انتقد مثقفون وخبراء آثار قرار عبدالفتاح السيسي قائد الانقلاب الدموي بتشكيل لجنة لتقييم نقل المقابر بمنطقة السيدة نفيسة والإمام الشافعي وإقامة ما أسماه مقبرة الخالدين.
وحذر الخبراء من أن تشكيل اللجنة سيكون بمثابة شرعنة لإزالة الجبانات، موضحين أن تخليد ذكرى أعلامنا ورموزنا يكون بالحفاظ عليهم في أماكنهم، وهذا هو مزار الخالدين الحقيقي.
وأكدوا أن أي بديل تحت أي مسمى سيصبح مسخا مثيرا للشفقة والعار، معتبرين أن أي إزالة أو نقل هو إهانة ونبش وتدنيس للمقابر وأصحابها يعاقب عليها القانون.
وأعرب الخبراء عن أسفهم لأن نبش القبور ونقل رفات الموتى أصبح في زمن الانقلاب قاعدة وليس استثناء، وأصبح الموتى الذين رقدوا بسلام لمدة 14 قرنا في جبانات القاهرة التاريخية معرضين في مراقدهم للعدوان والتنكيل والتحقير والتهجير القسري .
كان السيسي قد وجه بتشكيل لجنة برئاسة رئيس مجلس وزراء الانقلاب، بزعم تقييم موقف نقل المقابر السيدة نفيسة والإمام الشافعي على أن تقوم اللجنة بدراسة البدائل المتاحة والتوصل لرؤية متكاملة وتوصيات يتم الإعلان عنها للرأي العام وفق تعبيره
جاء قرار السيسي بعد استياء وغضب المصريين من مشاهد إزالة المقابر التاريخية في منطقتي السيدة نفيسة والإمام الشافعي، بعدما أعلنت محافظة القاهرة عن نقل 2760 مقبرة تلتقي مع مسار كوبري السيدة عائشة الجديد، والذي يبدأ من طريق صلاح سالم وينتهي عند نادي الأبطال بالقرب من بحيرة عين الصيرة للربط بين ميدان السيدة عائشة ومحور الحضارات.
شرعنة الإزالة
من جانبها حذرت الدكتورة جليلة القاضي، المعمارية المتخصصة في حفظ وإعادة إحياء التراث المعماري والحضاري من أن تشكيل حكومة الانقلاب لجنة يعتبر شرعنة لإزالة الجبانات التاريخية، مشددة على ضرورة استمرار حملات الضغط لإلغاء نقل المقابر.
وقالت جليلة القاضي في تصريحات صحفية، لا مانع من إنشاء مقبرة مجمعة تضم رفات أو مشاهد من فُقدت رفاتهم أو مواقع دفنهم، مثل الصحابة الأوائل ومنهم عمرو بن العاص، أو من أزيلت مقابرهم أمثال المقريزي وابن خلدون في باب النصر، وأيضا من أزيلت مقابرهم في السنوات الأخيرة أمثال الدكتور نور الدين طراف والكاتب محمد التابعي والأديب زكي المهندس وآخرين، بينما من لا تزال مقابرهم قائمة، فلنتركها في أماكنها الحالية التي تعتبر مقبرة الخالدين الحقيقية .
وأشارت إلى أن نبش القبور وتدنيسها يعد إهانة للمتوفى تعاقب عليها كل الدول، وفي فرنسا مثلا يعاقب من يدنس قبرا بوضع علامة عليه مثلا بغرامة قدرها 15 ألف يورو والسجن لمدة سنة، وتتدرج العقوبة بعد ذلك طبقا لدرجة الاعتداء، وفي مصر بداية من الدولة القديمة كانت مقابر الملوك والأعيان عرضة للنبش من أجل الاستيلاء على الثروات المدفونة فيها، ولذلك وجدنا برديات من الدولة الوسطى تحدثنا عن عقاب نابشي القبور، وتتدرج من قطع الأنف والأذن حتى تصل إلى الإعدام.
وكشفت جليلة القاضي أن القبور تتعرض للنبش والنهب عادة في عصور الاضمحلال وأفول قوة الدولة وسطوتها وتفشي الفساد، وفي العصر الحديث شاعت هذه الأفعال من قبل الرحالة وعلماء الآثار، بحيث أصبح نبش قبور القدماء وسيلة لإثراء الأفراد والدول التي امتلأت متاحفها بكنوز المصريين القدماء، وارتبطت أسطورة لعنة الفراعنة بتلك الحقبة والتي كانت تحط على العالم أو اللص فيلقى حتفه أو يصاب بمرض عضال.
أرض مستباحة
وأضافت، إذا كان قيام علماء الآثار بالبحث عن قبور القدماء علما، فإن نبش وتدنيس مقابر العامة تدينه كل القوانين والأديان والأعراف قديما وحديثا، وفي مصر يقال إكرام الميت دفنه، وليس إهانته ونبش قبره وإخراج جثته.
