توهجت شمس صباح يوم الإثنين 29 مايو2023، وهو أول أيام حكم الرئيس أردوغان في عُهدة جديدة، ويصادف الذكرى 570 لفتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الفاتح في 29 مايو1453، وبذلك يبدأ العهد الجديد استكمالا للفتح القديم، ومعلوم أن الفتح الثاني لمسجد آيا صوفيا كان على يد أردوغان.
أردوغان الذي حافظ على تصدره نتائج الانتخابات منذ تسعينيات القرن الماضي، حقق خلال مسيرته السياسية العديد من الإنجازات لتركيا، سواء داخل البلاد أو خارجها، ونقل البلاد إلى مراتب متقدمة على المستوى الاقتصادي والسياسي المحلي والدولي.
في وجه المؤامرات
الأهم من ذلك، هو حمايته تركيا من السقوط في فخ الانقلابات العسكرية التي عانت منها فترات طويلة، كما أنقذها من مؤامرات عديدة قادها تنظيم "غولن" الإرهابي، وتنظيمات أخرى مسلحة ما زالت تسعى للنيل من استقرار البلاد، بحسب تقرير لوكالة الأناضول للأنباء.
وعبر سياسته المنفتحة والنزيهة، حجز أردوغان موقعا متميزا لتركيا حول العالم، عبر قيادته جهود وساطة عادلة بين الدول، حققت الكثير من المصالح لبلاده وللعالم، كما جلبت إشادات دولية وأممية واسعة.
وسط ذلك كله، لم ينسَ الرئيس التركي النهوض ببلاده، عبر تأسيس اقتصاد حقيقي قوي وبنية تحتية متماسكة، حافظا على ثباتهما رغم الأزمات العالمية والمحلية الطاحنة، بل والانتصار لقيم شعبه التي عانى لأجل الحفاظ عليها طوال عقود.
في 26 فبراير 1954، ولد أردوغان في مدينة إسطنبول، لأسرة تنحدر أصولها من ولاية ريزة على البحر الأسود، شمالي البلاد، ولدى بلوغه سن المدرسة التحق بمدارس "الأئمة والخطباء"، التي تخرج منها عام 1973.
منذ طفولته، أحب أردوغان كرة القدم، ما دفعه إلى ممارستها في أحد نوادي إسطنبول، لكن بسبب رفض والده لم يكمل المسيرة الاحترافية في عالم الرياضة، ليسمح ذلك له بالوصول إلى عالم أوسع.
وخلال دراسته بجامعة "مرمرة" في إسطنبول، لعب أردوغان دورا نشطا في الفروع الطلابية لاتحاد الطلاب الوطني، وفي 1976 انتخب رئيسا لفرع شباب بيوغلو التابع لحزب السلامة الوطني (MSP) ثم رئيسا لفرع الحزب بإسطنبول.
تزوج أردوغان عام 1978، من عقيلته السيدة "أمينة"، التي تنحدر من ولاية سيرت، جنوب شرقي البلاد، والتي تظهر باستمرار بجواره وداعمة له في المناسبات المختلفة، وأنجبا أربعة أبناء، بنتان وصبيان.
وعقب الانقلاب العسكري في 12 سبتمبر 1980، بدأ أردوغان عمله كإداري رفيع في القطاع الخاص، بعد إغلاق الأحزاب السياسية، قبل أن يتخرج من الجامعة عام 1981، بحصوله على بكالوريوس الاقتصاد والتجارة.
بحلول 1983، عاد أردوغان للحياة السياسية، مع تأسيس حزب الرفاه، ليتولى منصب رئيس فرع منطقة بيوغلو بإسطنبول في 1984، ثم توليه رئاسة فرع الحزب بالمدينة نفسها، ثم عضوية لجنته المركزية عام 1985.
وفي 1994، بدأت تتضح معالم المسيرة السياسية لأردوغان، إذ رشحه حزب الرفاه، رئيسا لبلدية إسطنبول، ليحقق فوزا بنسبة 25.19 بالمئة من الأصوات في الانتخابات المحلية، التي جرت في 27 مارس من العام نفسه.
وبسبب إلقائه قصيدة للشاعر ضياء غوك ألب (1876-1924) أثناء لقاء جماهيري بولاية سيرت في 12 ديسمبر 1997، أقيل أردوغان من رئاسة بلدية إسطنبول، ثم أودع سجن بينار حصار في 26 مارس 1999.
وبإطلاق سراحه من السجن في 24 يوليو 1999، واصل أردوغان عمله السياسي، وأسس حزب "العدالة والتنمية" الذي انتهج عبره نمط "الديمقراطية المحافظة" ليتولى رئاسته بعد اختياره من قِبل مندوبي وأعضاء الحزب.
