بالتزامن مع مرور 10 سنوات على انقلاب الدكتاتور السفيه السيسي على أول رئيس مدني منتخب الرئيس الشهيد محمد مرسي ، ووففا لتقديرات الموقف داخل الأجهزة السيادية للنظام العسكري، تؤكد أن السيسى لا يتمتع بأي شعبية تذكر ليس فقط في الشارع المصري بل حتى داخل هذه الأجهزة و أحزاب السلطة نفسها؛ وبالتالي فإن الأجهزة التي تعمل على إخراج المشهد تخشى من عدم القدرة على احتواء ما يمكن أن يجري؛ فمسألة المرشحين المنافسين للسيسي هي مسألة هينة إذا قورنت بالاحتمال الأكثر ترجيحا وهو التصويت العقابي المحتمل ضد السيسي لأي مرشح آخر. وهو ما يستلزم التحكم الصارم في المسرحية الانتخابية من الألف إلى الياء، لا سيما فيما يتعلق بمعدلات التصويت وكثافته وعدد الأصوات التي حصل عليها كل مرشح والقدرة على تغيير النسب والأرقام على النحو الذي جرى في مسرحيتي 2014 و2018م. ويزداد الأمر تعقيدا في ظل الضغوط الدولية خصوصا من مؤسسات التمويل الدولية من جهة وتآكل شعبية السيسي ونظامه من جهة أخرى على وقع تفشي الفقر والجوع وتضخم الديون والضرائب والغلاء الفاحش الذي طال كل شيء.
لذلك تعمل أجهزة السيسي على تستيف أوراق مسرحية الرئاسة المرتقبة بنهاية العام الحالي (2023)، وتريد أن يخرج المشهد بصورة أكثر لياقة وإقناعا من أجل تفادي حدوث فضيحة من العيار الثقيل كما حدث في مسرحيتي 2014 و2018م؛ ففي الأولى حل المرشح المنافس (الكومبارس حمدين صباحي) ثالثا بعد الأصوات الباطلة بعدما عزفت الجماهير عن المشاركة في المسرحية وهو العزوف الذي وثقته جميع الفضائيات المصرية في ظل استغاثة إعلاميي السلطة ومناشدتهم الجماهير للنزول إلى اللجان الفارغة. بينما اضطرت الأجهزة إلى الدفع بأحد مؤيدي السيسي (موسى مصطفى موسى رئيس حزب الغد) ليقوم بدور الكومبارس في مسرحية 2018م.
مسألة المرشحين المنافسين المحتملين للسيسي يبدو أن النظام قد أعد لها العدة حتى تخرج بصورة أفضل مما جرى في 2018م؛ في ظل إعلان رئيس حزب الوفد عبدالسند يمامة عن ترشحه، وأكمل قرطام عن حزب المحافظين الليبرالي، وما يدور من أحاديث حول احتمال ترشيح السيدة جميلة إسماعيل رئيس حزب الدستور ود حسام بدراوي آخر أمين عام للحزب الوطني المنحل وكذلك عمرو موسى وزير خارجية مبارك.
لكن النظام يخشى أمرين: الأول العزوف الجماهيري المرتقب في ظل التدخل الأجنبي الجاري حاليا في الشئون المصرية بفعل الديون الباهظة التي اقترضها السيسي ورصد هذه الحكومات والمؤسسات كل شيء في البلاد. والثاني، هو التصويت العقابي ضد السيسي ونظامه من جانب القلة التي ستشارك في المسرحية.
