خضوع مهين للسيسى فى مفاوضات “أبوظبي” بشأن سد النهضة.. تنازلات جسيمة بالطريق

- ‎فيتقارير

في ظل تراجع الإرادة المصرية سياسيا وأمنيا بفعل إدارة العسكر الفاشلة لمصر، جاء قرار القاهرة بالعودة لمسار أبوظبي التفاوضي بشان سد النهضة الأثيوبي، ليكرس أوضاعا مأساوية وتنازلات سبق أن رفضتها مصر.

حيث ضغطت أبوظبي في وقت سابق نحو تقديم مساعدات اقتصادية لمصر مقابل التنازل عن الحديث عن حقوقها التاريخية في مياه النيل، بحانب إقامة مشاريع زراعية واقتصادية بأموال إماراتية في أثيوبيا، مقابل السماح للمصريين ببعض من مياه النيل، تمهيدا مستقبليا لفكرة بيع مياه النيل لمصر، بأموال إماراتية وخليجية في البداية بالطبع، ثم توريط مصر في مأزق وجودي.

ووسط الظروف الاقتصادية الضاغطة والغضب الشعبي في مصر وتسريع أثيوبيا في مسار بناء وإنشاءات السد  والإقدام على الملء الرابع، وتغير لهجة الإدارة العسكرية المصرية إزاء الأزمة التي فشلت إدارة السيسي في حلها، والذي وضح في خطابه مؤخرا عن ضرورة الوصول لحلول وسط مع أثيوبيا، وهو ما يعني مزيدا من التنازلات سيتضرر منها ملايين المصريين.

في ظل تلك الأوضاع والمعطيات، يخشى خبراء وسياسيون من اضطرار الحكومة المصرية للقبول بحلول وخيارات، كانت ترفضها بشأن أزمة السد في أوقات ماضية تحت ضغط الأوضاع الداخلية، وحالة الاحتقان التي خلّفتها الأزمة الاقتصادية.

إذ تتعاظم مخاوف في الأوساط الدبلوماسية المصرية من القبول باتفاق هزيل برعاية أبوظبي.

ويرى دبلوماسيون أنه رغم شروع أديس أبابا في الخطوات الخاصة بالملء الرابع لخزان السد، إلا أن الوقت ليس مناسبا للتوقيع على أية وثائق أو اتفاقات جديدة تخص الأزمة، خصوصا مع اقتراب مسرحية الانتخابات الرئاسية، والخوف من تقديم السيسي  تنازلات من أجل الوصول إلى اتفاق وإعلانه أمام الرأي العام، بغض النظر عن ماهية هذا الاتفاق وقتها، وذلك  كما تم التوقيع على اتفاق المبادئ عام 2015 "وثيقة إعلان مبادئ "، التي وقعتها مصر والسودان وإثيوبيا، في خضم أزمة الشرعية التي مني بها انقلاب السيسي وتعليق الاتحاد الأفريقي عضوية مصر في 2013 والذي منح إثيوبيا الشرعية الدولية من دون تقديمها أية تنازلات أو تعهدات بشأن الملاحظات المصرية.

ومن ثم فإن أي اتفاق سيسبق الاستحقاق الانتخابي في مصر، لن يقود إلى مراعاة المصلحة الكاملة لمصر.

 

مسار أبوظبي

وفي الوقت الذي تستعد فيه إثيوبيا للبدء في المرحلة الرابعة من ملء سد النهضة، كشفت مصادر دبلوماسية مصرية مطلعة على التعامل مع ملف أزمة السد، عودة ما يعرف بـ"مسار أبوظبي".

ويتضمن المسار مفاوضات فنية بين ممثلي كل من مصر والسودان وإثيوبيا، بمشاركة مراقبين من دولة الإمارات التي ترعى تلك المفاوضات.

وكانت أبوظبي قد استقبلت، منذ منتصف العام الماضي ومطلع العام الحالي، نحو 6 جولات من المفاوضات الفنية بين متخصصين من مصر والسودان وإثيوبيا، بحضور مراقبين من الإمارات التي تتولى تلك الوساطة.

وجرى ذلك قبل أن يتخذ المسؤولون في القاهرة قرارا غير معلن في مارس الماضي، بعدم التعاطي مجددا مع "مسار أبوظبي"، معتبرين أنه يمثل مضيعة للوقت، وفرصة لأديس أبابا للمراوغة وكسب مزيد من الوقت في إطار النهج الذي تتبعه في ملء السد.

وتأتي العودة لمسار أبوظبي بدفع من المسؤولين في دولة الإمارات بعد تصاعد السجال بين القاهرة وأديس أبابا، عقب القمة العربية الأخيرة التي استضافتها المملكة العربية السعودية.

وأصدر مجلس جامعة الدول العربية على مستوى القمة، التي اختتمت أعمالها في 19 مايو الماضي بمدينة جدة السعودية، قرارا بشأن سد النهضة الإثيوبي، أكد خلاله أن الأمن المائي لكل من مصر والسودان جزء لا يتجزأ من الأمن المائي العربي، رافضا أي عمل يمس بحقوقهما في مياه النيل، وعبّر المجلس عن القلق الشديد إزاء استمرار تعثر المفاوضات في هذا الإطار بسبب المواقف التي تبنتها إثيوبيا.