وفي عام 2002، وصل حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة بمفرده في الانتخابات العامة، بحصوله على 34.6 بالمئة من الأصوات، وحصده ما يقرب من ثلثي الأغلبية البرلمانية.
وبسبب الحظر السياسي الذي كان مفروضا على أردوغان، جرى تشكيل الحكومة الثامنة والخمسين في تركيا، وترأسها نائب رئيس حزب "العدالة والتنمية" عبد الله غل.
وبعد إلغاء الحظر السياسي المفروض عليه عبر تعديلات قانونية، تمكن أردوغان من دخول البرلمان عبر انتخابات التجديد في ولاية سيرت، التي جرت في 9 مارس 2003.
وبمجرد حصوله على صفة نائب في البرلمان التركي، استلم أردوغان رئاسة الوزراء من عبد الله غل، في 15 مارس 2003، وشكل الحكومة التاسعة والخمسين في البلاد.
أردوغان الذي تمكن من زيادة أنصاره في جميع الانتخابات الثلاثة التي خاضها على رأس حزبه، فاز في انتخابات 22 يوليو 2007، بنسبة 46.6 بالمئة، وشكل الحكومة الستين للجمهورية التركية.
كما حصل في انتخابات 12 يونيو 2011، على 49.8 بالمئة من أصوات الناخبين، وتولى مهمة تشكيل الحكومة 61 في البلاد، وشغل بعدها منصب رئيس الوزراء ثلاث مرات.
وفاز حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان في الانتخابات المحلية، بنسبة 40.2 بالمئة في 28 مارس 2004، و38.6 بالمئة في 29 مارس 2009، و45.5 بالمئة في 30 مارس 2014، و44.06 بالمئة في 31 مارس 2019.
كما صوّت الشارع التركي بنسبة 69 بالمئة بـ"نعم" في الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2007، وبنسبة 58 بالمئة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية في 12 سبتمبر 2010.
وفي أول استحقاق انتخابي لاختيار رئيس البلاد مباشرة من الشعب، فاز أردوغان، بحصوله على 52 بالمئة من الأصوات من الجولة الأولى، التي جرت في 10 أغسطس 2014، ليصبح بذلك الرئيس الثاني عشر للجمهورية.
وبموجب الدستور التركي آنذاك، استقال أردوغان في 27 أغسطس 2014 من حزب العدالة والتنمية، ليواصل مهامه كرئيس للبلاد، وقال في المؤتمر الاستثنائي الذي عقده الحزب آنذاك: "أستودعكم الله، على أمل اللقاء بكم مجددا".
وفي اليوم التالي، تسلم أردوغان ولايته الرئاسية، وأدى اليمين الدستورية أمام الجمعية العامة للبرلمان التركي، ثم توجه بعد ذلك إلى قصر جانقايا، مقر الرئاسة التركية آنذاك، لتبدأ مرحلة جديدة في البلاد.
هذه المرحلة، عبر عنها أردوغان بقوله قبل الانتخابات: "سأكون رئيسا مختلفا، لن أجلس بقصر جانقايا كما درجت العادة، ولن أكون رئيسا يتمتع بكافة كل أنواع السلطات لكن لا يتحمل المسؤولية"، ليبدأ التحضير للانتقال إلى النظام الرئاسي.
وبعد أن حظي أردوغان بدعم رئيس حزب "الحركة القومية" دولت باهتشلي، وافق الشعب التركي بنسبة 51.4 بالمئة في الاستفتاء الذي أجري في 16 أبريل 2017، على الانتقال إلى النظام الرئاسي.
ومع التعديل الدستوري عقب استفتاء 16 أبريل 2017، أصبح بإمكان أردوغان العودة إلى حزب العدالة والتنمية، ليعلن عودته بالفعل في 2 مايو 2017، وذلك بعد 979 يوما من الاستقالة.
وفي المؤتمر الاستثنائي الثالث للحزب الذي عقد في 21 مايو 2017، ترشح أردوغان لرئاسة "العدالة والتنمية" بتوقيع 1370 مندوبا، وتسلم رئاسة الحزب من رئيس الوزراء حينها بن علي يلدريم.
وفي 24 يونيو 2018، توجه الأتراك إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس البلاد وأعضاء البرلمان، ليحصل أردوغان على 52.38 بالمئة من الأصوات، كأول رئيس للبلاد في ظل النظام الرئاسي الجديد.
ومع دخول النظام الرئاسي حيز التنفيذ، خفض أردوغان عدد الوزارات من 26 إلى 16، مع دمج بعض الوزارات، وإنشاء 9 مجالس سياسات، و4 مكاتب تابعة لرئاسة الجمهورية.
