الإتجار بالتاريخ والجغرافيا، ديدن السيسي ، بل وصل الأمر للإتجار بالأرض المصرية وتقديمها سائغة لمن يموله بالأموال الحرام التي تنفق في تراب الصحراء، كما جرى في تيران وصنافير، وهو ما تكرر بالتنازل عن مساحات 42 ألف كلم مربع و11 ألف كلم مربع، في البحر المتوسط، من مياه مصر الإقليمية، التي تنازلت عنها مصر لليونان وقبرص، وعلى نفس النهج يأتي إهمال السيسي لأملاك المصريين باليونان ، والاكتفاء فقط بإيجا ر بعض تلك الأملاك، وإهمال العشرات غيرها من الأراضي والممتلكات.
لصالح أثينا التي تعد الداعم الأساس للنظام العسكري في مصر ، وهو ما يكلف مصر الكثير من تاريخها واقتصادها وقدراتها.
ومؤخرا، أثارت تصريحات وكيل لجنة الشؤون الدينية في البرلمان النائب أسامة العبد، تساؤلات عديدة حول تغيير عقود إيجارات أملاك الأوقاف المصرية في الخارج.
وقال: "أملاكنا في اليونان كانت ضائعة ومهدرة، واستطعنا أن نغير العقود إلى عقود سنوية بدلا من مستمرة، وزيادة الإيجارات، وأن نحافظ عليها".
لكنه لم يذكر قيمة ما تجنيه الحكومة المصرية من عوائد مالية جراء تلك الأملاك التي تقدر بعشرات مليارات الدولارات، في ظل اتهامات سابقة بالتسبب في ضياع تلك الأموال، وعدم الاستفادة منها على الوجه الأمثل.
ووفق دراسات متخصصة، لم تتمكن الحكومة المصرية من الاستفادة الكاملة من الأوقاف المصرية خارج البلاد كافة، التي يتواجد أغلبها في اليونان، إلى جانب أملاك أخرى في المملكة العربية السعودية والأراضي الفلسطينية المحتلة وتركيا.
وأن جزءا كبيرا من تلك الأملاك لا تعرف مصر عنها شيئا، ولم تفكر أي من الحكومات أو الأنظمة السابقة أو الحالية في البحث والتنقيب عن تلك الأراضي، على الرغم من الدراسات الأكاديمية العديدة التي أشارت إليها.
بل إن ما تتحدث عنه وزارة الأوقاف بشأن أملاكها في اليونان أقل بكثير من إجمالي الأوقاف المصرية هناك، وأن ما يقبع تحت يدها لا يتعدى 4 أو 5 وقفيات، وهي لا تمثل إلا جزءا ضئيلا للغاية، وهناك جزيرة تسمى "طاش أوز" تبلغ مساحتها 50 كم2، وكذلك كان لمحمد علي باشا موقوفات أخرى في مدينة "قولة" وتسمى باليونانية "كافالا".
واعترفت اليونان عام 1984 بملكية مصر عددا من المنشآت الخاصة بمحمد علي باشا بمدينة "قولة" شمال اليونان، وبحقها في إدارتها، وتقدر بمليارات الدولارات.
والكثير من تلك الأوقاف طمستها كثرة الإجراءات والتصرفات التي تعرضت لها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي دون أن تتدخل الحكومات المصرية لحمايتها، على الرغم من أن المعلومات متوفرة في دار الوثائق القومية أو أرشيف الدولة العثمانية، وهناك كثير من أساتذة التاريخ الذين لديهم رغبة العمل في إثبات الحقوق المصرية..
وتعد الأوقاف المصرية في اليونان الأكثر أهمية، لأنها أوقاف محمد علي باشا مؤسس مصر الحديثة، وأن أي أملاك تتبع له هناك ملك الدولة المصرية التي كان واليا عليها.
وتتمثل الأوقاف المصرية الموجودة في اليونان، التي تعترف بها الحكومة المصرية، في 15 قطعة أرض، منها متحف محمد علي باشا، وقصر والد محمد علي، وأراضي وقبر والد محمد علي، والمدرسة البحرية على بحر إيجة التي بناها محمد علي عام 1748، والمسجد، والمكتب، إلى جانب أراضٍ شاسعة زراعية مساحتها تزيد على 100 ألف متر مربع، وكانت مخصصة للإنفاق على تلك المؤسسات الموجودة في "قولة"، بخلاف بساتين شجرية نادرة.
