولتان الوحيدتان في العالم اللتان تأسستا بطريقة غير طبيعية قامت على فلسفة التربية العنصرية لشعوبها؛ فأمريكا في جوهرها هي مجرد حملات أوروبية عدوانية غزت قارة أمريكا الشمالية بداية من سنة 1513م وقتلت السكان الأصليين (الهنود الحمر) في مذابح مروعة راح ضحيتها أكثر من "100" مائة مليون إنسان؛ وحتى اليوم لم تعترف أمريكا بالعدد الحقيقي للسكان الأصليين الذين تم إبادتهم على يد الغزاة الأوروبيين المتحضرين. نفس الأمر ينطبق على إسرائيل فقبل سنة 1948م لم يكن هناك بلد من الأساس اسمه "إسرائيل"، وعبر الهجرات اليهودية من كل دول العالم جرى تجميع اليهود الصهاينة في فلسطين، وبدعم دولي أمريكي أوروبي تمارس هذه الدولة الاستيطانية عمليات إبادة لشعب فلسطين منذ أكثر من سبعين سنة، قتلت الملايين وشردت الملايين ولا تزال حتى اليوم تمارس هذا العدوان الهمجي وسط دعم دولي وتواطؤ عربي.
أما النوع الثاني من التربية، فهو التربية الانهزامية؛ وهي التربية التي تفرض على الشعوب الخنوع للأعداء بدعوى الواقعية السياسية، والهدف من هذه التربية هو فرض أنماط الاستسلام على الشعوب أمام عدوها ؛ وقد كان الرئيس الأسبق محمد أنور السادات يبرر هرولته نحو اتفاق التطبيع مع الكيان الصهيوني بداية من سنة 1977م بأن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا؛ وخير مثال على هذه النوعية من التربية الانهزامية ما تقوم به النظم العربية حاليا ضد شعوبها أمام جميع أشكال الاحتلال؛ فالنظم العربية تفرض "التطبيع" على شعوبها والذي يمثل في جوهرة صك "إذعان" واستسلام للاحتلال والقبول به والتعايش معه ومنحه مشروعية زائفة؛ مقابل ضمان استمرارها في الحكم والسلطة.
النوع الثالث من التربية هو "التربية المتوازنة"، وهي التربية التي تقوم على تربية الشعب على احترام حق الأمم والشعوب الأخرى في الحياة وحرمة الاعتداء على أراضيها أو العدوان على ثرواتها أو تسويق مبررات زائفة لنهب أموالها أو حتى حقها في حرية الاعتقاد {لكم دينكم ولي دين ــ من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر}، ما دامت هي الأخرى تلتزم بهذا الميثاق الأخلاقي العظيم الذي وضع القرآن قواعده { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)} "البقرة".. فالمسلم لا يبدأ بالعدوان ولا يقاتل إلا من يقاتله وبالتالي فهي فلسفة تقوم على الحرب الدفاعية ردا على عدوان الآخر الذي لم يلتزم بالميثاق الأخلاقي للعلاقات بين الشعوب، التي يجب أن تقوم على أساس التعارف والتكامل وصولا إلى التكافل الإنساني، الذي يلزم الجميع بالوقوف مع الأمم التي تتعرض لكوارث طبيعية كصورة من صور التعاون الإنساني المنشود.
وقبل قرنين من الزمان تمكن (الغرب الصليبي بمفهومه الاستعماري) من شن حملة صليبية مختلفة عن الحملات السابقة مزجت بين الغزو العسكري (الحملة الفرنسية ــ الاحتلال الإنجليزي ـ احتلال معظم الدول الإسلامية منذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي) والغزو الثقافي (جامعات ومدارس أجنبية)، والغزو الديني (حملات التنصير التي تزايدت بشدة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين)، والغزو الاقتصادي (عولمة الاقتصادي وهيمنة الشركات العملاقة متعددة الجنسيات والعابرة للقارات). ومن أجل تحقيق أهداف هذه الحملة وضمان نجاحها تم إنشاء ما تسمى بالدولة الوطنية و تنصيب حكومات علمانية على رأس بلادنا (الوطنية!) في أعقاب التحرر الشكلي الذي جرى في منتصف القرن العشرين؛ هذه الحكومات العلمانية ــ التي سيطرت على السلطة بفعل صفقات سرية مشبوهة مع الاحتلال ــ تربت على الانهزامية والانبهار بالغرب وحضارته وتؤمن بعدم قدرة شعوبنا على مدافعة هذه الأمم ووقف غزوها الثقافي والحضاري والاقتصادي لبلادنا الإسلامية؛ بل ترى هذه الحكومات ضرورة استنساخ الحضارة الغربية بكل ما فيها ــ استثنت هذه الحكومات من المشروع الغربي الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة القانون ــ إذا ما أردنا التقدم والنهوض من جديد.
هذه الحكومات في سياق إيمانها بالمشروع الغربي وترحيبها بل تبنيها لاستنساخه في بلادنا، تعمل على تسخير كل مقومات الدولة الوطنية لإنجاح هذه الانقلاب الحضاري والديني، وتصر على فرض العلمنة على المجتمع من خلال القوانين والتشريعات وأنماط التعليم والإعلام وتغول وتمدد المدارس الأجنبية في بلادنا كنمط من أنماط التعليم الغربي بهدف تهميش الهوية الإسلامية والوطنية وتكريس التربية الانهزامية بين الشعوب حتى تذعن للمشروع الأمريكي الغربي وتعلن استسلامها أمام هذه المخططات الرامية لكسرها وسلخها من هويتها الإسلامية والوطنية.