رافض للوصاية
طوال حياته السياسية واجه الرئيس أردوغان مؤامرات وأزمات عديدة، بسبب الجدل حول العلمانية، ودور الجيش في السياسة، ومراكز الوصاية داخل الدولة.
ففي 27 أبريل 2007، صوت البرلمان التركي لاختيار مرشح العدالة والتنمية لرئاسة البلاد، وفي منتصف الليلة نفسها نشر الموقع الإلكتروني لهيئة الأركان العامة بيانا، يستهدف فيه الإرادة الوطنية.
ذلك البيان، قوبل برد قوي من قِبل حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة أردوغان، وأكد المتحدث باسمها آنذاك جميل تشيشك، أن بيان الأركان العامة "يُنظر إليه على أنه موقف ضد الحكومة".
وشدد المتحدث باسم الحكومة، على أن "رئاسة الأركان العامة، التي تتبع رئاسة الوزراء، لا يمكنها الإدلاء بتصريحات ضد الحكومة، في دولة القانون والديمقراطية".
وفي 14 مارس 2008، قدّم رئيس النيابة العامة آنذاك عبدالرحمن يالجين كايا، لائحة اتهامات للمحكمة الدستورية، تطالب بإغلاق "العدالة والتنمية" وحظر العمل السياسي لمدة 5 أعوام بحق 71 من أعضائه، بينهم أردوغان وعبدالله غل.
ورغم أن المحكمة الدستورية وافقت في 31 مارس 2008، على النظر بالقضية، غير أنها ردت الطلب في 30 يوليو 2008، بأغلبية 6 أصوات مقابل 5.
وفي 7 فبراير 2012، اندلعت أزمة جهاز الاستخبارات، وهي مؤامرة من تنظيم غولن الإرهابي ضد الحكومة، إذ استدعى المدعي العام بإسطنبول صدر الدين صاري كايا، ضباطا بالجهاز بما في ذلك رئيسه هاكان فيدان لأخذ إفادتهم.
وعندما علم رئيس الوزراء أردوغان بالأمر، عرقل ذهاب فيدان إلى مكتب المدعي العام للإدلاء بشهادته، وفي وقت لاحق، جرى اتخاذ ترتيب قانوني بشأن تفويض التحقيق مع مسؤولي جهاز الاستخبارات، ونقله إلى رئاسة الوزراء.
غير أن محاولات تنظيم غولن الإرهابي لم تتوقف، ففي 17 ديسمبر 2013، فتح المدعي العام بإسطنبول آنذاك جلال قرة، تحقيقا ضد عدد من الأشخاص بينهم أبناء وزراء ورجال أعمال ومدراء بنوك.
وتضمن التحقيق إجراءات مخالفة للقانون، بينها التنصت على رئيس الحكومة وبعض الوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين، بطريقة غير قانونية، ودون الحصول على الإذن اللازم.
الموجة الثانية من التحقيق ذاته، جرت في 25 ديسمبر 2013، إذ أعد أفراد شرطة منتمون لتنظيم غولن، تقريرا مغلوطا بأن بعض رجال الأعمال يمولون تنظيمات إرهابية بعلم رئيسي الوزراء والاستخبارات.
غير أن مؤامرة "غولن" الإرهابي، انقلبت عليه، إذ استبعدت الداخلية أعضاء التنظيم من جهازي الشرطة والقضاء، كما أوقف المدعون العامون الذين عينهم المدعي العام بإسطنبول الملاحقة القضائية التي أصدرها أعضاء التنظيم.
تتابع فشل مؤامرات تنظيم غولن الإرهابي، دفعته إلى الكشف بشكل كامل عن وجهه الحقيقي، عبر ترتيب محاولة انقلاب في 15 يوليو 2016، غير أنها باءت بالفشل كمؤامراته السابقة.
وأثناء المحاولة الانقلابية، استهدف فريق الاغتيال التابع لتنظيم غولن، الرئيس أردوغان، الذي كان يقيم مع أسرته في فندق بمنطقة مرمريس بولاية موغلا، لكنهم تمكنوا من مغادرة الفندق بأمان وعادوا إلى إسطنبول.
وبنجاة الرئيس وأسرته، فشلت محاولة عدد من أتباع غولن داخل القوات المسلحة التركية للانقلاب على السلطة، ليستجيب الشعب التركي إلى نداء أردوغان بالنزول للساحات والتوجه للمطارات والتظاهر لصون الإرادة الوطنية.
وخلال المحاولة الانقلابية، دافع المواطنون عن الديمقراطية وواجهوا الدبابات، واتخذت أحزاب "العدالة والتنمية" و"الحركة القومية" و"الشعب الجمهوري" موقفا مشتركا لمناهضة الإرهاب الذي يستهدف الإرادة الوطنية.