فاز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بولاية رئاسية جديدة بعد الانتهاء من عملية الفرز بحصوله على (52.87%) من الأصوات مقابل (47.13%) لمنافسه كمال كليجدار أوغلو مرشح حزب الشعب العلماني الذي أسسه الدكتاتور مصطفى كمال أتاتورك.
وكان أردوغان (69 عاما) قد حدى استطلاعات الرأي ـ حسب وكالة رويترز ـ وحقق تقدما مريحا بخمس نقاط تقريبا على منافسه كمال كليجدار أوغلو في الجولة الأولى التي أجريت يوم 14 مايو الجاري (2023)، لكنه فشل في الحصول على نسبة 50% المطلوبة لحسم الجولة الأولى "من سباق له عواقب وخيمة على تركيا والوضع الجيوسياسي العالمي".
وتضيف رويترز في تحليل لها صباح الأحد 28 مايو 2023م مع بدء جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية التركية إن أداء أردوغان القوي بشكل غير متوقع وسط أزمة غلاء معيشية عميقة، وفوز تحالف يضم حزبه، العدالة والتنمية المحافظ وحزب الحركة القومية وأحزابا أخرى في الانتخابات البرلمانية، أدى إلى دعم الرئيس المخضرم الذي قال إن التصويت لصالحه هو تصويت للاستقرار. أما كليجدار أوغلو مرشح تحالف المعارضة المكون من 6 أحزاب، والذي يتزعم حزب الشعب الجمهوري الذي أنشأه مؤسس تركيا مصطفى كمال أتاتورك، فقد كافح معسكره لاستعادة الزخم بعد صدمة تفوق أردوغان في الجولة الأولى.
ووفقا لتقرير رويترز، فلن تحدد الانتخابات فحسب من سيحكم تركيا، وهي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) يبلغ عدد سكانها 85 مليون نسمة، ولكن أيضا كيف تُحكم، واتجاهات اقتصادها بعد أن انخفضت عملتها إلى عُشر قيمتها مقابل الدولار خلال عقد من الزمن، وكذلك شكل سياستها الخارجية التي أثارت غضب الغرب بسبب تنمية تركيا علاقاتها مع روسيا ودول الخليج.
وقال المرشح الرئاسي الذي حل في المركز الثالث سنان أوغان، وهو من غلاة القوميين، إنه يؤيد أردوغان على أساس مبدأ "النضال المستمر (ضد) الإرهاب"، في إشارة إلى الجماعات الموالية للأكراد. علما بأن أوغان حصل على 5.17% من الأصوات. في المقابل أعلن قومي آخر، هو زعيم حزب الظفر المناهض للهجرة أوميت أوزداغ، عن اتفاق يعلن دعم حزبه لكليجدار أوغلو، بعد أن قال إنه سيعيد المهاجرين إلى أوطانهم. وفاز حزب الظفر بنسبة 2.2% من الأصوات في الانتخابات البرلمانية التي أجريت هذا الشهر.
وأظهر استطلاع للرأي أجرته شركة كوندا للأبحاث والاستشارات أن نسبة التأييد المتوقعة لأردوغان في جولة الإعادة ستكون 52.7% مقابل 47.3% لكليجدار أوغلو بعد توزيع الناخبين الذين لم يحسموا أمرهم. وأجري استطلاع الرأي يومي 20 و21 مايو/أيار الجاري قبل أن يعلن أوغان وأوزداغ موقفيهما.
بين الاستقلالية والتبعية
ويرى الباحث يحيى عالم في مقاله على شبكة الجزيرة نت تحت عنوان(تركيا على مفترق الطرق.. الحرية والاستقلال أو التبعية)، أن فوز أردوغان يعني تعزيز سياسات أكثر حرية واستقلالية عن الغرب، بينما فوز كمال أوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري (علماني) يعني عودة السياسات التركية إلى التبعية للولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما.
