أحد أثمان الحرية الضائعة، أن يموت الشعب المصري كمدا وفقرا وغرقا أو حرقا أو حتى جوعا في صمت، ودون أن يشعر به أحد، وهو ما يطبقه نظام السيسي الأمني القمعي، الذي يدير البلد بالحديد النار، فقد أخرس حتى صوت الإعلام أن ينطق بكلمة أو يتناول مأساة غرق المئات من المصريين ضمن الغارقين بمركب الهجرة غير الشرعية باليونان قبل يومين.
ولاينحاز إلى الضحايا وأسرهم سوى الإعلام الرافض للانقلاب العسكري والسوشيال ميديا، وهم ألد أعداء السيسي الذي يقاتل من أجل إخراسهم، كي يطمئن على كرسييه بلا كشف للواقع المرير، الذي يغيبه إعلام المخابرات المسيطر عليه.
وعلى الرغم من حجم المأساة الكبيرة والفاجعة الأكبر، التي تمثلها فاجعة غرق المركب ، إلا أن الجهات الرسمية المصرية تتكتم على الأمر ولم تتناوله وسيلة إعلام مصرية من قريب أو بعيد حتى صفحات ومنصات وزارات الهجرة والمصريين بالخارج ووزارة الخارجية المصرية، فما زالوا بعيدين عن تناول أي شيء عن الفاجعة.
إلى ذلك قالت مصادر برلمانية مصرية: إن "أعضاء مجلسي النواب والشيوخ تلقوا تعليمات من رئيسي المجلسين، أمس السبت، تفيد بعدم التعقيب على حادث غرق مئات من المهاجرين غير النظاميين، الغالبية منهم من مصر، قبالة الساحل الجنوبي الغربي من اليونان، الأربعاء الماضي".
التعليمات تضمنت عدم إصدار بيانات عاجلة أو طلبات إحاطة من النواب عن الحادث، لا سيما من أعضاء لجنتي العلاقات الخارجية في المجلسين، بدعوى أن وزارة الخارجية هي الجهة الرسمية المنوط بها التعليق على مثل هذه الحوادث.
ولعل الإخراس المتعمد الذي يتبعه نظام السيسي، يكشف خيانة النظام الحاكم للشعب المصري، الذي ما زال يسمح لعصابات التهريب بالعمل من مصر، وتسهيل عبور الآلاف من الشباب المصريين عبر الحدود الغربية بلا أوراق رسمية، وتنسيق من قياددات أمنية، وفق روايات عديدة لشهود عيان فقدوا أبناءهم.
وكان قارب صيد فارغ غادر مصر إلى مدينة طبرق الليبية، ثم امتلأ بمئات من المهاجرين المصريين والسوريين الذين غادروا من مصر إلى ليبيا بطريقة غير قانونية، حيث كان متوجها إلى إيطاليا، إلا أن محركه تعطل ليل الثلاثاء، وغرق خلال 15 دقيقة في مياه عميقة جدا بسبب حمولته الزائدة.
واعتقلت السلطات اليونانية تسعة مصريين، تتراوح أعمارهم ما بين 20 و40 عاما، يشتبه في تورطهم بحادث غرق مركب مهاجرين قرب مرفأ كالاماتا جنوب غربي اليونان، كان على متنه أكثر من 700 شخص، تأكدت وفاة 78 منهم حتى الآن.
وعرضت قنوات يونانية صور ناجين يضعون بطانيات رمادية على أكتافهم، وأقنعة صحية على وجوههم، وهم ينزلون من يخت أنقذهم يحمل اسم "جورج تاون"، فيما حُمل آخرون على نقالات، وأفادت وزارة الهجرة اليونانية بأن الناجين سيُنقلون إلى مخيم للمهاجرين قرب العاصمة أثينا.
وأعلن رئيس الوزراء اليوناني المؤقت يوانيس سارماس الحداد لمدة ثلاثة أيام حتى السبت، قائلا: إن "قلوب اليونانيين مع كل ضحايا المهربين عديمي الرحمة الذين يستغلون المصائب الإنسانية".
فيما تظاهر الآلاف من الشباب اليونانيين بالعاصمة أثينا وبعدة مدن يونانية ساحلية ضد السلطات الأمنية التي تردد أن قواربها الأمنية تورطت في إغراق مركب المهاجرين، بينما يعم الحزن والقهر قرى مصر ومدنها حزنا على أبنائهم، دون كلمة في إعلام النظام أو برلمانه، الذي أخرسته التعليمات الأمنية.
ثاني أكثر حطام سفن فتكا تم تسجيله.
وكان الحادث الأكثر دموية قد وقع عندما انقلبت سفينة قبالة سواحل ليبيا كانت في طريقها إلى إيطاليا في إبريل 2015، ما أسفر عن مقتل ما يقدر بنحو 1100 مهاجر.
وتواصلت جهود الإنقاذ على مدار الساعة قبالة سواحل جنوب اليونان على الرغم من ضعف الأمل في العثور على ناجين أو جثث بعد عدم العثور على أي جثث منذ يوم الأربعاء، عندما تم انتشال 78 جثة وتم إنقاذ 104 أشخاص.
ونقل معظم الناجين، الجمعة، إلى ملاجئ المهاجرين بالقرب من أثينا.
وفي السياق، أعلن المفوض الأممي السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، أن الحادثة أسفرت عن مصرع 78 شخصا حتى الآن، واعتبر نحو 500 شخص بينهم أطفال ونساء في عداد المفقودين.
السيسي يتاجر بالمآسي
وتسببت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يحياها المصريون، في إقدام الملايين من المصريين على الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت، هربا من الفقر والجوع الذي بات يضرب بعنف أكثر من 80 مليون مصري، فيما يواصل السيسي استحواذ الشركات العسكرية والجيش على الاقتصاد المصري مخلفا ملايين العاطلين عن العمل، ما يضع الملايين أمام خيارين إما الانتحار الذي باتت تتصدر معدلاته العالمية مصر، وإما الهجرة غير الشرعية طلبا لفرصة للحياة.
وينصب دور السيسي في ابتزاز الأوربيين بطلب معونات اقتصادية لما يدعيه محاولات كبح الهجرة غير الشرعية، وقد حصل السيسي مؤخرا على نحو 80 مليون دولار، لجهود خفر السواحل، لوقف الهجرة، بلا أي دور أو خلق مشاريع تستوعب الشباب العاطل عن العمل.
وهو ما يؤكد استمرار مأساة المصريين مع نظام عسكري فقد كل معاني الإنسانية والرحمة، وسيطر الجشع على قياداته، وتمادت قبضته الأمنية على الإعلام ووالصحافة والسوشيال ميديا لوأد الحقيقة.