رحيل أبوالتاريخ د. محمد الجوادي..ثابتا على رفضه الانقلاب العسكري

- ‎فيتقارير

 

في مشهد مهيب ورغم ارتفاع درجات الحرارة بصورة كبيرة، شهدت منطقة أبو هامور بالعاصمة القطرية الدوحة، جنازة ضخمة شارك فيها الآلاف من المشيعين، عقب صلاة الجمعة الفائتة، للدكتور محمد الجوادي أبو التاريخ، وأحد أبرز العلامات العلمية والتاريخية والمعارضة للظلم.

و بعد حياة حافلة بالعطاء في مجالات عدة، أولها التاريخ ثم الطب والأدب، والفكر والسياسة والإعلام، دفن الجوادي مهاجرا ، بعيدا عن وطنه الذي استبد به عساكر لا يفقهون في الأدب ولا الدين ولا العلم أو التاريخ شيئا يذكر.

توفي الطبيب والمؤرخ المصري محمد الجوادي، الجمعة، في قطر، عن عمر ناهز 65 عاما، بعد صراع طويل مع مرض السرطان.

ونشر الموقع الرسمي للمفكر المصري نبأ وفاته، وجاء في بيانه: "ننعى إلى الأمة وفاة العالم الجليل الدكتور محمد الجوادي الذي ترك بصماته العلمية الموسوعية في شتى مناحي العلوم الإنسانية".

وأضاف: "لا نجد أصدق ما ننعي به عالمنا إلا ما كتبه بقلمه في نعي المرحوم الأستاذ فاروق شوشة، فكلماته التي نعاه بها تنطق تماما بما نود نعي الدكتور الجوادي به يرحمه الله، ونسألكم الدعاء له بالرحمة والمغفرة، إنا لله وإنا إليه راجعون".

وعُرف الجوادي بـ"أبوالتاريخ" الذي عنون به موقعه الرسمي، باعتباره أحد أبرز مؤرخي عصره، ومزج الجوادي بين العديد من الاهتمامات وشغل العديد من المناصب.

مسيرة علمية حافلة 

بزغ نجمه منذ مرحلة طلبه للعلم، وكان من النوادر في تاريخ الجامعات المصرية الذين جمعوا بين التفوق في الدراسة، والعمل بالسياسة على مستوى متقدم، والتفوق في الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية، بالإضافة إلى عضويته الدائمة في اتحاد الطلاب المنتخب.

نال الجوادي لقب الطالب المثالي لجامعة القاهرة وهو لا يزال طالبا في السنة الإعدادية للطب، وذلك بعد فوزه بلقب الطالب المثالي لكلية العلوم، حيث كانت إعداديات الطب تتبع كلية العلوم، وقد اختير لتمثيل جامعة القاهرة في وفد القيادات الطلابية المصرية الذي دُعي إلى ألمانيا الغربية.

نبوغ طبي

كذلك كان عضوا نشطا في الجمعية الدولية لطلاب الطب، ومن خلال هذه الجمعية أُتيح له أن يتلقى وهو طالب تدريبا عمليا في الجراحة وجراحة القلب في مستشفى جامعة "آخن".

كان منذ مرحلة طلبه للعلم عضوا في نوادي العلوم، وكان واحدا من اثنين أسسا نادي علوم جامعة القاهرة، ثم أسس نادي جامعة الزقازيق للشباب والعلوم والبيئة (الزوكي)، وقد وقع عليه الاختيار ليرأس الشباب في وفد مصر في المؤتمر الدولي للشباب والنشاط العلمي الذي انعقد في تولوز بفرنسا (1985).

كما كان من الذين دُعوا إلى المشاركة في أنشطة جمعية أصدقاء العلميين المصريين في الخارج ومؤتمراتها السنوية التي انعقدت في السبعينيات والثمانينيات.

كذلك كان الجوادي عضوا مؤسسا في الجمعية المصرية للأطباء الشبان، وأسس بها مركزا للإعلام والنشر الطبي، ثم انتخب عضوا في مجلس إدارة الجمعية.

مدافع عن البيئة

وكان كذلك من أوائل الذين اعتنوا بقضية البيئة في السبعينات، وقد أسس المجلة البيئية لجامعة الزقازيق وتولى رئاسة تحريرها، كما شارك في مؤتمر الاتحاد الدولي للشباب والبيئة الذي انعقد في الهند (1980)، وانتخب مقررا دوليا للجنة العلمية للضوضاء في ذلك الاتحاد (1980-1983).

وشارك في تأسيس المنظمة الأفريقية للشباب والبيئة (1981)، واختاره مجلس بحوث البيئة البريطاني (1982) ضمن 18 من دعاة البيئة ودارسيها على مستوى العالم للمشاركة في صياغة تقرير حول مستقبل البيئة في الثمانينيات، وقد نشرت هذه التقرير دار النشر الأمريكية الشهيرة "بلنيوم".

تعريب الطب والعلوم 

وعُني بالثقافة العلمية منذ منتصف السبعينات، ونشر عددا من المقالات المتميزة في هذا المجال في عدد من المجلات المرموقة، وشارك في منتديات الثقافة العلمية المتعددة.

كما بدأ نشر سلسلة من كتب الطب المتخصصة باللغة العربية، وأصدر في بداية الألفية الثالثة كتابين، الأول: أمراض القلب الخلقية الصمامية، والثاني: أمراض القلب الخلقية: الثقوب والتحويلات.

100 كتاب في التاريخ والثقافة

وأسهم كذلك بجهد وافر في الثقافة العلمية، وله قدر لا يستهان به من الدراسات والفصول المترجمة وغير المترجمة في الثقافة العلمية والطبية العامة، واختير من  2000 عضو في لجنة الثقافة العلمية في المجلس الأعلى للثقافة.

نُشر له أكثر من 100 كتاب في التاريخ والأدب والتراجم، إضافة إلى مئات من الدراسات والمقالات.

أصغر عضو بمجمع اللغة العربية

شغل عضوية مجمع اللغة العربية وهو أصغر من نال هذه العضوية، وعضوية المجلس الأعلى للصحافة، وعضوية المجلس القومي لحقوق الإنسان، وعضوية المجمع العلمي المصري.

رافض للانقلاب العسكري

وعُرفت عن الجوادي مواقفه السياسية الرافضة لانقلاب عبدالفتاح السيسي، على الرئيس المنتخب الراحل محمد مرسي، قبل نحو 10 سنوات، وغادر مصر مضطرا إلى قطر في عام 2013.

وبعد الإعلان عن وفاته بلحظات، تصدر اسم الجوادي منصات مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، ولاقى تفاعلا واسعا ونعيا من شخصيات بارزة.

وعلى الرغم من واقف الرجل الثابتة والشامخة نصرة للحق والدين والتاريخ، إلا أن لجان السيسي وعساكره وإعلاميو البغال كمحمد الباز شمتوا بموته واتهموه بما ليس فيه، وحرروا مواقفه الرافضة للانقلابات وحكم العسكر، على أنها تحريض على الجيش، وهو قمة البطلان والافتقار للمروة والشهامة، في تقدير المفكرين العظام.

رحم الله المفكر والمؤرخ والأديب والسياسي وطبيب القلب والمعارض السياسي المصري الدكتور محمد الجوادي وأسكنه فسيح جناته.