ويقول إن أهمية الانتخابات التركية الراهنة، تكمن في استعادتها سرديات التأسيس من خلال منظورين اثنين، والبناء عليها من أجل مستقبل تركيا على المستوى الداخلي، وفي العلاقة بالمحيط الإقليمي والدولي، أي في تموقع تركيا إقليميا ودوليا في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة وما ينتج عنها من رسم خرائط جديدة للعالم في ظل تقسيم النفوذ بين القوة التقليدية والقوى الصاعدة، ونقصد الولايات المتحدة والصين، بحيث تسمح التشققات في بنية النظام العالمي والصراع الناعم والخشن بين القوى الكبرى، للقوى الإقليمية بالحركة والفعل وإمكانية التخلص من القيود التي يفرضها طابع الهيمنة الأحادي.
فالتوترات الحاصلة على مستوى النظام العالمي، وظهور قوى دولية جديدة تنازع القوة التقليدية في قيادة دفة العالم، يسمح بشكل طبيعي للقوى الإقليمية وفي مقدمتها تركيا، بتوسيع هامش الحرية والاستقلال واستعادة السيادة بتجلياتها المختلفة، ذلك أن جزءا من أوجه الصراع الداخلي الذي تزداد حدته في كل انتخابات، لا ينفك عن البعد الخارجي ومصالح القوى الكبرى، ومن ثم فإن كسب الرهان هو في حقيقته بين مشاريع سياسية تتباين رؤاها بخصوص استكمال مشروع الاستقلال الوطني، وتركيا في العقدين الأخيرين انزاحت بشكل واضح للتعبير عن إرادتها الوطنية المستقلة عن القيود والحواجز التي وضعت أمامها بالتتابع منذ نهاية القرن الـ19.
ذهاب أردوغان إلى آيا صوفيا في ختام حملته الانتخابية في الجولة الأولى، وذهاب زعيم حزب الشعب الجمهوري إلى قبر كمال أتاتورك، يمثل جانبا من صراع الرموز على أرضية انتخابية، مما جعلها انتخابات سياسية بأبعاد حضارية. ويمكن قراءة انعكاسات ذلك في الموقف السلبي لعدد من الدول الكبرى، التي رسمت ملامح جغرافيا القرن العشرين ونظامه العالمي ومؤسساته -إلى حدود اللحظة الراهنة- إذ لم تخل صحيفة أو مجلة من التعبير السلبي المصحوب بجملة من الاتهامات في حق أردوغان باعتباره حاكما دكتاتوريا، وحزبه باعتباره معبرا عن نزعة الهيمنة والتسلط، بل تضمنت افتتاحيات مجلات وصحف صورا توحي من حيث بعدها السيميائي إلى وضع الرئيس التركي الحالي في خانة مستبدين آخرين، أو مواقف فيها دعوة لعدم انتخابه.
بغض النظر عما يمكن أن يوجه لتجربة أردوغان من نقد فيما له صلة بحرية التعبير وغير ذلك، لكن الإعلام الدولي كان أداة معبرة عن طابع الهيمنة الذي يوجه القوى الكبرى، وإرادة الإضعاف وإبقاء تركيا وغيرها من الدول الصاعدة في حالة من التبعية، وهذا لا يخرج عن الموقف العام من التحولات التي شهدتها تركيا، والتباين في عدد من المواقف والقضايا، ومن ثم يمثل حزب الشعب الجمهوري بالنسبة لمستقبل تركيا، في نظر تلك القوى تعبيرا عن امتداد طبيعي لها، وعودة تركيا إلى حضنها الغربي الذي اختارته منذ قرابة قرن من الزمن.
لذلك تحمل الانتخابات الراهنة من هذا المنظور صراع إرادات داخلية، لكنه في العمق يضع تركيا على مفترق طرق في سياق دولي آخذ بالتشكل، وهو سياق إما أن تبحث تركيا لنفسها عن موطئ قدم فيه، تبرز فيه كقوة صاعدة، وإما العودة إلى ما قبل عقدين، فصراع الإرادات الداخلي يستبطن بشكل أو بآخر بعدا في العلاقة بالمستوى الدولي وكذلك امتدادا إلى المستقبل، والأهم من ذلك طبيعة تركيا الجديدة بمحدداتها السياسية والثقافية وعلائقها المتعددة، لذلك فالانتخابات الراهنة عبارة عن صراع قوي بأدوات السياسة وفي مسرح الانتخابات، لكنه صراع يحمل معه محددات ذات صلة بالحرية والاستقلال والتقدم.