السيسي في أنجولا يتباهى ببناء”25″ مدينة جديدة. قراءة تحليلية

- ‎فيتقارير

في زيارته الحالية لأنجولا، تباهى جنرال الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بأن حكومته أقامت نحو 24 مدينة جديدة بخلاف العاصمة الإدارية ، وجميعها حسب تصريحاته من مدن الجيل الجديد. وراح الجنرال يظهر للأنجوليين نزعة التفوق المصرية  في هذا الملف مضيفا في تصريحات خلال مؤتمر صحفي مشترك مع الرئيس الإنجولي جواو لورنسوفي العاصمة لواندا، الأربعاء 7 يونيو 2023م، أنّ الدولة المصرية  مستعدة للتعاون مع الأشقاء في أنجولا في هذا المجال، وتشجيع المستثمرين المصريين على العمل في هذا الإطار.

وحسب موقع "صدى البلد" المقرب من أجهزة السيسي الأمنية في يونيو 2021م، فقد بلغ عدد المدن الجديدة داخل الدولة، والذى يعد من مستهدفات ما بعد عام 2014، «30 مدينة جديدة»، بإجمالي استثمارات 690 مليار جنيه، ويتم حالياً تنفيذ 22،  بالإضافة إلى 8 مدن اخرى مخطط تنفيذها. ورصد الموقع هذه الـ(30) مدينة جديدة  من (مدن الجيل الرابع) وهي: العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والفشن الجديدة والإسكندرية الجديدة وحدائق العاصمة والمنيا الجديدة وسوهاج الجديدة والمنصورة الجديدة ومدينة شرق بورسعيد ومدينة ناصر الجديدة وتوشكى الجديدة وامتداد الشيخ زايد ومدينة أسوان الجديدة والعبور الجديدة و6 أكتوبر الجديدة وملوى الجديدة وغرب قنا ومدينة رشيد الجديدة،  مدينة الجلالة العالمية، مدينة الغردقة الجديدة، مدينة اخميم الجديدة، مدن غرب بور سعيد، مدينة شرق بور سعيد، مدينة بئر العبد الجديدة، مدينة رفح الجديدة، مدينة الإسماعيلية الجديدة، مدينة السويس الجديدة، مدينة ناصر غرب اسيوط،مدينة سفنكس الجديدة، مدينة النوبارية الجديدة".

حسب التقرير فإن الهدف من هذه المشروعات هو تخفيف الضغط على المدن القائمة، وتوفير مسكن مناسب لكافة الفئات، وتوفير مجتمعات عمرانية تشمل مناطق تجارية وصناعية، بالإضافة إلى توفير الملايين من فرص العمل. وتبلغ المساحة الإجمالية للمدن الجديدة، 580 الف فدان، بينما يبلغ عدد السكان المستهدف نحو 30 مليون نسمة، بجانب توفير ملايين فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

فهل تحقق شيء من ذلك؟!

أكبر مثال على ذلك هو أهم هذه المدن على الإطلاق، وهي العاصمة الإدارية والتي أنفق النظام عليها مئات المليارات من الجنيهات، وكان يفترض أن يتم انتقال الحكومة إليها في يونيو 2020م، لكن ذلك القرار تأخر لاعتبارات كثيرة أهمها، عدم استكمال المشروع، ورفض الموظفين والمسئولين الانتقال إليها بعيدا عن القاهرة، وغلاء ثمن الوحدات السكانية بما يفوق دخول الغالبية الساحقة من المواطنين. بخلاف ما أدت إليه هذه المدن من تضخم حجم الديون وفوائدها  بصورة تفوق الخيال؛ لدرجة أن جميع إيرادات الدولة المتوقعة في مشروع الموازنة الجديدة (2023/2024) لا تكفي لسداد بند خدمة الديون فقط الذي وصل إلى نحو 2.45 تريليون جنيه، وتحتاج الدولة إلى نحو "350" مليار جنيه قروضا فوق الإيرادات المتوقعة لسداد هذا البند فقط!

وأمام رفض الموظفين الانتقال إلى العاصمة الجديدة،  تم إجبار كل وزارة على انتقاء عدة مئات من موظفيها للانتقال إلى العاصمة الإدارية؛ حيث لا يجدون عملا يقومون به بخلاف الانفاق الباهظ على الانتقال يوميا من القاهرة للعاصمة الجديدة، وإهدار نحو 4 ساعات يوميا في المواصلات. في ظل عدم قدرة الموظفين على شراء وحدات سكنية غالبية الثمن يصل سعرها إلى أكثر من مليون جنيه؛ فهل هناك موظف حكومي يملك هذا المبلغ إلا إذا كان لصا أو مرتشيا؟1

 