أما العزوف الجماهيري فيمكن الحد من مخاطره بضخ المزيد من الأموال لشراء الأصوات ودفع الفقراء نحو التصويت؛ وأي أسرة فقيرة إذا منحتها "200"ج في مقابل الصوت الواحد فسوف تعتبر ذلك فرصة لإطعام الأطفال وجبة لحوم جيدة حتى لو كان ذلك سوف يدمر حاضرهم ومستقبلهم فهم يتعاملون مع الانتخابات ليس بوصفها فرصة لتغيير الأوضاع فهم يائسون من ذلك؛ وقد يكون لهم الحق؛ فالانتخابات الوحيدة النزيهة في تاريخ البلاد التي غيرت الأحوال تم الانقلاب عليها بعنف ووحشية فلم يبق البرلمان المنتخب في 2011 سوى 5 شهور ولم يبق الرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة في يونيو 2012م، سوى سنة وحيدة ثم جرى اغتياله في السجن ظلما وعدوانا وذبح واعتقال عشرات الآلاف من أنصاره.
أما التصويت العقابي فهو الاحتمال المقلق للنظام؛ لذلك تعمل الاجهزة على السيطرة على المرشحين المحتملين من جهة، والإعلام من جهة ثانية، والأهم هو التحكم الصارم في مسار الانتخابات وأرقامها الصحيحة التي يجب ألا يطلع عليها إلا الأجهزة الأمنية فقط ورئيس الوطنية للانتخابات واللجنة المعاونة له والتي تم انتقاؤها بعناية فائقة للقيام بهذا الدور القذر وهو التحكم في نسب ومعدلات التصويت من جهة ونصيب كل مرشح من الأصوات المعلنة من جهة ثانية وهو عين ما جرى في مسرحيتي 2014 و2018م وإن كانت الظروف حاليا أكثر صعوبة بفعل الأزمة الاقتصادية الحادة التي تمر بها البلاد.
قاض مشبوه
لدرء هذه الثغرة في السيناريو الذي جرى إعداده أصدر السيسي في 20 يونيو 2023م قرارا جمهوريا بتعيين نائب رئيس محكمة النقض، المستشار وليد حسن سيد حمزة، رئيساً للهيئة الوطنية للانتخابات في إطار إعادة تشكيل "الهيئة الوطنية للانتخابات"، وذلك قبيل بدء إجراءات مسرحية الانتخابات الرئاسية في اواخر 2023م.
واستند السيسي في تعيين حمزة إلى أحكام قانون إنشاء الهيئة، الذي يسمح بإمكانية ندب نصف أعضاء مجلس إدارتها كل ثلاث سنوات. ويكون تعيين أعضاء المجلس عن طريق الندب الكلي لدورة واحدة، مدتها ست سنوات غير قابلة للتجديد. وبموجب القرار الجمهوري المتعلق بتعيين حمزة، جرى تعيين نائب رئيس مجلس الدولة، المستشار مراد فكري هابيل، عضواً في الهيئة.
الهدف من اختيار حمزة هو التحكم الصارم في الأرقام والبيانات الصحيحة لمسرحية الانتخابات وإذعانه الكامل لأجهزة السيسي الأمنية؛ وأُطلق على حمزة لقب "مهندس الانتخابات الرئاسية عام 2014"، التي حل فيها الكومباس حمدين صباحي ثالثا بعد الأصوات الباطلة. وعُين حمزة في 5 فبراير 2014 رئيساً للجهاز الفني للأمانة العامة للجنة القضائية المشرفة على الانتخابات الرئاسية وقتها، الذي تولى الإشراف وتنفيذ قرارات اللجنة في شأن الانتخابات الرئاسية بكل مراحلها، بداية من فتح باب الترشيح، وبحث توافر الشروط في مرشحي الرئاسة، وحتى إعلان النتيجة النهائية للانتخابات.
وكان حمزة المسيطر على جميع القرارات الخاصة باللجنة، ورفع أعمالها إلى المستشار أنور رشاد العاصي، رئيس اللجنة القضائية المشرفة على الانتخابات الرئاسية وقتها. كما كان حلقة الوصل بين اللجنة مع جميع الجهات الأخرى المشاركة في العملية الانتخابية، من الأجهزة المخابراتية والعسكرية والأمنية والقضائية، متولياً مهمة التنسيق معها.
