الغضب المكتوم أوشك أن ينفجر.. العدوة  تثور على الشرطة بعد قتل مواطن تعذيبا

- ‎فيتقارير

تظاهر مئات الأهالي والمواطنين أمام قسم شرطة العدوة بمحافظة المنيا يومي الجمعة والسبت (9 و10 من يونيو الجاري 2023م)، وذلك في أعقاب مقتل المواطن صالح عبد الستار سعد رحيم، (41 عاماً ويقيم في قرية الفردوس مركز العدوة بمحافظة المنيا) هو أب لأربعة أولاد أكبرهم يبلغ 13 عاماً، وكان يعمل خفيراً خاصا (ليس حكوميا) في إحدى الأراضي الزراعية. ولإرهاب المواطنين قامت الشرطة بإطلاق الرصاص الحي في الهواء واعتقال نحو 15 من الأهالي من بينهم نجل الضحية لتخويف  الآخرين.

العجيب أن هذه الأحداث الكبيرة غابت تماما عن الإعلام الذي تفرض عليه أجهزة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي وصايتها وتضرب عليه سياجا من حديد للتحكم في كل ما يبث على الفضائيات أو ينشر على الصحف والمواقع، وتلاحق كل من يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي لمنع نشر الحقيقية وكشف مدى وحجم القمع الأمني المفروض على المصريين تحت حكم العسكر منذ عشرات السنين.

البداية قبلها بيوم واحد؛ عصر  الخميس 8 يونيو 2023م، حيث كان الضحية يستحمّ بملابسه الداخلية في "بحر يوسف" (قناة مائية أو ترعة تربط النيل بواحة الفيّوم) القريب من محلّ إقامته وعمله وبصحبته محمد ابن شقيقه صلاح، عندما فوجئ بقوة أمنية مؤلّفة من سبعة عناصر بلباس مدني وبقيادة ضابط المباحث محمد الجبالي، فألقت القوة القبض عليه وعلى ابن أخيه، وأثناء القبض عليهما تعرضها لوابل من الضرب والسب والألفاظ النابية البذيئة (هي ألفاظ عادية جدا على ألسنة كل عناصر الشرطة) قبل اقتيادهما إلى حجز مركز شرطة العدوة.

وفي تقرير مطوّل أصدرته الشبكة المصرية لحقوق الإنسان ، جاء أنّ رحيم تعرّض لضرب مبرح وسُمع صراخه واستغاثته من خارج غرفة الحجز لأقلّ من نصف ساعة، وكانت تلك المدّة "كفيلة بإنهاء حياته" من جرّاء قسوة التعذيب. وهو لم يُترك قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، و"نُقل مباشرة إلى مستشفى العدوة الحكومي وقد فارق الحياة". وبعد وقت قصير، تلقّت عائلة رحيم اتصالاً هاتفياً من مركز الشرطة وآخر من مستشفى العدوة الحكومي أفاداها بوفاته وبضرورة حضورها لاستلام جثّته وإتمام إجراءات الدفن، بحسب التقرير الحقوقي نفسه.

وحسب تقرير الشبكة فقد ظهرت  علامات زرقاء على بطن رحيم وعنقه وقد أُخذت عيّنات لفحصها من قبل الطبّ الشرعي، موضحة أنّ ذلك كان "واضحاً للعيان في أثناء غسل جثمانه في مغسلة مستشفى العدوة الحكومي"، من دون أن تتسنّى معرفة ما إذا كان قد تعرّض لـ"كسور أدّت إلى الوفاة بهذه السرعة". وتواصلت الشبكة مع أحد الأطباء الشرعيين الذي أفاد بأنّ الوفاة بهذه السرعة تشير إلى أنّه لا بدّ من أن يكون قد تعرّض لتعذيب وحشي. مضيفا أنّه من المرجح أن يكون أحد أسباب الوفاة بهذه السرعة كسراً إلى جانب نزيف داخلي حاد في مناطق من الجسم، وفي الرأس غالباً.

 

ثورة أهالي العدوة

ووثق تقرير الشبكة حالة الغضب والسخط العارمين بين عائلة رحيم وأهالي قريته، وذلك بعد أنباء عن إعلان لوزارة الداخلية بحكومة الانقلاب تزعم فيه أن وفاته أتت بشكل طبيعي في مركز شرطة العدوة، من دون انتظار نتيجة تقرير الطب الشرعي. وازداد غضب الأهالي بعد معرفتهم بوفاته من جرّاء التعذيب. وأفادت الشبكة المصرية بأنّ وزارة الداخلية قابلت "ثورة الأهالي بإطلاق الأعيرة النارية، والقبض على بعضهم وسحلهم. واستدعت الأجهزة الأمنية قوات إضافية حاصرت مركز الشرطة والمستشفى، حيث كان أهالي المتوفى في انتظار جثمانه، وألقت قوات الأمن القبض على 15 من المواطنين من بينهم ناجي صالح، ابن ضحية التعذيب البالغ من العمر 13 عاماً، وعدد من أقاربه وأهالي قريته".