فوضى سوق العقارات

العجيب أن مصر تعاني من فوضى عارمة في سوق العقارات؛ فأكثر من مائة مليون مصري يعيشون على شريط حول النيل لا يتجاوز نحو 10% من المساحة الإجمالية، بينما تبقى 90% من مساحة مصر غير مستغلة على نحو صحيح لأنها أرض صحراوية. لكن العجيب حقا هو الارتفاع الجنوني في أسعار الأراضي  المخصصة للبناء؛ فسعر المتر على أطراف المدن بالصحراء يتجاوز أكثر من 20 إلى 30 وربما 50 ألف جنيه؛ بما يؤكد أن هناك خللا في منظومة العمران، انعكس هذا الخلل على أسعار الوحدات  السكنية لتصل إلى مستويات مماثلة في الجنون وتفوق قدرات ودخول الغالبية الساحقة من الناس. وبالتالي لم يعد يلجأ إلى الاستثمار في العقارات والوحدات السكنية والأرض إلا فئة محدودة من الأثرياء الذين يملكون فوائض مالية تسمح لهم بالدخول في مثل هذا النوع من الاستثمار. لهذه الأسباب؛ فإن أشكال الدعاية المبهرة للمدن  الجديدة والفيلات والمنتجعات الفخمة التي تقوم بها شركات التطوير العقاري عبر شاشات التلفاز على فضائيات المخابرات لا تستهدف سوى نحو 10% فقط من السكان، وهم الطبقة التي تعيش حياة فاحشة الثراء والرفاهية. وأمام جنون أسعار الأرض  والعقارات والوحدات السكنية اضطرت أعداد كبيرة من الفقراء إلى البناء على الأراضي الزراعية بأطراف المدن والقرى، وهؤلاء شن النظام عليهم حربا ضارية وهدم آلاف المنازل والبيوت بدعوى أنها بنيت بالمخالفة للقانون رقم 17 لسنة 2019م الخاص (التصالح في مخالفات البناء)!

 

فائض ضخم في الوحدات السكنية

نظريا تحتاج مصر التي يبلغ عدد سكانها نحو 103 ملايين نسمة إلى نحو 30 مليون وحدة سكنية للوصول إلى حد الكفاية، لكن الأرقام تؤكد أن السوق المصري يمتلك فعليا ــ طبقا لتصريحات ناجي السرجاني المتحدث باسم مصلحة الضرائب العقارية في يناير 2022م ــ نحو 58 مليون وحدة عقارية حتى نهاية 2021م، منها 45 مليون وحدة سكنية،  ونحو 15 مليون وحدة أخرى لأغراض غير سكنية. معنى ذلك أن مصر لا تحتاج أصلا للمدن الجديدة التي يهدر عليها السيسي آلاف المليارات؛ فالسوق العقاري متخم  بالأساس وفائض عن الحد وفقا لهذه الأرقام الرسمية. من جهة ثانية، فإن هذه الأرقام تكشف أن شريحة الأثرياء تستحوذ على نحو 50% من أعداد العقارات مع الفارق طبعا في التكلفة والمساحة كشكل من أشكال الاستثمار أو الادخار. من جهة ثالثة فإن هذه الأرقام تؤكد حالة الفوضى العقارية؛ فإذا  كانت مصر تحتاج سنويا نحو 600 ألف وحدة سكنية استنادا إلى (تصريحات وزير المالية أن بين 500 و650 ألف عقد بيع للوحدات السكنية يتم سنوياً، يتم تحصيل نحو 8.5 مليارات جنيه منها). فهذه الأرقام تبرهن على وجود فجوة بين الموجود ومعظمه غير معروض لأهداف استثمارية  وادخارية ، وبين المطلوب وليس كله متاح، فقطاع كبير من الشباب الباحثين عن السكن لا يستطيعون الحصول عليه سواء لعدم القدرة المالية أو لعدم كفاية المعروض الحكومى، فى حين يوجد ملايين الوحدات يتم شراؤها بغرض الاستثمار المالى فيها بدعوى الاستثمار العقارى، والغرض منها تحقيق عوائد مالية بإيجارها أو تسقيعها لإعادة بيعها وتحقيق أرباح.

رغم  هذه التخمة في الوحدات السكنية القائمة بالفعل، والتي تفوق الطلب  بمراحل، إلا أن  معظم هذه الوحدات لا تسهم في حل المشكلة السكانية؛ لأنها مملوكة لشريحة الأثرياء الذين يستهدفون بها الاستثمار وتحقيق أعلى العوائد والأرباح. ورغم هذا الحجم الهائل (58 مليونا) من الوحدات السكنية التي تزيد عن الحد فإن أسعار الوحدات السكنية تشهد ارتفاعات جنونية تفوق دخول معظم المصريين الذين تتراجع دخولهم بفعل الغلاء الفاحش والتضخم المتزايد وتراجع قيمة العملة المصرية. أسهم في زيادة الأزمة تداعيات تفشي جائحة  كورونا من جهة منذ بداية سنة 2020، ثم تداعيات الحرب الروسية الأكرانية في منذ أواخر فبراير 2022م. هذه التداعيات أدت إلى توقف معظم  شركات التطوير العقاري عن البيع إلى حين احتساب التكاليف الإنشائية واستقرار الأسعار، لا سيما بعد الارتفاعات القياسية لأسعار مواد البناء منها الحديد الذي ارتفع من 9950 جنيها في 2020 إلى 20 ألف جنيه في إبريل 2022، وارتفع الأسمت من 720 جنيها في 2020 إلى 1500 جنيه حاليا، بخلاف القفزات في أسعار الرمل والزلط والطوب والجير والسيراميك والعمالة وغيرها.  وحسب دراسات حديثة، آخرها أطلقها المركز المصري للدراسات الاقتصادية، حذر فيها من "مواجهة القطاع العقاري لأزمة نتيجة زيادة المعروض، مع تراجع القدرة الشرائية للمصريين، بما أدى إلى تباطؤ البيع في أسواق التجزئة".