وقبلت القاهرة بعودة مسار أبوظبي في ظل حالة من الانسداد على مستوى الحلول السلمية للأزمة، وكذلك تعثر مسار ما يمكن تسميته بالحلول الأمنية، حيث لا هم للعسكر في تلك المرحلة سوى تأمين اقتصادهم المتوحش والحفاظ على كرسي السيسي الضامن لهم الحصانة وعدم الملاحقة والمحاسبة على الفساد.

واستجابت القاهرة لدعوة أبوظبي التي جاءت في أعقاب القمة العربية، في ظل الانشغال الأميركي والدولي بأزمات أخرى في المنطقة.

ولعل ما يزيد من مخاوف تقديم مصر تنازلات في الوقت الحالي هو تغير الخطاب الرسمي، على لسان أعلى مستوى في الدولة وهو عبد الفتاح السيسي، الذي بدأ يشير إلى قبول القاهرة بحل وسط.

وفي الخامس من يونيو الحالي، حث السيسي، خلال مؤتمر صحفي مع رئيس موريتانيا محمد ولد الشيخ الغزواني في قصر الاتحادية بالقاهرة، إثيوبيا على القبول بحل وسط لأزمة السد.

وقال: إنه "شددنا على أهمية حث إثيوبيا على التحلي بالإرادة السياسية، للأخذ بأي من الحلول الوسطى، التي جرى طرحها على مائدة التفاوض، والتي تلبي مصالحها، من دون الافتئات على حقوق ومصالح دولتي المصب".

وفي ظل إدارة السيسي، تواجه مصر تجاهلا من جانب القوى الدولية الفاعلة، رغم المطالب المتكررة بشأن ضرورة التدخل والضغط على أديس أبابا، من أجل إجبارها على العودة لمائدة المفاوضات السياسية، والتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، كما  أن كافة الجهود التي بُذلت أخيرا لم تأت بالتأثير الذي كان متوقعا.

 

علامات استفهام

ورغم تنوع مستويات الوفود والاتصالات، سواء لدى الإدارة الأميركية أو الاتحاد الأوروبي، إلا أن الأمر لم يتحرك بالمستوى المنشود، وأن القاهرة رغم إدراكها أن الدور الإماراتي، خلال الفترة الأخيرة، على صعيد أزمة سد النهضة، شابه الكثير من اللغط وعلامات الاستفهام بشأن انحيازه في أوقات كثيرة لأطروحات تتعارض مع المصالح المصرية، إلا أنها قبلت بالعودة مجددا لأبوظبي، كون ذلك الباب الوحيد المفتوح في الوقت الحالي.

وفي السياق ، طرح خبير السدود المصري محمد حافظ، العديد من التساؤلات، عن الموقف المصري الحالي من استكمال بناء السد، والتجاهل الإثيوبي، مشيرا الى أن موقف مصر على المدى القصير، خصوصاً بعد نجاح إثيوبيا في الملء الرابع، سيكون هو الشكوى والذهاب لمجلس الأمن والضغط من خلال الدول الأوروبية على إثيوبيا.

لأن هذا ما تعودنا عليه منذ الملء الأول، وتعلم إثيوبيا أعلى سقف للتحركات المصرية، ولهذا فهي لا تعبأ بأي رد فعل مصاحب للملء التدريجي لسد النهضة.

كما أنه على المدى البعيد، قد تضطر القاهرة للاستجابة بشكل كامل لإرادة أديس أبابا، وإقناع الشعب بجدوى شراء المياه الخام من إثيوبيا.

وتتعاظم المخاطر الاستراتيجية على مصر والمصريين، مع الملء الرابع، بالرغم من تصريحات وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين، إن الملء الأول والثاني والثالث للسد لم يتسبب بضرر.

ويشير الخبراء الى أنه في السنوات الأربع الماضية، كان فيضان النيل الأزرق يأتي أكبر بكثير من الفيضان المتوسط، ولهذا شاهدنا وصول مياه الفيضان عام 2019 إلى سيناء وشاهدنا أيضا فتح مفيض توشكي وقناطر إدفينا وفارسكور والنوبارية خلال فصل الفيضان أعوام 2020 و2021 و2022.

أما من حيث حسن إدارة بحيرة ناصر في السد العالي، فقد لفت حافظ إلى أن مصر خسرت الكثير من المياه التي كان يمكن أن تخزنها البحيرة خلال سنوات الفيضان.

وأشار حافظ إلى سوء إدارة عملية التخزين في البحيرة منذ عام 2015، وتحديدا عندما صرح السيسي بأن منسوبها يعد ضمن الأمن القومي ولن يسمح للإعلام المصري التحدث عنه، على خلفية تخفيض الحصة المقررة المفروض صرفها سنويا للشعب المصري، والتي تقدر على الأقل بـ55.5 مليار متر مكعب، إلى أقل من ذلك خلال الأعوام من 2016 حتى 2018.

وتساءل حافظ عن رفض إثيوبيا، في مايو الماضي، قرار جامعة الدول العربية الداعم لموقف مصر والسودان، وقال: إن "هذا الرفض الإثيوبي ليس إلا رد فعل دبلوماسي طبيعي للاستخدام محليا في إثيوبيا، ولكن العلاقات الإثيوبية الخليجية هي أفضل من مثيلتها بين مصر والخليج.