وهناك مجمع معماري ضخم يعرف باسم "الإيماريت"، وجرى استخدامه كدار إطعام الفقراء بالمجان حتى عام 1923، وتبلغ مساحته حوالي 4160 مترا مربعا.
هذا المجمع تحول إلى مزار سياحي يحمل الاسم ذاته، واتفقت الحكومتان المصرية واليونانية على عدم بيعه وتقرر تأجيره بشرط إصلاحه وإعادته كما كان.
أما بالنسبة لمنزل محمد علي، فيقع على بعد أمتار من المجمع، على مساحة 330 مترا، ويستخدم المنزل متحفا ومزارا مفتوحا للعامة، قصر محمد علي والمنزل المجاور له مساحته 300 متر مربع ويتكون من طابقين، والحديقة التي تحيط به وتزيد مساحتها على 2000 متر مربع، يتم تأجير كل ذلك بمبلغ 15 ألف يورو سنويا، أي حوالي 1250 يورو شهريا، وهو ما يعادل 41.6 يورو يوميا.
تشير أرقام سابقة لوزارة الأوقاف المصرية إلى أن إيراداتها من اليونان تبلغ 70 ألف يورو في العام، وهي حصيلة تأجير 5 قطع من أملاك الأوقاف، والباقي ومقداره 10 قطع فغير مستغل.
ووفق روايات لشهود عيان، كان لوزارة الأوقاف خطة لم تكتمل بشأن لملمة باقي الأوقاف واستثمارها في إطار المنطقة الأثرية المملوكة للوزارة ضمن أملاك محمد علي باليونان، وتضم 11 ألف متر مربع، قبالة ميناء الركاب على بحر إيجه، لكن ذلك لم يحدث حتى الآن.
أبعاد سياسية دفعت للتراخي الحكومي
يشار إلى أن اللجنة التي شكلتها وزارة الأوقاف في عام 2016 هدفت إلى تنمية ممتلكات مصر باليونان وليس حصرها بالكامل، إلا أن وجود أبعاد سياسية جعل القاهرة تغض الطرف عن البحث عن حقوقها جراء التقارب السياسي في ذلك الحين مع أثينا، التي انتهت بإعادة تعيين الحدود البحرية بين البلدين.
جزيرة تشيوس
في ذلك الحين، نفت وزارة الخارجية المصرية التنازل عن جزيرة "تشيوس" لليونان، بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، مشيرة إلى أن الجزيرة ملكيتها من الأصل للدولة اليونانية، وليست ملكا للدولة المصرية على الإطلاق، وأنها ملتصقة جغرافيا بالحدود اليونانية وبعيدة كل البعد عن الحدود المصرية، ولم تكن في يوم من الأيام ملكا لمصر أو خاضعة للسيادة المصرية.
ومع الإهمال والتراخي المصري، اكتفت القاهرة بتأجير تلك الأماكن والأراضي بمبالغ زهيدة ، مع اشتراط قيام المستأجرين بالترميم والصيانة، ما أفقد الحكومة حتى العوائد الضعيفة.
وتتهم وزارة الأوقاف بالتسبب في ضياع كثير من الأوقاف التاريخية المهمة ، بسبب سياسة الاستبدال والإبدال التي تبنتها، من خلال بيع بعض الأملاك التي كانت عبارة قطع أراض وشراء غيرها، بحجة أنها ستكون أكثر نفعا، في حين أن الواقع يشير إلى عكس ذلك.
كما أن الوزارة قصرت في إرسال وفود علمية وتاريخية متخصصة لدراسة "وقف قولة" لمعرفة محتوياتها، وتحديد أماكنها بدقة حتى تستطيع ربطها بوقف جزيرة "طاش أوز" التي تقع في مكان استراتيجي مهم في بحر اليونان".
وهكذا يتسبب السيسي في ضياع تاريخ وأراضي مصر، بالإهمال والاستهانة بممتلكات مصر التاريخية والجغرافية.