وأعربت جليلة القاضي عن أسفها لأن هذا يحدث في مصر في زمن الانقلاب بدون أن يثير حفيظة أي أحد، وأصبح نبش القبور ونقل رفات الموتى قاعدة وليس استثناء، وأصبح الموتى الذين رقدوا بسلام لمدة 14 قرنا في جبانات القاهرة التاريخية معرضين في مراقدهم الأخيرة للعدوان والتنكيل والتحقير والتهجير القسري، بل صارت هذه الجبانات التي تحتل موقعا اكتسب قيمته بمن دفن فيه أرضا مستباحة، تدنس وتنبش قبورها في كل عصر، تخترقها الطرق وتقطع أوصالها بشراسة منقطعة النظير وتقف على حدودها الجرافات على أهبة الاستعداد في كل الأوقات للانقضاض عليها وإشاعة الذعر عند الأموات والحسرة والقهر عند أسرهم .
وحذرت من أن اللجنة التي تم تشكيلها ستكون عبارة عن شرعنة لإزالة الجبانات، لأن تخليد ذكرى أعلامنا ورموزنا يكون بالحفاظ عليهم في أماكنهم، وهذا هو مزار الخالدين الحقيقى، مؤكدة أن أي بديل سيصبح مسخا مثيرا للشفقة والعار.
السوشيال ميديا
وكشف الدكتور جمال عبدالرحيم أستاذ الآثار الإسلامية بجامعة القاهرة، أن قرار رئيس وزراء الانقلاب بتشكيل لجنة من المتخصصين في التاريخ والآثار لدراسة الموقف وإيجاد حل لمشكلة المقابر في الإمام الشافعي والسيدة نفيسة جاء ردا على ما يتم تداوله على السوشيال ميديا من أن الكثير من الآثار الموجودة بالمنطقة سواء كانت مقابر أو أضرحة أو مشاهد ومقابر أثرية تم هدمها .
وقال عبدالرحيم في تصريحات صحفية: إن "منطقة الإمام الشافعي والسيدة نفيسة كان من المفترض أن تهتم بها دولة العسكر منذ 30 عاما، لكن للأسف لم يكن هناك أي اهتمام، محذرا من أن مشكلة هذه المنطقة أن هناك خطورة على الآثار الموجودة بها بسبب المياه الجوفية وتحرك التربة مثلما حدث في مئذنة المسيح باشا ومئذنة قوصون بعد تحرك التربة تحتهما".
وأشار إلى أنه من المعروف أن التربة تتحرك، ولذلك فإن المهندسين الإنشائيين قالوا إن "هذا الوضع صعب ولابد من التعامل مع هذه الآثار بطريقة علمية مدروسة، وبالفعل تم تفكيك أحجار هذه المآذن بعد ترقيمها، ثم إعادة تركيبها مرة أخرى بأسلوب علمي هندسي في أماكنها".
وطالب عبدالرحيم بحصر المقابر التاريخية وتقييم الموقف الخاص بها، وإذا كان هناك حاجة لنقل بعض المقابر فيجب نقلها، وإذا كان هناك ضرورة لبقائها باعتبارها تراثا عمرانيا يجب الإبقاء عليها، والاهتمام بها وترميمها.
صعوبة التنفيذ
وشكك الأديب يوسف القعيد في إمكانية تنفيذ فكرة مقبرة الخالدين وإخراجها للوجود مشيرا إلى أنه زار متاحف متعددة لشخصيات تاريخية وأدبية مهمة في بريطانيا وروسيا، ووجد أن لهم عائدا حقيقيا في السياحة بشكل عام والسياحة الثقافية بشكل خاص .
وقال القعيد في تصريحات صحفية: "نحن لدينا رموز لا تقل عنهم إن لم تكن أفضل، لكنها متناثرة في أماكن الدفن، مطالبا حكومة الانقلاب بنظرة شاملة تقوم على البحث والدراسة ومعاملة كل كاتب على حدة باعتباره حالة خاصة تختلف عن الآخرين" .
وأكد أن المقابر التاريخية ثروة قومية حقيقية وثروة سياحية غير عادية يمكن أن تدر لمصر عائدا غير عادي، مشددا على أن مصر في حاجة ماسة إلى الاستفادة من المقابر سياحيا وثقافيا وحضاريا، لأنه مشروع لا يقل أبدا عن الأهرامات بما تعنيه لمصر، لكن المهم هو آلية التنفيذ والمعايير التي سيتم بناء عليها اختيار الشخصيات، وهل سيتم دفن كل شخص في محافظته أم في مكان واحد ومتحف قومي كبير.
ولفت القعيد إلى أن مصر مليئة بالشخصيات التي يجب تخليدها والتي قدمت لمصر خدمات جليلة ويجب أن يكرموا بعد موتهم، كما كرموا في حياتهم، وهذا مردود اقتصادي بجانب المردود الحضاري الذي لا يقدر بثمن، واقترح أن يقام لكل كاتب من العمالقة الكبار متحف خاص به، بجانب إقامة متحف كبير يضم هؤلاء جميعا.