 

اتهام الضابط محمد الجبالي

أضاف تقرير الشبكة أنّ زوجة رحيم وشقيقه اتّهما "ضابط المباحث محمد الجبالي بأنّه مسؤول عن تعذيب رحيم ووفاته، وقد أجبر محمد ابن شقيق رحيم الذي كان معه لحظة القبض عليه (…) وفي غرفه مجاورة له في حجز مركز الشرطة، على تغيير أقواله التي أدلى بها وتحدّث فيها عن سماعه صراخ عمّه واستغاثته من جرّاء التعذيب قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة".

 

التعذيب سياسة ممنهجة

وكانت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان قد رصدت حالات وفاة عديدة لمواطنين في أقسام الشرطة، في الأعوام الماضية، نتيجة تعرّضهم للتعذيب المفضي إلى الموت، في حين دأبت الداخلية على نفي وقوعه. وأكّدت الشبكة أنّ التعذيب في أقسام الشرطة "يتمّ بمنهجية، وهو نتيجة طبيعية لعدم محاسبة المتورّطين فيه والقائمين على إدارة الأقسام، وتخاذل النيابة العامة في أداء دورها". وأعربت عن "أسفها لكون سياسة الإفلات من العقاب هي السياسة المتبعة حالياً من قبل أجهزة الأمن، والتي بثّت الراحة والطمأنينة في نفوس ضباط وأفراد وزارة الداخلية وشجّعتهم على مزيد من الانتهاكات من دون رقيب أو حسيب".

وإذ دانت الشبكة الحقوقية جريمة تعذيب رحيم، طالبت النائب العام بفتح تحقيق وتقديم المتورّطين في وفاته إلى المحاكمة، وإخلاء سبيل الموقوفين الخمسة عشر، من بينهم ابن الضحية. كذلك طالبت الشبكة بمراقبة أماكن الاحتجاز من أقسام الشرطة والسجون، وتفتيشها باستمرار ومن دون سابق إنذار، للوقوف على الجرائم المرتكبة بحقّ المحتجزين وتقديم المتورّطين فيها إلى المحاكمة. تجدر الإشارة إلى أنّ مصر كانت قد وقّعت في عام 1986 على اﺗﻔﺎﻗﻴﺔ ﻣﻨﺎهضة اﻟﺘﻌﺬﻳﺐ وﻏﻴﺮﻩ ﻣﻦ ﺿﺮوب اﻟﻤﻌﺎﻣﻠﺔ أو اﻟﻌﻘﻮﺑﺔ اﻟﻘﺎﺳﻴﺔ أو اﻟﻼإﻧﺴﺎﻧﻴﺔ أو اﻟﻤﻬﻴﻨﺔ التي كان نصّها قد اعتُمد من قبل الأمم المتحدة في عام 1984، علماً أنّها لم تدخل حيّز التنفيذ إلا في عام 1987.

وحسب الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، فإن عدد المتوفين داخل السجون المصرية ومقار الاحتجاز في الشهور الست الأولى من سنة 2023م ارتفع إلى "15" شخصا، معظمهم نتيجة الإهمال الطبي المتعمد. وكان آخر المتوفين ـ حسب الشبكة ــ "المعتقل" مصطفى حلوة (43 عاماً) في سجن وادي النطرون، في 12 يونيو. وحددت سبب الوفاة بـ "اصطدام رأسه بالأرض إثر سقوطه من درج عالٍ".

وتشير المنظمة العربية لحقوق الإنسان إلى أن 1020 سجيناً على الأقل فقدوا حياتهم نتيجة ظروف الاحتجاز المروعة والحرمان من الرعاية الطبية منذ سنة 2014. وترجح ارتفاع العدد في ظل تزايد حالات الاستغاثة التي ينقلها معتقلون إلى ذويهم من أجل إنقاذهم قبل فوات الأوان بعد تدهور حالاتهم الصحية، وهو ما ترفضه السلطات التي تمتنع عن تطبيق قانون تنظيم السجون الذي يسمح بالإفراج عن معتقلين سياسيين وصلت حالاتهم الصحية إلى مراحل خطرة لا يمكن معالجتها في مقار الاحتجاز أو مستشفيات السجون. ورأت المنظمة العربية لحقوق الإنسان أن "ارتفاع عدد الوفيات يؤكد استهتار النظام بحياة المعارضين الذين يملؤون سجونه، وتجاهله التوصيات والمناشدات الحقوقية المتكررة التي تطلقها المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني لتحسين أوضاع السجون، والتي يتعامل معها بتجاهل وإنكار ولامبالاة".

 

"114" ألف سجين

وفي تقدير لمنظمة العفو الدولية نشرته في يناير2021م، يصل عدد المسجونين في مصر إلى 114 ألفا، وهو رقم يمثل أكثر من ضعف القدرة الاستيعابية  للسجون المصرية والتي أكد السيسي في ديسمبر 2020م أنها تتسع لنحو 55ألف سجين. وتصف العدل الدولية الأوضاع في السجون المصرية  بأنها "كارثية"، مشيرة لوجود "ناشطين سلميين ومدافعين عن حقوق الإنسان ومحامين وأساتذة جامعيين وصحفيين محبوسين لمجرد ممارستهم حق التعبير عن الرأي". وحتى مارس 2021، أكدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، أن في مصر 65 ألف سجين ومحبوس سياسي.