من جانب آخر فإن حمزة هو أحد رجال المستشار أحمد السيسي، نائب رئيس محكمة النقض ورئيس وحدة مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال، والشقيق الأكبر للسيسي، إذ تزاملا في إحدى دوائر محكمة النقض المصرية ولفترة طويلة، وكان على علاقة وثيقة به. وكان حمزة المرشح الدائم لشقيق السيسي في أي اختيارات أو عمليات تصويت داخلية، كانت تجري في محكمة النقض، أو عند أي ترشيحات في مناصب قضائية أخرى، وذلك للعلاقة القوية بينهما.
أما من الجهة العائلية فإن حمزة ينحدر من عائلة معروف عنها أنها جزء من مافيا الدولة العميقة ترتبط على الدوام بالسلطة وتنفيذ أجندتها؛ فهو من محافظة الفيوم، وهو نجل المستشار حسن حمزة، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق، والذي كان أحد أبرز القضاة المناهضين لتيار "استقلال القضاء المصري"، وكان موالياً لتيار أحمد الزند رئيس نادي القضاة المصري الأسبق ووزير العدل الأسبق، والمعروف بقربه من نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، ودوائر الحكم في مصر.
مكافآت وامتيازات بالجملة
وتكشف أرقام الموازنة المصرية للعام المالي 2022-2023 عن ارتفاع مخصصات "الهيئة الوطنية للانتخابات" إلى 90 مليون جنيه مقارنة بـ7 ملايين جنيه فقط في عام 2018-2019، أي بزيادة تقدر بـ83 مليون جنيه في ظرف أربع سنوات فقط، مع العلم أنه لم تجر خلال هذه الفترة أي استفتاءات أو انتخابات. وحسب النائب ضياء الدين داود، في جلسة مناقشة موازنة (2022/2023) فإن الموازنة التي تزعم الحكومة أنها "تقشفية"، احتوت مكافآت ضخمة لأعضاء "الهيئة الوطنية للانتخابات"، ومنها حصول كل عضو في الهيئة على مكافأة تحت مسمى "جهود عادية"، بواقع 30 ألف جنيه كل 3 أشهر، وأخرى باسم "جهود غير عادية" بقيمة 36 ألف جنيه (حوالي 1600 دولار) كل 3 أشهر، وثالثة بمسمى "جهود غير عادية في شهر رمضان" بواقع 36 ألف جنيه. وأضاف داود أن كل عضو في الهيئة حصل على مكافأة رابعة باسم "جهود غير عادية في عيد الفطر"، قيمتها 36 ألف جنيه، وخامسة تحت مسمى "بدل مصيف في شهر يونيو" بواقع 20 ألف جنيه، إضافة إلى 72 ألف جنيه عن أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر. وهي مكافآت مجموعها 230 ألف جنيه (12 ألف و300 دولار) لكل عضو، بخلاف ما يتقاضونه من أجور ومكافآت وبدلات أخرى على مدار العام!
وتختص الهيئة بإدارة الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية والمحلية في مصر، وتنظيم جميع العمليات المرتبطة بها، فضلاً عن إعداد قاعدة بيانات الناخبين من واقع بيانات الرقم القومي، وتحديثها وتعديلها وتنقيتها ومراجعتها بصفة مستمرة دورياً، ودعوة الناخبين إلى الاستفتاءات والانتخابات، وتحديد مواعيدها، وفتح باب الترشح، وتلقي طلبات الترشح وفحصها، والبت فيها، ووضع قواعد وإجراءات وآليات سير عملية الاستفتاء والانتخابات، وفق القانون. ويُشكل مجلس إدارة الهيئة من عشرة أعضاء من بين نواب رئيس محكمة النقض، ورؤساء محاكم الاستئناف، ونواب رئيس مجلس الدولة، ونواب رئيس هيئة قضايا الدولة، ونواب رئيس هيئة النيابة الإدارية، ويختارهم مجلس القضاء الأعلى والمجالس الخاصة للجهات والهيئات القضائية من غير أعضاء هذه المجالس، على ألا تقل المدة الباقية لبلوغ أي منهم سن التقاعد عن ست سنوات عند ندبهم.